لم يكن يرى في نفسه قائدًا عسكريًّا، وفاتحًا فذًّا فحسب، إنما كانت تحتلُّ أركانَ مخيلته وإيمانه طموحاتٌ لا حدَّ لها، امتزج فيها العنفوان الشخصي، والرؤى الدينية، ونشدان العظمة. فلم يقنَع محمد الفاتح بأن يجعل من نفسه وجيشه «نعم الأمير والجيش»، كما يذكر الحديث النبوي الشهير – على اختلافٍ في صحته- بعد أن افتتح القسطنطينية عام 1453م، فأراد أن يستأثر أيضًا بشرف أحاديث أُخَر تبشِّر بفتح روما، أو روميَّة، كما كانت تُسمّى، ولعلّه إن نجح في هذا، كان سيضم إلى قائمة ألقابه التي لا تنتهي، لقب «قيصر الرومان»، بعد أن نصّب نفسَهُ سلطانًا للبرَّين وللبحريْن، وقيصرًا للروم عندما افتتحَ عصرَه باقتحام عاصمتهم، مدينة القسطنطينيّة المنيعة.

يمتلئ التاريخ العثماني بعشرات بل مئات المعارك الحربية، خاصةً في ساحات جنوبي وشرق أوروبا، والتي ذاع صيتها بين المهتمّين بالتاريخ شرقًا وغربًا، وعلى رأسها معركة فتح القسطنطينية 1453م، وموقعة موهاكس الحاسمة ضد المجر 1526م، وحصاريْ فيينا 1529و1683م.. إلخ، لكن رغم ذلك، لم تحظَ العملية العسكرية العثمانية للسيطرة على إيطاليا، ومحاولة الاستيلاء على روما، أواخر عهد محمد الفاتح، بقدرٍ مماثل من الشهرة، ولعل ذلك عائدٌ إلى قِصَر المدة الزمنية التي استغرقتها، وإلى أنها لم تسفر عن تغييرٍ طويل المدى في الخارطتيْن السياسية والعسكرية.

في السطور التالية سنسلط الأضواء على تلك الغزوة الفريدة، والتي كان يمكن أن تغير تاريخ أوروبا والبشرية إلى الأبد، لولا تدخُّل يد القدر.

مدينة أوترانتو التي كانت الساحة الرئيسية للصدام العثماني- المسيحي في إيطاليا 1480- 1481م.

محمد الفاتح.. من الدولة إلى الإمبراطورية

على مدار ثلاث عقودٍ من الحروب التي تكاد لا تنقطع، شرقًا وغربًا في عهد الفاتح، بدأت الدولة العثمانية الناشئة تشبٌّ عن الطوق بوصفها إمبراطوريةً فتيّة، تحتلُّ المفصل بين المشرق والمغرب، لتكونَ رقمًا صعبًا في معادلة السياسة والحرب والدولية.

بعد عملية فتح القسطنطينية شديدة التعقيد، والتي تردَّدت أصداء سقوطها في كافة أرجاء أوروبا المسيحية، ركّز الفاتح أولًا على تعمير المدينة، وجعلها عاصمةً متألّقة لدولته، فبدأ أولًا بكبح جماح عمليات السلب والنهب والتخريب، على العادة المتّبعة عند فتح المدن عنوة، دون اتفافية أمان واستسلام، وهكذا منَّ الفاتح على المدينة المقهورة بالأمان، وترك نصف كنائسها للمسيحين، وبذل جهودًا في تشجيع سكانها المسيحيين، والتجار الأوروبيين على البقاء فيها؛ لكيلا تتوقّف الحياة فيها. ثم شرع الفاتح في نقل عشرات الآلاف من سكان الأناضول، وغيرها من المناطق العثمانية الأخرى إلى العاصمة، وبالفعل أخذ عدد سكان القسطنطينية في التضاعف، ونمت المدينة نموًّا مذهلًا، ومثّلت خزَّانًا بشريًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا هائلًا، أعطى دفعةً هائلة للدولة ككل.

في تلك الأثناء، عزَّز الفاتح هيمنَته في الأناضول، وقمع كل بوادر التمرد على سلطانه بقوةٍ عاتية، مما مكَّنه من التركيز على مشروعاته التوسُّعية الكبرى، خاصة في أوروبا. في السنوات القليلة التالية لفتح القسطنطينية، فرض الفاتح الجزية على أمراء اليونان، في حين احتلَّت جيوشه معظم مناطق بلاد الصرب، رغم عجزه عن افتتاح عاصمتها الحصينة بلجراد. ثم خاضت الجيوش العثمانية حروبًا ضارية مع فلاد الوالاشي – الذي اقتُبست قصة مصاص الدماء دراكولا من سيرته الدموية- حاكم إقليم والاشيا الروماني، والذي غدر باتفاقاته مع العثمانيين، وقتل الآلاف من رعاياهم الآمنين في بلاده، فانتزع منه محمد الفاتح بلادَه، واستولى لفترة على حاضرة ملكه مدينة بوخارست.

عزَّز الفاتح سلطانه في بلاد البلقان، خاصة أراضي البوسنة وألبانيا الحالية، خصوصًا بعد وفاة المتمرد الشهير إسكندر بيك، والذي استقلّ بحكم ألبانيا عن العثمانيين لأكثر من ربع قرن. ثم خاضت الدولة العثمانية حروبًا عديدة مع دولة البندقية بين عامي 1463م- 1479م، للاستيلاء على سواحل البلقان المطلّة على البحر الأدرياتيكي، والجزر الاستراتيجية في البحر المتوسط، والهيمنة على الخطوط التجارية البحرية وفي غضون ذلك، استولت الجيوش العثمانية على مدينة طرابزون المهمة على ساحل البحر الأسود، وكذلك على أجزاءٍ من إقليم مولدافيا في شرق أوروبا، وعلى شبه جزيرة القرم المطلّة على شمال البحر الأسود.

بحلول عام 1479م، كانت معظم أجزاء شبه جزيرة البلقان، واليونان، وأراضي بلغاريا، ومعظم أراضي رومانيا الحالية، تحت السيطرة العثمانية، وأوشك بحر إيجة الواقع بين تركيا واليونان الحاليتيْن، أن يتحوَّل إلى بحرٍ عثماني. عندئذٍ رأى محمد الفاتح أن الفرصة مواتية لكي ينفذ أحد أخطر مشروعاته السياسية والعسكرية، وهو مهاجمة العقل الرئيس للكاثوليكية: روما.

معركة نيكوبوليس.. حينما كانت «الصاعقة» العثمانية على وشك اجتياح أوروبا

وما أدراك ما إيطاليا!

لم تكن محاولة الغزو العثماني لإيطاليا، في الربع الأخير من القرن الخامس، هي أول احتكاك مباشر بين المسلمين والجزيرة الإيطالية. فمبكرًا جدًّا وفي زمن الخليفة عثمان بن عفان، أغار المسلمون بقيادة معاوية بن أبي سفيان على جزيرة صقلية جنوبي إيطاليا، ثم في عام 212 هـ، افتتح الأغالبة – حكام إفريقيَّة آنذاك- جزيرة صقلية بقيادة أسد بن الفرات، وظل الوجود الإسلامي في جنوب إيطاليا لقرونٍ تالية، قبل زواله بشكلٍ شبه تام مع تدهور الأحوال السياسية والعسكرية للمسلمين.

ثم مع اندلاع الحروب الصليبية – قبل أكثر من ثلاثة قرون من غزوة 1480م العثمانية في إيطاليا- بعد دعوة حماسية من بابا روما، وما سبّبتهُ من حروبٍ طاحنة استمرت قرنيْن، وخلّفت مئات الآلاف من الضحايا، أصبح الكرسي البابويُّ محطّ كراهية عميقة في العالم الإسلامي. لذا لم يكن مستغرَبًا أي يصبح احتلال روما وتركيع البابوية، حلمًا يراود كل قائدٍ مسلمٍ طموح.

تذكر بعض المصادر التاريخية أن فتح روما كان يراود محمد الفاتح في أحلام اليقظة والمنام على حدٍّ سواء، وأنه أقسم ألا يهدأ له بال حتى يربط حصانه في بوابة كاتدرائية القديس بطرس الشهيرة في قلب روما. ورأى الفاتح فرصةً مواتيةً في حالة السكون العام في معظم الجبهات، بعد استقرار سلطانه على الأناضول، والاستقرار النسبيّ للحدود مع مملكة المجر، وتوقيع الصلح مع جمهورية البندقية عام 1479م، مما خفّف الأعباء العسكرية على الأسطول العثماني الذي خاض مواجهاتٍ عديدة مع تلك الجمهورية، التي تسيَّدت الجزء الشرقي من البحر المتوسط لسنواتٍ طويلة.

جهَّز الفاتح جيشًا عثمانيًّا كبيرًا، قوامه أكثر من 20 ألف جندي، نُقلوا بحرًا عبر 128 سفينة متنوعة إلى الجانب الإيطالي من البحر الأدرياتيكي، حيث أنزِلوا إلى البرّ في منطقة أوترانتو الخاضعة لسيطرة مملكة نابولي، التي كانت تهيمن على إيطاليا الجنوبية، والتي كانت تعد أقصى نقطة إلى الجنوب في الأراضي الإيطالية، ومن اللافت للنظر أن الفاتح لم يَقُد الحملة بنفسه لسبب غير معلوم.

معركة أوترانتو.. العثمانيون في إيطاليا

مقطع فيديو مبسط لتفاصيل معركة أوترانتوا (مترجم)

بادئ ذي بدء، ومع الظهور المفاجئ لطلائع الأسطول العثماني قرب سواحل أوترانتو أواخر يوليو (تموز) 1480م، ظنَّت حامية المدينة أنّها مجرد غارة عابرة، فخرجوا على الفور لمهاجمة الكتائب العثمانية الأولى على شواطئهم، وهنا صعقتهم المفاجأة عندما رأوا الجحافل العثمانية تترى عبر البحر؛ فانسحبت الحامية فورًا بعد اشتباكاتٍ محدودة إلى المدينة وتحصَّنت بها.

أرسل القائد العثماني رسولًا إلى المدينة يطلب استسلامَها مقابل الأمان، لكن الحامية المكوّنة من ألفي جندي رفضت الاستسلام رغم الفارق الهائل في العدد والعتاد بينهم وبين المهاجمين. أحاط العثمانيون بالمدينة كقبضةٍ مُحكمة، وبدأت المدفعية العثمانية تصب جام غضبها على أسوار مدينة أوترانتو، التي كانت ترتجّ كل بقعةٍ فيها بالموت المنهمر.

انهارت الأسوار الخارجية سريعًا، فاجتاح العثمانيون المدينة، واستباحوها أيامًا، بينما فرَّت الحامية لتتحصّن في قلعة المدينة. نصب العثمانيون مدافعَهم حول القلعة، وبدأوا في دك جدرانها الحصينة على مدار أسبوعين، قبل أن يتمكّنوا منها، ومن ثمَّ الانسياح داخل القلعة، معملين السيف في حامية المدينة، وفي فلول المدنيين الذين تحصَّنوا بها وأصرُّوا على المقاومة.

تركز الرواية التاريخية المسيحية على قصة 800 من سكّان أوترانتوا ظلُّوا على قيد الحياة بعد الاقتحام العثماني للقلعة، اصطُلِحَ على تسميتهم «شهداء أوترانتو». إذ عرض العثمانيون على هؤلاء الدخول في الإسلام ليحصلوا على الأمان، لكنهم رفضوا، فقُتِلوا جميعًا، وبهذا اكتمل واحدٌ من أكثر الفتوحات العثمانية شراسةً ودموية.

سرت أخبار سقوط أوترانتو كالصاعقة في أوروبا عامةً، وفي الجزيرة الإيطالية خاصةً، لاسيّما في روما. فبدأت الجيوش تتجهّز في ممكلة نابولي، وفي جزيرة صقلية، وحتى في مملكة المجر، التي كانت رغم بعدها عن مسرح الأحداث، تعد واحدةً من أقوى الدول الكاثوليكية المناوئة للعثمانيين في أوروبا.

في تلك الأثناء أعاد العثمانيون تحصين المدينة، وشرعوا في الاستيلاء على بعض القرى والمدن الإيطالية المحيطة، لكنّ المقاومة التي واجهتهم لم تسمح بتوغلٍ كبيرٍ في الأراضي الإيطالية الجنوبية. في سبتمبر (أيلول) 1480م، اتخذ القائد العثماني قرارًا مفاجئًا بسحب معظم قوّاته إلى ساحل ألبانيا من حيث انطلقوا، وترك 1300 جنديًّا وفارسًا فحسب كحاميةٍ في أوترانتو للدفاع عنها، مع وعدٍ بالعودة بقوةٍ عسكرية أكبر بعد انتهاء الشتاء، لمواصلة غزو إيطاليا.

أخذ البابا في روما يكثف الدعوات إلى حملةٍ صليبيةٍ كبرى لتحرير أوترانتو، ودرء الخطر العثماني عن بيضة الكاثوليكية، بينما وضع خطةً طارئة لإخلاء روما في حالة اقتراب الجيوش العثمانية منها. فشلت بعض المحاولات العشوائية الأولى لانتزاع أوترانتو من العثمانيين من قبل مملكة نابولي أواخر عام 1480م.

وبحلول ربيع عام 1481م، كانت الجيوش الصليبية قد تكاملت، وفي الأول من مايو (آيّار) 1481م، فرضت حصارًا محكمًا على أوترانتو. أرسلت الحامية العثمانية إلى إسطنبول تستنجد، وتستنهض إرسال التعزيزات، وفكّ الحصار، لكن شاءت الأقدار أن يُتوفَّى محمد الفاتح بعد يومين فحسب من بدء الحصار، في الثالث من مايو 1481م، فلم يلبِّ حامية أوترانتو إلا صدى استغاثتها.

الفتح يموت مع الفاتح

على عادة الملكيّات الوراثية في التاريخ عامةً، والتاريخ الإسلامي خاصة، ومآلات العثمانيين على وجهٍ أخص، تضطرب أمور الدولة كثيرًا في دوراتٍ لا تنتهي، عندما يحين أجلُ كل حاكم، لاسيّما عندما يكون ملءَ السمع والبصر، في فترة حكمٍ طويلة، يكون هو فيها مدار الأمر والنهي، والأخذ والردّ. ترك الفاتح وراثة العرش معلّقةً، فتنازعها ابناه بايزيد، وجُم؛ لتندلع حربٌ أهلية استمرَّت لسنوات قبل أن يحسمها بايزيد الثاني. في غضون ذلك الصراع المرير على السلطة، تُرِكت الحامية العثمانية في أوترانتو في مهب الرياح الكاثوليكية العاتية.

لذا، فبعد ثلاثة أشهر من الصمود في أوترانتو، ومع قنوط الحامية من وصول أيّ دعمٍ من إسطنبول، تفاوض قائد الحامية مع الصليبيين على التسليم مقابل الرحيل بأمان من المدينة. وبالفعل في سبتمبر 1481م، وبعد أكثر من 13 شهرًا من السيطرة العثمانية، دخلت الجيوش الصليبية المشتركة إلى أوترانتو، وانتهت أخطر محاولة عثمانية لغزو إيطاليا.

لكن، بعد أكثر من 50 عامًا، سيحاول البحار العثماني الشهير خير الدين بارباروسا غزو أوترانتو مجددًا عام 1537م، ولكن تلك المحاولة لن تحظى بأي نجاحٍ يُذكر.

المصادر

عرض التعليقات