قبل يوم أمس عرف ملعب مدينة سطيف بالجزائر مباراة مشحونة بين فريق الرجاء البيضاوي المغربي، وفريق وفاق سطيف الجزائري في إطار دوري أبطال إفريقيا، والتي انتهت بفوز النادي الجزائري إثر الضربات الترجيحية.

شهدت المباراة عقب انتهائها أحداث تتنافى مع القيم الرياضية الكروية، حيث سجلت اعتداءات وأحداث شغب متبادلة بين الجماهير التي حضرت المباراة، نال رجال الأمن قسطًا منها، وخلفت بضعة إصابات وتكسير بعض أثاث الملعب.

أعمال شغب في مباراة بين الرجاء البيضاوي ووفاق سطيف

ولن يستصعب على من يتابع مشهد الساحة المغاربية إدراك العامل الحقيقي وراء هذا الشغب الكروي في هذه المباراة بالذات، حيث إن النزاع السياسي بين المغرب والجزائر يرخي بظلاله في كل لقاء رياضي بينهما.

اقرأ أيضا: كل ما يجب أن تعرف عن الصراع المغربي الجزائري: مسبباته وتداعيات وسيناريوهاته المستقبلية

مثل هذه المباريات المشحونة بالسياسة، تظهر لنا أن الأخيرة تتسلل إلى عالم كرة القدم وتفعل فيها فعلها، آنذاك تتلاشى الحدود بين عالم الرياضة وعالم السياسة.

هذا الأمر يجعلنا نتساءل حول علاقة السياسة بالرياضة، ومن يؤثر في الآخر؟ وكيف يمكن لمجال يرتبط بالنخبة الحاكمة أن يتسرب إلى الجماهير الشعبية؟ وما مصلحة الدولة في تعويم الرياضة في بحر السياسة؟

ليست مباراة الرجاء البيضاوي المغربي مع وفاق سطيف الجزائري الوحيدة التي تفضح الخلافات السياسية بين المغرب والجزائر على رقعة ملعب الرياضة، فهناك العديد من مباريات الملاعب العربية التي كانت فيها كرة القدم أكثر من مجرد لعبة رياضية، لتتحول إلى وسيلة لاستكمال الصراعات السياسية.

من أرشيف مباراة الجزائر ومصر 2009

الجزائر ومصر

في شهر نوفمبر 2009، جمعت مباراة كرة قدم في السودان بين المنتخب المصري والجزائري في سياق تصفيات الترشح لكأس العالم 2010 آنذاك، تبادل فيها أنصار الفريقين الكثير من العنف وأعمال الشغب، تطور هذا النزاع الرياضي إلى أزمة دبلوماسية واقتصادية حادة بين مصر والجزائر، وصلت حد مطالبات شعبية بقطع العلاقات نهائيًّا بين البلدين، وتركت هذه المباراة “السوداء” قسطًا وافرًا من الكراهية والنفور بين البلدين، ولا زالت لحد الساعة آثار تلك الحادثة الكروية تتجدد في كل لقاء رياضي، وتصنع نظرة كل منهما للآخر.

اقرأ لماذا يستمر التراشق الإعلامي بين مصر والجزائر؟

وعلى أثر تلك المباراة تم تخفيض العلاقات السياسية والاقتصادية بين مصر والجزائر، طوال خمس سنوات، قبل أن يأتي الرئيس عبد الفتاح السيسي ليباشر توجهًا دبلوماسيًّا منفتحًا تجاه الجزائر في سياق اعتبارات سياسية واقتصادية وأمنية.

تحلق السياسة في سماء ملاعب كرة القدم أيضًا في البلدان الغربية، لعل أصبح من الشائع كون كل لقاء كروي بين نادي ريال مدريد وبرشلونة، هو في الواقع أكثر من مجرد مباراة رياضية، بقدر ما هو حرب سياسية غير معلنة بين أنصار انفصال منطقة برشلونة عن إسبانيا، وأنصار الوحدة الملكية الإسبانية، لكن على الرغم من ذلك تبقى الحدود بين السياسة والكرة واضحة في الملاعب الأوروبية، أما البلدان العربية فالسياسة هي الخيط الذي يمتد في كل المجالات، الفنية والثقافية والدينية والرياضية أيضًا.

كيف تدخل السياسة ملعب كرة القدم؟

ليست كل أحداث الشغب ذات خلفية سياسية، كما أنه ليس بالضرورة أن يؤدي اقتحام السياسة لملعب كرة القدم إلى أعمال عنف، لكن حين تتسلل بذور السياسة إلى ساحة الرياضة فإن الأخيرة تصبح مجرد تابعة لمتغيرات الأولى.

أصبح مألوفًا في الملاعب الكروية العربية تدخل رجال السياسة في شؤون الرياضة، سواء بترؤسهم النوادي والفرق، أو استمالة الجماهير الرياضية في خطاباتهم السياسية، بل إن بعضهم يتحكم في نتيجة المباراة قبل حدوثها، بفضل نفوذهم المالي والسياسي. ناهيك عن أن بعض المباريات الحساسة تربطها النخبة الحاكمة بهيبة الدولة.

يساهم الإعلام العربي أيضًا بشكل قوي في خلط أوراق السياسة بالرياضة، حيث يجعل المباراة قضية وطنية تستدعي التضحية والكفاح واصطفاف الكل مع الفريق، مثلما يحولها إلى مباراة سياسية حقيقية كما الشأن مع مصر والجزائر.

تتسم الجماهير الكروية عموما بمستوى اقتصادي وتعليمي منخفض، رغم أن هذا الأمر لا ينطبق على كل من يحضر المباراة، ومن ثمة يسهل تسييسها، ما يؤدي بأنصار كل فريق إلى التعصب، إذاك تصبح المباراة بالنسبة إليهم مسألة حياة أو موت، ويصبح الخصم بأنصاره ولاعبيه وإدارييه هدفًا مباحًا لا ضير في النيل منه بكل الطرق.

طبيعة القيم السياسية العربية أيضًا لها نصيب في تداخل ما هو سياسي مع ما هو رياضي، فمفهوم الوطنية مثلًا عادة ما يرتبط بشدة بالشعارات ومظاهر الهوية وتبجيل الوطن عن كل ما سواه تحت أي حال أو ظرف كان، نتيجة الشحن الإعلامي الوطني الذي تتلقاه الشعوب.

تحمل كثير من الدراسات التي تناولت أسباب شغب الملاعب إلى الفاعلين على رقعة المعلب من لاعبين ومدربين وحكام خصوصًا، حيث تتصرف الجماهير على المدرجات وفق ما يجري على أرضية العشب، وعادة ما تتسرب السياسة عبر هذه القنوات الفاعلة، سواء بدا ذلك من خلال تصريحات اللاعبين وتصرفاتهم، أو ردود أفعال المدربين، أو أحكام الحكام.

تعد كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية في العالم، الشيء الذي يجعلها تستقطب جماهير غفيرة أثناء المباريات، وتجذب إليها مختلف وسائل الإعلام، وليس هناك فضاء أفضل من الملاعب الرياضية بالنسبة للمجموعات الشعبية وألتراس الفرق، لترويج القضايا ذات الطبيعة السياسية.

يصبح ملعب الكرة إذن مرآة لعالم لسياسة، حيث يمكن فيه رصد طبيعة الشعوب الثقافية، ومعرفة الدوافع السياسية التي تحركها، إن ما تسطره الملاعب الكروية من أحداث ومظاهر مهرجانية رياضية ما هي إلا نتاج لثقافة وسياسة وتربية بلد، هناك في الملعب تتفجر على يد الجمهور كل المكبوتات النفسية والسياسية، كما يصبح فضاء لتصريف كل الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية التي تثقل كاهل الشعوب العربية.

تسبب هذا الخلط بين السياسة والكرة في العديد من الفواجع الرياضية، كان أشهرها في تاريخ كرة القدم، الحرب بين السلفادور والهندوراس بسبب مقابلة في تصفيات كأس العالم سنة 1969، خلفت هذه الحرب ما يفوق 4000 قتيل، كما عرفت أيضًا مصر قبل بضعة سنوات أحد أسوأ حوادث تاريخها الكروي، حين تحول ملعب بور سعيد إلى ساحة قتال مفتوحة، راح ضحيتها عشرات القتلى، فمتى ستتحرر الرياضة من السياسة، لتستطيع الجماهير الاستمتاع بمشاهدة الكرة الساحرة بدون أن تعكر السياسة مزاج المباريات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد