صورة أرشيفية للقوات الأمريكية في الفلوجة

صورة أرشيفية للقوات الأمريكية في الفلوجة

اعتبر الكاتب الصحفي ديباك تريبثي في مقال له بموقع ميدل إيست أي أن التدخل العسكري للولايات المتحدة الأمريكية في كل من العراق وأفغانستان أدى إلى تدمير الهيكل العام للدولة في كلا البلدين، مشيرًا إلى أن المحاولات التي بذلت في هذا الصدد من قبل الولايات المتحدة لإنشاء أنظمة ديمقراطية على النمط الغربي أفضى بدوره إلى تغذية بذور العنف والفوضى على النقيض من النجاحات التي تحققت في هذا المسار بعد الحرب العالمية الثانية في التجربة اليابانية والألمانية على سبيل المثال.

وبالرغم من أن مشهد إسقاط تمثال الرئيس العراقي صدام حسين من قبل إحدى المدرعات الأمريكية في ميدان الفردوس في قلب العاصمة العراقية بغداد في شهر أبريل عام 2003 كان بمثابة المشهد الأخير في مسلسل الحرب الأمريكية في العراق ناهيك عن دلالته الرمزية على أن نجم الولايات المتحدة لم يكن قد أفل بعد، خاصة مع مرور ثلاث سنوات على هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، إلا أن الكاتب لفت الأنظار إلى اللقطات المصاحبة للمشهد والتي ظهرت ملامحها في قلة الحشود التي كانت شاهدة على سقوط التمثال وهي اللقطات التي غابت عن الإدارة الأمريكية والدول الغربية حسبما رأى الكاتب.

العراق يتهاوى

وفقاً للكاتب، عمد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الذي أعلن عن انتهاء المهمة العسكرية للقوات الأمريكية في العراق بعد ثلاثة أسابيع فقط من سقوط بغداد من على متن حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن، إلى اتخاذ العديد من الإجراءات التي أدت إلى تفكيك الهيكل العام للدولة العراقية من قبيل حل حزب البعث العراقي الحزب الحاكم في العراق وتعيين بول بريمر حاكمًا على العراق، متسائلًا في الوقت ذاته عن جدوى تلك الخطوات ومدى قدرتها على خلق نظام ديمقراطي بنكهة غربية كما هو الحال مع الديمقراطيات التي بعثت من جديد في كل من ألمانيا واليابان مغلفة بلمحات من الجوانب الثقافية والوطنية لكلا البلدين بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية.

وعلى النقيض من التجربة الألمانية واليابانية، رأى الكاتب أن ما من شئ قد تحقق على صعيد التجربة الديمقراطية العراقية التي تستند في جوهرها على الثقافة العراقية والتراث التاريخي رغم مرور تسع سنوات على الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق الذي انتهى رسميًا في عام 2011 مخلفًا وراءه مشاهد من الفوضى التي بزغ نجمها في العراق بعد الغزو الأمريكي والتي تؤشر على أن الدولة العراقية باتت تسير في طريق خاطئ، خاصة وأن البنيان الثقافي للقوة المنتصرة والتي تمثلها الولايات المتحدة يختلف كليًا عن البنيان الثقافي للدولة المهزومة والتي تمثلها العراق.

ونوه الكاتب أيضًا إلى أن التجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا كشفت زيف القوة العسكرية للولايات المتحدة وعدم قدرتها على إعادة بناء الدول في القرن الحادي والعشرين بالرغم من قوتها التي وصفها بالساحقة والتي تمكنها من التدخل واحتلال الدول الأجنبية باعتبارها القوة العظمى المتبقية في المشهد الدولي، مضيفًا بأن الولايات المتحدة عمدت إلى تصوير العالم وفقًا لرؤيتها التي تفترض انصياع المجتمع الدولي لقرارتها دون مشاركة.

نخبة شيعية حاكمة وانزواء سني

بحسب الكاتب، لم تنجح القرارات التي تم اتخاذها عقب الإطاحة بصدام حسين والتي كانت تهدف إلى إنشاء هيكل جديد للدولة العراقية والعودة بالبلد إلى الاستقرار والمسار الديمقراطي في خلق واقع جديد بل على النقيض غرقت العراق في بحر الصراعات الطبقية منذ عام 2006 وهو ما دفع إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش حينها للتفاوض حول الخروج الأمريكي من العراق الذي تحقق بالفعل في عام 2011.

كما اعتبر الكاتب أن الديمقراطية كانت بمثابة الأمل المفقود في العراق خاصة في ظل استمرار أعمال العنف التي أسفرت بدورها عن مقتل العشرات ناهيك عن العقوبات الاقتصادية التي تم فرضها على العراق في عقد التسعينيات من القرن الماضي من قبل المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة مما كان له أبلغ الأثر في إضعاف الدولة العراقية التي ظلت عاجزة عن فرض سيطرتها على أمة منقسمة باتت تحيا في ظل دستور جديد تم إقرارة عام 2005 تحت قيادة جديدة من النخبة الحاكمة التي تشكلت من الأغلبية الشيعية في الجنوب والأكراد في الشمال، وهي الفئة التي عانت في عهد صدام حسين، فيما تم عزل الأقلية السنية في غياب تام للضوابط والتوازنات التي تتطلبها الديمقراطية الحقيقية. ومن رحم العنف الطائفي الذي يضرب العراق ظهرت طائفة من السياسيين الذين يتلاعبون بالحقائق على حد وصف الكاتب مثل رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي.

مقبرة لبناة الدولة

أشار الكاتب إلى أن العراق التي باتت تتخذ من عدوها اللدود إيران حليفًا مقربًا، أضحت مصدر فشل للمشروع الأمريكي لتعزيز الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين، الأمر الذي لا يختلف في طياته مع تجارب مماثلة، سواء ما حدث منها في الماضي القريب أو القرن الماضي، في إشارة من الكاتب إلى التجربة الأمريكية في أفغانستان التي كانت أرضًا خصبة للتدخل العسكري الأمريكي خاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر في مدينتي نيويورك وواشنطن في عام 2001 و التي عززت من الدوافع الأمريكية للتدخل العسكري في أفغانستان لمواجهة حركة طالبان وإعادة تشكيل الأوضاع في غرب آسيا بما يتوافق مع المصالح الغربية تحت مزاعم نشر الحرية والديمقراطية.

وأضاف الكاتب أن التدخل الأول للولايات المتحدة في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي ودعمها للمجاهدين الأفغان ضد الحكم الشيوعي خاصة بعد الغزو السوفييتي للأراضي الأفغانية في عام 1979 كشف بدوره عن بعض التناقضات التي تتمثل في دعم إحدى القوى الخارجية لبعض الجماعات المتطرفة في صراع داخلي يغير من التوازنات على المدى البعيد والقصير.

المجتمعات المنقسمة

أرجع الكاتب الفشل في بناء الدولة الأفغانية منذ منتصف القرن العشرين إلى مجموعة من العوامل التي أوردها وتمثلت في تضارب الرؤى الأيديولوجية لكل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وصراعهما لفرض السيطرة والنفوذ على غرب آسيا خلال الحرب الباردة بالإضافة إلى مصالح بعض القوى الإقليمية الأخرى مثل باكستان والمملكة العربية السعودية وإيران والهند، مشيرًا إلى أنه وبالرغم من أن الهدف المعلن للولايات المتحدة جراء تدخلها في أفغانستان تمثل في بناء مؤسسات الدولة، إلا أن الحرب قوضت تلك الجهود، كما أن المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية التي كان يفترض لها أن تجمع جماعات المصالح في سلة واحدة في كابل وبناء نظام متكامل من الضوابط والتوازنات يستند على النمط الغربي من الديمقراطية باءت جهودها بالفشل نتيجة التدخل الخارجي المتوالي على البلاد منذ عقد الستينيات، ما يشي بأن عمليات التدمير التي طالت التجربة الأفغانية كانت قد اكتملت أركانها بداية مع الانقلاب الشيوعي في عام 1978 وإنتهاءً بالإطاحة بنظام طالبان في شهر ديسمبر من عام 2011 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

ورغم الآمال التي بعثت من جديد مع العودة الأمريكية في أفغانستان، إلا أن هذه الآمال قد تلاشت مع الظهور المتنامي لحركة طالبان من جديد منذ ثلاث سنوات وهو ما خلف وراءه موجة من أعمال العنف والفساد المجتمعي التي كانت حجر عثرة أمام المهمة الأمريكية لبناء الدولة الافغانية حسب ما رأى الكاتب.

الخبرة الأفغانية

أشار الكاتب أيضاً إلى أن العلاقات الأمريكية الأفغانية شهدت حالة من انعدام الثقة بين الرئيس الافغاني حامد كرازاي والرئيس الأمريكي باراك أوباما ألقت بظلالها القاتمة على الاتفاقية العسكرية التي تقضي بالإبقاء على بعض المجموعات القتالية الأمريكية في أفغانستان خاصة مع اقتراب الموعد المحدد لانسحاب القوات العسكرية للولايات المتحدة من أفغانستان بنهاية العام الجاري ما يشي بأن المحاولة الأمريكية لبناء الدولة الأفغانية قد باءت بالفشل كما هو الحال مع التجربة العراقية بالرغم من مرور ثلاثة عشر عامًا من الوجود العسكري الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في أفغانستان التي أصبحت بمثابة الدولة الهشة التي تعتمد بالأساس على المعونات الأجنبية إضافة إلى الإنقسام المجتمعي الذي يعصف بمكونات الدولة الأفغانية التي تتصاعد فيها موجات غضب عارمة تجاة السياسات التي قامت بها الولايات المتحدة، خاصة ما يتعلق منها بالشأن العسكري وليست هجمات الطائرات الأمريكية بدون طيار والغارات الليلية على المنازل الأفغانية منا ببعيد.

كما انتقد الكاتب القراءة الأمريكية الخاطئة لطبيعة النظام السياسي والاجتماعي الذي تعيش في ظله دول العراق وأفغانستان والعديد من دول الشرق الأوسط التي تستمد فيها السلطة من جهات ثلاث هم شيوخ القبائل وأئمة القرى الذي يفسرون القوانين العرفية ويفصلون في النزاعات القائمة والتجار الذين يسيطرون على الأسواق الذين اعتبرهم الكاتب بمثابة الركائز التي يستند عليها الملك لتثبيت أركان عرشه.

وأرجع الكاتب دعم الولايات المتحده للأنظمة الديكتاتورية في بلدان مثل مصر وباكستان إلى رغبتها في بسط نفوذها غير أن ذلك ينعكس بدوره على الهيئات التشريعية التي تتدهور جراء ذلك الدعم وهو ما يجعل من النظام السياسي رهينة لطموحات القوى العظمى، الأمر الذي لم يحدث فقط في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا بل في أماكن أخرى خلال الحرب الباردة في الفلبين وكوريا الجنوبية والصومال وزائير والأرجنتين وتشيلي والسلفادور ونيكاراجوا على سبيل المثال.

المصالح الجيوسياسية

بالرغم مما شهدته العديد من البلدان الديكتاتورية واليمينية من انتهاكات وحشية بحق قضايا حقوق الإنسان، إلا أن الولايات المتحدة وحسبما رأى الكاتب قد دعمت هذه الأنظمة سرًا وعلانيةً فقط لأنها تسير قدمًا في خدمة مصالحها الخاصة، ولا يزال هذا الاتجاه يمضي قدمًا حتى مع انتهاء الحرب الباردة منذ خمسة وعشرين عامًا وهو ما ينعكس بدوره سلبًا على قيم الديمقراطية وبناء الدول الذي يسير في اتجاه لا يتوافق مع المصالح الجيوسياسية الأمريكية.

ووصف الكاتب سياسة الإدارة الأمريكية تجاة ثورات الربيع العربي التي اندلعت في تونس ومصر وليبيا وسوريا والبحرين بالسياسة المتخبطة والعاجزة عن تحديد ما إذا كانت ستمضي في ركاب الشعوب العربية أم ستظل على نهجها الداعم للأنظمة الديكتاتورية. ففي الوقت الذي كانت تنظر فيه الولايات المتحدة إلى الأنظمة المصرية والبحرينية باعتبارها حليفًا عسكريًا لواشنطن يخدم مصالحها في المنطقة، كانت الأنظمة الليبية والسورية على النقيض من ذلك لموقفهما المناهض للولايات المتحدة خلال الحرب الباردة وانضمامهما للمعسكر السوفيتي، لذا كانت الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وبناء الدولة من ضمن الأوراق الأمريكية في ليبيا التي شهدت الإطاحة بالرئيس معمر القذافي وقتله على يد الميليشيات المناهضة له و المدعومة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها.

وتساءل الكاتب في نهاية المقال عما إذا كان الدافع لدى الولايات المتحدة يتمثل في بناء دول حرة مستقرة وديمقراطية أم أن الأمر يقتصر فقط على القضاء على التهديدات التي تحيق بالمصالح الأمريكية، مشيرًا إلى التعاطي الأمريكي المتناقض مع عدد من القضايا التي طغت على المشهد الدولي ومن ضمنها موقف الإدارة الأمريكية من الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي إثر انقلاب عسكري وما يكتنفه من تناقض حيال ردود فعل الإدارة الأمريكية وحديثها المتواصل عن الحرية وبناء الدول.

عرض التعليقات
تحميل المزيد