في دولة يتكون نظامها السياسي من بعض مبادئ الديمقراطية الغربية المحدودة أو مظاهرها بمعنى أصح، المختلطة بمبادئ دولة ولاية الفقيه ذي الصلاحيات الشبه مطلقة، فبالتأكيد تصبح علاقة الأدب والفن بالسلطة علاقة سيئة ومضطربة طوال الوقت، فمنذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، قامت الحكومات المتعاقبة فيها بقيادة الولي الفقيه، بالتدخل في الحياة الاجتماعية بشكل شبه كامل، بما فيها الحياة الثقافية، حيث تم حظر المئات من الكتب والأشعار والأعمال الفنية بحجة مخالفتها للتقاليد الإسلامية والإيرانية، وفي بعض الأحيان بسبب تهكمها من العملية السياسية في إيران ورموز النظام الإسلامي الحاكم، ولم يقتصر الأمر على الحظر وحجب هذه المواد، بل كان الاعتقال والسجن نصيب صانعيها في كثير من الأحيان، هذا الأمر الذي ما زال جاريًا في إيران حتى الآن.

معرض كتاب طهران المثير للجدل كالعادة

“معرض الكتاب هو مرتع للأيادي الخارجية والعملاء”. أحمد علم الهدى.. إمام الجمعة بمدينة مشهد

تحت ذريعة أنهم “هواة وتحت المستوى المطلوب”، تم منع 116 ناشرًا من نشر موادهم في معرض الكتاب بطهران لعام 2015 (الذي انتهى في 16 مايو الماضي) وفقًا للجنة المخالفات بمعرض الكتاب الدولي بطهران، إلا أن السبب قد لا يبدو مقنعًا، عندما تعرف أن معظم الشخصيات التي تم حجب موادها، هم من الساسة والفنانين والمعارضين لسياسات النظام الحالي.

وقد كان رجال الدين الإيرانيون أكثر صراحة من المسؤولين على المعرض في توضيح الأسباب، ففي نظر بعضهم، معرض الكتاب هو فرصة لتصدير الثقافة الأجنبية داخل البلاد، حيث قال إمام مدينة مشهد، أحمد علم الهدى، إن معرض طهران للكتاب حقل للعملاء والمرتزقة، وانتقد علم الهدى، السماح لبعض ممن يسمون المدافعين عن حرية الفن من هؤلاء اللواتي يرتدين الحجاب بشكل سيئ أو الذين يتهكمون على النظام أو الذين ينشرون الفحشاء من الصعود إلى المنصة المقامة في المعرض.

فاطمة اختصاري بين الحجب والاعتقال المستمر

في معرض طهران للكتاب الأخير، تم جمع مجموعة شعرية تحت عنوان “مختارات شعرية سعيدة مصحوبة بصور تذكارية”، للشاعرة فاطمة اختصاري، وكان السبب وفقًا لـ “همايون أمير زاده”، مدير لجنة التحقيقات حول مخالفات النشر، هو أن المغني “شاهين نجفي”، قد استفاد ببعض هذه الأشعار وقام بغنائها، وأضاف همايون أن الكتاب تم منعه من المعرض على طلب الناشر، وشاهين نجفي هو مغني إيراني يقيم في ألمانيا وتدور أغانيه حول قضايا كالثيوقراطية والفقر والتمييز على أساس الجنس والرقابة وإدمان المخدرات، ويسعى دائمًا نجفي لاستخدام مصطلحات فلسفية وأدبية وسياسية خلال موسيقاه وأغانيه، فيما يبدو أن هذا السبب أكثر واقعية من سبب حقوق الملكية.

وقد أكد هذا علم الهدى بقوله، “لماذا يكون معرض طهران للكتاب حقل للعملاء والمرتزقة، هناك كتاب شعر في المعرض يستهين من الإمام الهادي، حيث تم غناء هذه الأشعار من قبل مغني موجود بألمانيا”.

(GERMANY OUT) Shahin Najafi (* 10. September 1980 in Bandar-e Anzali, Iran, Iranischer Sänger/Songwriter, Rapper und Gitarrist mit derzeitigem Wohnsitz in Deutschland) "Hich Hich Hich"-Tour Shahin Najafi (Gesang und Gitarre), Majid Kazemi (Gesang und Gitarre) Niko Stallmann (Schlagzeug), Ben Trawinski (Bass) und Roman Koushniarou (Klarinette)   Altes Pfandhaus, Kartäuserwall 20, 50678 Köln  (Photo by Brill/ullstein bild via Getty Images)

(GERMANY OUT) Shahin Najafi (* 10. September 1980 in Bandar-e Anzali, Iran, Iranischer Sänger/Songwriter, Rapper und Gitarrist mit derzeitigem Wohnsitz in Deutschland) “Hich Hich Hich”-Tour Shahin Najafi (Gesang und Gitarre), Majid Kazemi (Gesang und Gitarre) Niko Stallmann (Schlagzeug), Ben Trawinski (Bass) und Roman Koushniarou (Klarinette) Altes Pfandhaus, Kartäuserwall 20, 50678 Köln (Photo by Brill/ullstein bild via Getty Images)

وفاطمة اختصاري، شاعرة من بلدة كاشمر بمحافظة خراسان، تما اعقتالها منذ عامين، ثم أفرج عنها بكفالة، وفي فترة رئاسة أحمدي نجاد، تم منع نشر مجموعة شعرية لفاطمة تحت عنوان “حديث نسوي قبل طبخ البطاطس” بل تم مصادرته مرة من معرض الكتاب حينها.

ممنوع التحدث عن آية الله الخميني

وفي معرض الكتاب الذي أقيم هذه السنة بطهران، تم منع كتاب يتحدث عن “آية الله الخوميني”، تحت عنوان “(A Critical Introduction to Khomeini)، أو “مقدمة نقدية عن الخميني”، حيث قال “علي فريدوني” مدير لجنة رقابة المحتوى في معرض طهران، إن الكتاب موجود في قائمة الكتب التي يبغي الناشرون عرضها في المعرض، لكن كما هو معلوم للناشرين، أنهم لا يمتلكون حق العرض.

أثينا والاعتقالات المستمرة

المصدر : BBC

بسبب هذه الصورة التي تصور أعضاء البرلمان الإيراني في شكل حيوانات وهم يدلون بأصواتهم على قوانين مقترحة تهدف للحد من حرية تحديد النسل، قدمت صاحبتها الفنانة والناشطة السياسية أثينا فرقداني، إلى المحاكمة، وتواجه فرقداني، 28 عامًا، حاليًا تهمًا عدة، من بينها نشر الدعاية المعادية، وإهانة أعضاء البرلمان، والإساءة للمرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، و من المفترض أن تمنع القوانين المقترحة عقودًا من تنظيم الأسرة في إيران، وهو ما سيؤدي إلى تجريم جرحات قطع الحبل المنوي لدى الرجل ووسائل منع الحمل.

أثينا فرقداني – المصدر :BBC

ويذكر أنه ألقي القبض أول مرة على فرقداني في أغسطس 2014، عندما اقتحمت قوات الحرس الثوري الإيراني منزلها، واقتادتها إلى سجن جاراغاك، وأطلق سراحها في ديسمبر، لكنها اعتقلت مرة أخرى في يناير، بعدما نشرت مقطع فيديو على الإنترنت قالت فيه إنها تعرضت للضرب على يد حراس السجن والاستجواب لتسع ساعات يوميًّا، وبعد اعتقالها ثانية بثلاثة أسابيع، دخلت فرقداني في إضراب عن الطعام احتجاجًا على سوء الأوضاع في السجن، ونقلت الناشطة إلى المستشفى في فبراير الماضي بعدما أصيبت بأزمة قلبية وفقدان الوعي لوقت قصير، ومنذ ذلك الوقت، أودعت أثينا فرقداني محسبًا انفراديًّا في سجن إيفين بالعاصمة، طهران.

فردوس الزهراء

“لا تبحث في الأرض عن مرقدنا بعد الوفاة- إنما مقامنا في صدور العارفين من الأنام”. مولانا جلال الدين الرومي

بهذه الجملة أهديت رواية “فردوس الزهراء”، الحاصلة على لقب الرواية المصورة الأولى في “جوائز إسنر” عام 2012 ورواية العام في 2011 فيما يتعلق بالروايات المصورة، “إلى المفقودين والغائبين والذين سقطوا” في الاحتجاجات الإيرانية عام 2009.

المصدر goodreads

وبسبب خوف المؤلفين من بطش الأجهزة الأمنية الإيرانية التي من الممكن أن تطلهما في مكان إقامتهما بالولايات المتحدة، لم يعط الناشر معلومات عن مؤلفي الرواية أكثر من الاسم الأول لكل منهما، وهما الكاتب الإيراني أمير ورسامها الجزائري خليل.

الرواية تحمل اسم أكبر مقبرة في دولة إيران، وتروي القصة اختفاء مهدي علوي (19 عامًا)، بطل الرواية، ضمن المختفين في الاحتجاجات على إعادة انتخاب الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد والتي سميت بالثورة الخضراء في 2009، فتبحث عنه أمه وأخوه “في دهاليز دولة أمنية بيروقراطية قاهرة يختفي المعارضون فيها بلا أثر كأنما لم يوجدوا” بحسب تعبيره.

لم تكن فردوس الزهراء هي الرواية المصورة الأولى التي يتم منعها في إيران، فقد تم حجب رواية برسيبوليس التي نشرت في عام 2000، وهي رواية مصورة صدرت باللغة الفرنسية تحوي السيرة الذاتية لمؤلفتها الإيرانية مرجان ساترابي، حيث تروي حياتها في إيران وأوروبا أثناء الثورة الإسلامية وبعدها، يشير عنوان الرواية إلى المدينة التاريخية برسيبوليس والتي تقع في إيران.

المصدر goodreads

وحظيت الرواية المرسومة بالأبيض والأسود على شعبية كبيرة فور صدورها، تقع النسخة الفرنسية منها في أربعة أجزاء، تم دمجها في جزئين فقط في نظيرتها المترجمة للإنجليزية.

المصدر goodreads

ومن ضمن المؤلفات التي أثارت الجدل، هي الرواية الكبيرة «قصة حب إيرانية تحت مقص الرقيب» لشهريار منديني بور والتي نشرت في 2009، وتدور حول فكرة واحدة فقط، هي أن كاتبًا إيرانيًّا يريد أن يكتب قصة حب في إيران، والسيد بتروفتش الرقيب والمسؤول عن المطبوعات يراقب كل كلمة يكتبها، ويطلب إليه أن يعدّل الأحداث والمواقف والشخصيات بما يتناسب مع عادات وثقافة المجتمع الإيراني والثورة الإسلامية.

فروغ فرخزاد وتحرير النساء

فروغ فرخزاد

بسبب شهرة آرائها المطالبة بــ”تحرير النساء”، التي ترى أنهن يعانين القمع والظلم في مجتمع ذكوري، طالما ما قوبلت الشاعرة الإيرانية الشهيرة “فروغ فرخزاد” بهجوم حاد بسبب محتوى كتاباتها وخاصة أنها كانت تركز على التعبير عن علاقات جنسية صريحة بأشعارها المترجمة للغات عالمية مختلفة.

ولكن يبدو أن كتابات وأشعار فرخزاد لا تزال تمثل صداعًا في رأس النظام الإسلامي الحالي، فبعد أكثر من 40 عامًا من وفاتها، قررت السلطات الإيرانية في معرض كتاب طهران لعام 2010، بمنع عرض الأعمال الشعرية لفروغ فرخزاد مع منع الناشرين من عرض ملصقات عنها.

وفروغ فرخزاد المولودة في عام 5 يناير 1935م، تعتبر من أشهر الشاعرات الإيرانيات، ولدت في عائلة عسكرية في طفرشو. وهي الثالثة بين ستة أشقاء وتوفيت في 14فبراير 1967 في حادث سير مأساوي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد