كانت أوغندا من بين ترشيحات الحركة الصهيونية لقيام وطن قومي يهودي وفق ما كشفه المُؤرّخون الذين عاصروا مؤتمر بازل سنة 1897، وذهبت بعض الآراء أيضًا لاقتراح السّودان لأن أراضيه شاسعة خصبة، وتواصلت هذه الفكرة حتّى بعد إنشاء الكيان على أرض فلسطين في منتصف القرن الماضي، حيث دفع العجز التّجاري الذي بلغ 281 مليون دولار سنة 1950 ثم 400 مليون دولار نتيجة للحصار العربي، دفع الإسرائيليين للتفكير في اللجوء إلى أفريقيا كمتنفّس.

 

القارة الأفريقية إذًا لم تكن غائبة عن العقل الاستراتيجي الهادف لإنشاء الدولة الإسرائيلية، وأخبار التغلغل الإسرائيلي في دول القارة السّمراء ليست بالأمر الجديد. تُشير بعض الدّراسات إلى أن الإسرائيليين اشتغلوا بعمق على القارة الأفريقية وبحثوا عن مداخل موضوعية لربط الصّلات وكسر الحصار المضروب عليها، ويُعدّ ظهور مفهوم «الصهيونية السوداء» أحد أبرز التأسيسات النظرية التي اعتمدتها إسرائيل للتقرب من الشعوب الأفريقية.

 

والصهيونية السوداء هي دعوة كانت قد انتشرت في أمريكا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، من قبل بعض القيادات السود الذين تبنوا قضايا حقوق الإنسان ونشر الوعي الأسود حيث ربطت بين مصطلح «العودة» في الفكر الصهيوني إلى أرض الميعاد وبين عودة السود الأمريكان إلى جذورهم الأصلية في أفريقيا، وبرغم فشل هذه الدعوة في تربة نشأتها؛ استغلت إسرائيل هذه الأرضية الفكرية للترويج لفكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين والتغلغل في الدوائر الأفريقية والإعلامية داخل الدول الأفريقية.

يرصُد هذا التقرير تاريخ وحاضر العلاقات الأفريقية الإسرائيلية، ويستشرف مُستقبل هذه العلاقات في ظل تنوّع اللاعبين الدّوليين المُراهنين على هذه القارّة الغنيّة رغم فقر أغلب شعوبها.

 

 

كيف تطوّرت العلاقات الأفريقية الإسرائيلية؟

 

ارتبطت الأجندة الإسرائيلية في أفريقيا بوضعها في السياق العام، كما تأثّرت علاقاتها بها تاريخيًا بأحداث أخرى كان لها انعكاساتها، ويُمكن أن نُميّز بين خمس مراحل أساسية أفضى تعاقبها لنحت معالم الحضور الصّهيوني في أفريقيا اليوم.

1- مرحلة تثبيت الوجود ولحظة الانتباه (1948 – 1975)

 

تزامن كما هو معلوم الإعلان عن قيام الدّولة العبرية على الأراضي الفلسطينية، مع ردود فعل رافضة دفعت صانع القرار الإسرائيلي للبحث عن تحصيل شرعيّة دولية للكيان وتأمين وجودها الذي كان مُهدّدًا وقتها لتُوجّه كل جهودها الدبلوماسية نحو الدّول الاستعمارية الغربية المالكة لمفاتيح «الحل والعقد» في تلك الفترة مثل الولايات المُتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي.

 

وانتظرت إسرائيل سنة 1955، عندما فشلت كل مساعيها لتأمين مكان لها بين حضور مُؤتمر القمة الأفروآسيوية الذي انعقد لأوّل مرة في باندونج الأندونيسية، لتتفطّن إلى ضرورة العمل على صناعة حلفاء وأصدقاء أفارقة خاصّة بعد إدانتها باعتبارها كيانًا محتلًا خلال أشغال هذا المُؤتمر الذي نزلت فيه الدّول العربية والإسلامية بقوّة (14 من أصل 29 دولة مُشاركة).

 

 

إسرائيل

صورة للرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر خلال افتتاح مؤتمر باندونغ – أرشيف.

 

2- مرحلة الانتشار (1957 – 1973)

حصلت غانا على استقلالها من الاحتلال البريطاني يوم السادس من مارس (آذار) 1957، وبعد أقل من شهر؛ كانت إسرائيل أول دولة أجنبية تُبادر بفتح سفارة لها في العاصمة أكرا، وهو ما عكس ملامح الاستراتيجية الإسرائيلية في أفريقيا خلال هذه الفترة.

 

ركّزت الدّبلوماسية الإسرائيلية على الدّول المُستقلّة حديثًا للانتشار في القارة السّمراء، وسعت لتسويق نفسها كنموذج للدول الصغيرة المُعرّضة لتحدّيات ومصاعب جمّة إلا أنها لم تُحقّق مُنجزًا تنمويّا على الأرض، وفي غضون تسع سنوات؛ تمكّنت إسرائيل من تدارك تخلّفها الدّبلوماسي أفريقيًّا وأصبحت تحظى بحلول 1966 بتمثيل دبلوماسي غطّى كل دول جنوب الصّحراء باستثناء الصومال وموريتانيا.

 

وفي الحقيقة؛ كان الصّراع العربي الإسرائيلي في تلك الفترة أحد أبرز مُحرّكات التنافس على توطيد العلاقات مع دول القارة، إذ أصبحت أفريقيا ذات وزن أممي لا يُستهان به مع تزايد عدد الدّول المُستقلة، وكان للحضور المصري في منظمة الوحدة الأفريقية التي أنشئت سنة 1963 دور هام في دفع إسرائيل لربط علاقات تعوّض بها عدم حصولها على عضوية هذه المُنظّمة.

3- مرحلة المقاطعة (1973 – 1983)

 

أعادت حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 بين الدّول العربية وإسرائيل الوضع إلى ما هو عليه بالنسبة لتل أبيب: قبل انطلاق الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة، كانت إسرائيل قد نجحت في إقامة علاقات دبلوماسية مع 25 دولة أفريقية، ومع انطلاقها تقلّص العدد ليصل إلى خمس دول فقط وهي على التوالي جنوب أفريقيا ومالاوي وليسوتو وسوازيلاند وموريشيوس.

 

وإن كانت مصر قد نجحت في الاستفادة من علاقاتها الأفريقية التي نسجتها كما ذكرنا سابقًا عبر «منظّمة الوحدة الأفريقية» و«حركة عدم الانحياز» التي أفرزها مُؤتمر الأفروآسيوية، ومن تقديم نفسها باعتبارها بلدًا يقاوم من أجل استعادة أراضيه من الاحتلال الإسرائيلي، تشير بعض التحاليل الأخرى إلى أن الجانب البراجماتي كان حاضرًا أيضًا في موقف الدّول الأفريقية التي قطعت علاقاتها مع الكيان باعتبار أنها كانت تبحث في مُقابل مُساندتها الحصول على المُساعدات العربية وخاصةً من الدّول النّفطية.

 

بالمُقابل؛ كان الموقف الإسرائيلي أكثر براجماتية في علاقتها بالدّول المُقاطعة لها، فقد تجاوزت دلالات موقف هذه الدّول السياسية والدّبلوماسية بهدف حماية مصالحها الاقتصادية. تُشير التّقارير إلى أن إسرائيل أنشأت قنوات تواصل غير رسميّة مع أغلب دول المُقاطعة الأفريقية لضمان تواصل التعاون التّجاري فيما بينها وهو ما برز من خلال ارتفاع قيمة التّجارة الإسرائيلية نحو دول جنوب الصّحراء من 54.8 مليون دولار سنة 1973 إلى 104.3 مليون دولار سنة 1978.

4- مرحلة الرّجوع إلى الحضن الأفريقي (1982 – 1991)

حاولت إسرائيل طيلة سنوات الحصار أن تعود إلى الحضن الأفريقي وأن تسترجع تمثيلاتها الدبلوماسية واستفادت من جملة من الأسباب التي مهّدت عودتها. من بين هذه الأسباب نذكر تخلّف الدّول العربية عن تنفيذ وعودها بمساعدة الدّول الأفريقية خاصةً مع تزامن هذه الفترة مع أزمة البترول في الثمانينيات إذ عرفت سوق إنتاج النفط فائضًا كانعكاس لانخفاض الطّلب عليه بعد أزمتي 1979 و1973 وهو ما انعكس على سعر المحروقات لتبلغ ما دون الدولارات العشرة سنة 1986 وهو ما انعكس على اقتصاديات الدّول العربية.

 

في المُقابل؛ استفادت إسرائيل من الأثر الإيجابي الذي تركته المُساعدات الإسرائيلية في الستينيات خلال «مرحلة الانتشار». أرادت الدّول الأفريقية التي كانت مُحبطة من تراجع المُساعدات العربية استئنافَ المُساعدات الإسرائيلية لملء الفراغ الذي تركه العرب.

 

وبالإضافة لما سبق، فهناك ما ذكره بعض المؤرخين من الدّور السلبي للرئيس الليبي الأسبق، معمر القذافي، الذي استغلّت إسرائيل سياساته التي وُصفت بأنها كانت «متعجرفة ومتعالية تجاه الدول الأفريقية» وتدخّله في الشؤون الدّاخلية لبعض الدّول من أجل حث الدّول الأفريقية على فك الارتباط أو تخفيفه في الحد الأدنى مع الدّول العربية التي كان القذافي في فترة ما أحد مواطن الضّعف في دعايتها ضد إسرائيل.

 

كما ساهمت التغيرات في جنوب أفريقيا وفي موقف إسرائيل من هذه الدولة في تعديل مواقف الدّول الأفريقية، ففي سنة 1987، انضمت إسرائيل إلى العقوبات التي فُرضت على نظام التفرقة العنصرية، وأدت نهاية هذا النظام إلى إنهاء الانتقاد الموجه إلى إسرائيل بسبب تأييدها لجنوب أفريقيا.

 

وكان لاتفاقية كامب ديفيد وإمضاء مُعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل سنة 1978 دور هام في معاضدة كل الأسباب الذاتية والموضوعية المُدرجة أعلاه، فقد رفع هذا التفاهم المصري الإسرائيلي الحرج على الدّول الأفريقية التي كانت تُريد استئناف العلاقات، باعتبار أن السبب الرّئيس للمُقاطعة لم يعُد قائمًا وبالتالي فقد معناه.

 

5- سياسات التّطبيع الكامل (1991 – حتى الآن)

 

شهدت هذه المرحلة إعادة تأسيس العلاقات بين إسرائيل وأفريقيا مرة أخرى وخاصّة خلال سنتي 1991 و1992، وبالإضافة للأسباب السابق ذكرها، ساهم سقوط الأنظمة الماركسية اللينينية في أفريقيا بالتزامن مع سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي في خفض منسوب الأيديولوجيا لدى دبلوماسيات عدد هام من الدّول الأفريقية، كما دفع دخول الدّول العربية في العملية التفاوضية مع إسرائيل انطلاقًا من مُؤتمر مدريد لاستئناف الدّول المُقاطعة علاقاتها مع إسرائيل، وفي عام 1992 وحده قامت ثماني دول أفريقية بإعادة تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ليبلغ عدد الدول الأفريقية التي تربطها علاقات دبلوماسية مع الأخيرة، سنة 1997، 48 دولة من أصل 54.

 

واقع العلاقات الأفريقية الإسرائيلية اليوم

 

برهنت مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قمة المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في بداية شهر يونيو (حزيران) الماضي والتي احتضنتها العاصمة الليبيرية مونروفيا على التّقدّم الملحوظ الذي حققته الدبلوماسية الإسرائيلية في علاقتها بدول غرب أفريقيا خصوصًا والقارة عمومًا.

 

وظهرت أهمّية هذا «الإنجاز الدبلوماسي» من خلال احتفاء الصّحف الإسرائيلية بهذه المُشاركة، إذ قالت صحيفة معاريف في تقرير حمل عنوان «قفزة قصيرة إلى أفريقيا.. لكنها قفزة كبيرة لإسرائيل» أن مشاركة نتنياهو في هذه القمة أنعشت آمال إسرائيل مرة أخرى لاختراق منطقة غرب أفريقيا التي تبدو بعيدة جغرافيًا عن إسرائيل لكنها تمثل أهمية اقتصادية واستراتيجية بالغة جدًا بالنسبة لها لا سيما وأنها تطمح لضخ استثمارات في مجالات الزراعة تقدر بما يزيد على 40 مليار دولار بهذه الدول علاوة على محاولتها إحداث انطلاقة سياسية مع دول مهمة في هذه المنطقة مثل مالي والنيجر والسنغال.

 

الإنجاز الدبلوماسي الإسرائيلي تجاوز المُشاركة في هذه القمة من خلال الإعلان عن اعتزام تل أبيب تنظيم أول قمة إسرائيلية أفريقية في أكتوبر (تشرين الأول) القادم، وستحتضن هذه القمة توغو التي آلت إليها الرئاسة الدورية لـ«إكواس». وتُشكّل هذه الخطوة شراكة متقدمة في مجال التطبيع بين إسرائيل والدول الأفريقية، وتأتي على غرار القمم الأخرى كالقمة الفرنسية الأفريقية، والقمة الهندية الأفريقية، والقمة الصينية الأفريقية، والقمة التركية الأفريقية، التي تسعى من خلالها هذه القوى لتحصيل نفوذ اقتصادي في أفريقيا.

 

لماذا يحاول «المارد الإسرائيلي» التغلغل في أفريقيا؟

 

يُمكن تلخيص الأهداف الكُبرى للانتشار الإسرائيلي في القارة وتركيزها على دول الغرب الأفريقي في النّقاط التالية:

 

  • الإستفادة من ظهور الجماعات المُتـطرّفة في منطقة الغرب الأفريقي لوضع المُقاومة الفلسطينية ضمن نفس السّلة ووسمها بالإرهاب بهدف كسب تأييد هذه الدّول والحد من حجم التعاطف مع القضية الفلسطينية.

 

 

  • كسب أصوات هذه الدّول في المحافل الدّولية والمنظمات الإقليمية التي طالما جرّمت إسرائيل وأحرجتها.

 

  • الاستفادة من السوق الأفريقية والرفع من حجم التبادل التجاري معها الذي لا يزال ضعيفًا وهو ما كشفه معهد الصادرات الإسرائيلي سنة 2016: تُمثّل صادرات إسرائيل نحو دول القارة 6% فقط من إجمالي الصادرات الإسرائيلية.

 

  • مُحاصرة الدّول العربية وحماية أمنها القومي خاصة عبر الحؤول دون أن يتحوّل البحر الأحمر إلى بحيرة عربية لأن ذلك يحاصرها استراتيجيًا.

أدوات الاختراق الإسرائيلي للقارة السمراء

 

  • استثمار الصداقات مع بعض الدّول لتمهيد التقارب مع دول أخرى (وساطة دبلوماسية). من بين هذه الدّول نذكر نيجيريا وغانا وساحل العاج.

 

  • تقديم مُساعدات استخبارية وتدريبات عسكرية مُستفيدة من وجود مُستوى جيد من الثقة في القدرات الإسرائيلية في هذا المجال. على سبيل المثال؛ ساعدت إسرائيل في مجال تدريب قوات الشرطة وقوات الحرس الرئاسي لعدد من الدول الأفريقية مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية حاليًا والكاميرون بالإضافة إلى أثيوبيا ودول القرن الأفريقي.

 

  • تقديم المُساعدات الفنية والزراعية للكادر البشري في الدّول الأفريقية عبر ثلاثة محاور أساسية وهي نقل المهارات التقنية وغيرها عن طريق برامج تدريبية معينة، وتزويد الدول الأفريقية بخبراء إسرائيليين لمدة قصيرة أو طويلة المدى، وإنشاء شركات مشتركة بين متخصصين إسرائيليين من جهة وآخرين أفارقة من جهة أخرى. تشير الإحصاءات التي نشرها مركز التعاون الدولي التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية أن عدد الأفارقة الذين تلقوا تدريبهم في إسرائيل عام 1997 وصل إلى نحو 742 متدربًا إضافة إلى نحو 24636 أفريقيًا تلقوا تدريبهم من قبل في مراكز التدريب الإسرائيلية خلال السنوات الأربعين الماضية.

 

 

العلاقات الإسرائيلية- الأفريقية: الطريق ليس مفروشًا بالورود

 

تبدو العلاقات الإسرائيلية الأفريقية في أحسن أحوالها خاصةً مع نجاح إسرائيل في تنظيم القمة الأفريقية الإسرائيلية كما ذُكر أعلاه، وباعتبار أنه لا ثابت في السياسة، سيكون أمام هذا الامتداد عدد من العوامل التي قد تُؤثّر على هذه العلاقات.

 

1- الرفض العربي

 

عقب مشاركة نتنياهو في قمة منظمة المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا، أعلن المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الجامعة العربية وسفيرها في مصر، جمال الشوبكي، أنه تقرر عقد اجتماع في دورة غير عادية لمجلس الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين بمقر الجامعة العربية، لبحث التصدي للتغلغل الإسرائيلي المتنامي في القارة الأفريقية.

 

وبالفعل؛ أقر مجلس جامعة الدول العربية في اجتماعه غير العادي الذي عقد برئاسة الجزائر وبناء على طلب من دولة فلسطين، خطة تحرك عربية لمواجهة التغلغل الإسرائيلي في القارة الأفريقية على حساب فلسطين، وتشمل الخطة التي جرت مناقشتها وإقرارها في جلسة مغلقة، دعوة الدول الأعضاء لاستمرار أو وضع بند دعم القضية الفلسطينية والتصدي للمحاولات الإسرائيلية للاتفاق عليها ضمن أجندة أي تعاون أو حوار سياسي ثقافي بين الدول العربية والدول الأفريقية على مختلف المستويات.

 

وتضمنت الخطة دعوة الدول الأعضاء إلى إدخال بند دعم القضية الفلسطينية وصيانة مكانتها التاريخية في أفريقيا ضمن خطط وبرامج أي تعاون اقتصادي وتنموي وثقافي وفني عربي أفريقي، بما يشمل القطاعات الحكومية المختلفة والوكالات العربية للتعاون الدولي والصناديق والمؤسسات المالية العربية التي تعمل في مجال التعاون العربي الأفريقي.

 

وأوصت الخطة وزراء الخارجية بقيام وفد وزاري من جامعة الدول العربية (رئاسة القمة ورئاسة المجلس الوزاري ودولة فلسطين والأمين العام للجامعة ومن يرغب من وزراء الخارجية العرب) بجولة أفريقية أو أكثر تشمل الدول الأفريقية المحورية والمؤثرة ولقاء رؤساء تلك الدول، ووزراء خارجيتها بهدف تعزيز التعاون العربي الأفريقي في مختلف المجالات وخاصةً بشأن قضية فلسطين وإفشال المحاولات الإسرائيلية الهادفة إلى الالتفاف على الدعم الأفريقي التاريخي للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.

 

ودعا المجلس في بيان أصدره في ختام اجتماعه غير العادي، جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي للحفاظ على المواقف الأفريقية التاريخية الداعمة للقضية الفلسطينية التي تعبر عنها القرارات والإعلانات التي تصدر بشكل دوري عن مؤتمرات القمة الأفريقية والعربية الأفريقية بشأن دعم الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.

 

هذا الموقف العربي سيكون أمام اختبار حقيقي مع حلول موعد القمّة الأفريقية الإسرائيلية المُرتقبة، وفي انتظار النتيجة؛ ويستبعد مُراقبون أن ينجح العرب، على المدى القريب، في لجم الطّموح الإسرائيلي للتوسّع أفريقيًا، خاصّة في ظلّ الخلافات الأخيرة التي تشهدها منطقة الخليج.

2- الطموح التركي

«إنّ تركيا تولي اهتمامًا كبيرًا بالقارة الأفريقية، وسياستها تجاهها لا تشبه أي سياسات أخرى، وهي على ثقةٍ أنّ النصف الثاني من القرن الحالي سيكون عصر أفريقيا الحقيقي… على أفريقيا أن تختار شركاءها بعناية، في مسيرة كفاحها لإثبات نفسها». *مقتطف من كلمة ألقاها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته إلى شرق أفريقيا في يونيو (حزيران) 2017.

 

في إطار السياسة الخارجية متعددة الأبعاد التي تتبعها تركيا، أعدت في عام 1998 خطة الانفتاح على أفريقيا من أجل تحقيق نقلة نوعية على صعيد العلاقات السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية بين تركيا والدول الأفريقية، وفي هذا السياق، أعدت مستشارية التجارة الخارجية في الجمهورية التركية في بداية عام 2003 «استراتيجية تطوير العلاقات الاقتصادية مع الدول الأفريقية» وأعلنت حكومة الجمهورية التركية عام 2005 «عام أفريقيا».

 

تنوعت العلاقات التركية مع القارة الأفريقية وتطورت بفضل زيادة عدد الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى وتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية الجديدة وإنشاء الآليات الثنائية الاقتصادية والسياسية وتشجيع الزيارات المتبادلة للوفود التجارية، ونالت تركيا بتاريخ 12 أبريل (نيسان) 2005 صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي، وكلفت سفارتها لدى أديس أبابا بتاريخ الخامس من مايو (أيار) 2005 لتكون سفارة الجمهورية التركية المعتمدة لدى الاتحاد الأفريقي، كما قام الاتحاد الأفريقي بالقرار الذي اتخذه في اجتماع القمة العاشر الذي عقد في أديس أبابا في شهر يناير (كانون الثاني) 2008 بإعلان تركيا شريكًا استراتيجيًا له.

 

واعتمدت تركيا سفارتها في أبوجا لدى المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا اعتبارًا من شهر مايو (أيار) 2005، كما أن تركيا التي انضمت إلى منتدى الشركاء الدولي التابع للهيئة الحكومية الدولية للتنمية (IGAD) في شهر يونيو (حزيران) 2008، قامت باعتماد سفارتها في دار السلام لدى مجموعة دول أفريقيا الشرقية (EAC).

 

وتمت المصادقة أثناء اجتماع المانحين الذي عقد يومي 14-15 مايو (أيار) 2008 على الطلب الذي تقدمت به تركيا في شهر فبراير (شباط) 2008 من أجل نيل عضوية بنك التنمية الأفريقي وصندوق التنمية الأفريقي، وبذلك أصبحت تركيا العضو الخامس والعشرين في بنك التنمية الأفريقي من خارج أفريقيا.

 

على الصعيد الاقتصادي، كان حجم التجارة مع أفريقيا في حدود 3 مليارات دولار عام 2002، لكنه تضاعف إلى 67 مليار دولار وفق آخر الإحصائيات، ووصل حجم الاستثمارات التركية في أفريقيا إلى 6 مليارات دولار.

 

ونجحت تركيا أمنيًا في أن تركّز أوّل قاعدة عسكريّة لها في القارة الأفريقية عبر الصومال، وتعمل الأجهزة التركية على مُتابعة جماعة فتح الله كولن التي سبقت الدّولة التركية في التمدّد عبر مشاريعها ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي في القارة.

 

وتهدف تركيا إلى أن تفتح سفارة لها في كل دولة أفريقية خلال السنوات القادمة، وبالنّظر إلى التنافس والتوجّس الخفي وتضارب المشاريع رغم التطبيع المُعلن بين تُركيا وإسرائيل، يرى مُراقبون أن جزءًا هامًا من الصّراع البارد الدّائر بينهما في الشرق الأوسط سيتم نقله للقارّة السّمراء.

3- التوسع الإيراني

 

انتهجت إيران مجموعة من السياسات الرخوة، التي ساعدت على التوغل في أفريقيا، من بينها تقديم مساعدات تنموية في مجالات التكنولوجيا، ومجالات الطاقة والتنقيب عن البترول والاستكشافات البترولية، وصيانة معامل تكرير النفط، والصناعات البتروكيماوية والغاز، وتنمية القطاعات الزراعية والصحية وإنشاء السدود، بالإضافة إلى تصدير النفط لبلدان القارة الأفريقية بأسعار رخيصة مقارنةً بالسوق العالمي.

 

وأسهمت تلك السياسات في نمو التبادل التجاري بين إيران والدول الأفريقية، حيث أعلن مدير عام الشؤون العربية والأفريقية في غرفة التجارة والصناعة والمناجم والزراعة الإيرانية، «شهرام خاصي بور»، خلال اجتماع تجاري مشترك بين أفريقيا وإيران تم تنظيمه في طهران، أن إيران وجنوب أفريقيا ترسمان آفاق التبادل التجاري لبلوغه نحو ملياري دولار في عام 2021.

 

هذا التوسّع الإيراني يؤرق إسرائيل، وهو ما برز فيما نشره الجنرال «يعقوب عميدرور» من معهد أبحاث الأمن القومي في يونيو (حزيران) 2010، حيث بثّ مخاوف إسرائيل من تطور العلاقات بين دول شرق أفريقيا مثل أثيوبيا وأوغندا وكينيا ككتلة والاتجاه بها نحو التحالف الاستراتيجي بما فيها دولة جنوب السودان المنتظرة في ذلك الوقت من ناحية، ومن ناحية أخرى تعاظم دور إيران لدعم دول أخرى في المنطقة وحركات موالية لها داخل هذه الدول.

 

4- الهاجس الأمني لدى الدّول المُطبّعة

 

من بين الهواجس التي قد تكون حاضرة في حسابات صناع القرار بالدول الأفريقية، هو الهاجس الأمني باعتبار أن التّطبيع مع إسرائيل بما هي دولة معادية في نظر قطاعات واسعة من المسلمين قد يجعلها مستهدفة من طرف الجماعات المُسلّحة ذات المرجعية الإسلامية، وقد يكون ذريعة لفتح جبهات ضد هذه الأنظمة المُطبّعة، خاصة في المناطق ذات الأغلبية المسلمة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد