عمدة لندن السابق، وعضو حزب المحافظين المعروف، والقائد المشترك، مع نايجل فاراج زعيم حزب المستقلين، في عملية الحشد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. هذا عالم «بوريس جونسون» الساحر الذي لا نعرفه.

تبدو عملية الديمقراطية محصنة، ولا يمكن لشخص أن ينتقدها بدون أن يناله، على الأغلب، نصيب وافر من الهجوم اللاذع، وتحتفظ الديمقراطية بأكبر كم ممكن من الخطوط الحمراء، باختصار علينا أن نحترم رأي الشعوب، وهو ما يبدو بديهيًا، لكن ماذا لو أن رجلًا واحدًا بإمكانه «تضليل» الملايين بها؟

يقودنا ذلك إلى سؤال آخر، وهو كيف يمكنك أن تثق، كمواطن في دولة تصنف على أنها «عالم أول»، ومن أفضل 20 دولة في العالم، في رجل يخبرك أن التصويت لحزبه «سيمنحك سيارة بي إم دبليو»، وسيمنحك شيئًا آخر مثيرًا «إباحيًا»، وأن فرصه في تولي رئاسة وزراء دولته، كفرصته في «التحول لحبة زيتون»، ساخرًا من نفسه ومن قدراته، قبل أن ينوي الترشح بالفعل بعدها بأعوام قليلة فقط، ويرى أن ذهاب الفتيات للجامعات، هو فقط «للعثور على رجال والزواج منهم»، ولا يرى لأعضاء البرلمان أي فائدة. كيف يمكنك كمواطن أن تثق فيه؟ حسنًا، لدى البريطانيين الإجابة المدهشة.

لم يأت ما سبق على لسان «دونالد ترامب»، كما سيبدو لو كُتبت تلك التصريحات مجردة، على الأقل ترامب ليس بسياسي، ويمكن لمؤيديه أن يختلقوا أعذارًا له، لكن ما سبق أتى على لسان من يُوصف إعلاميًا من البعض بـ«حبة بطاطس ترتدي شعرًا مستعارًا»، عمدة لندن السابق، وعضو حزب المحافظين المعروف، والقائد المشترك، مع نايجل فاراج زعيم حزب المستقلين، في عملية الحشد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. هذا عالم «بوريس جونسون» الساحر الذي لا نعرفه.

من هو بوريس؟

«سأصوت بالخروج من الاتحاد الأوروبي، لكن مهما كانت النتيجة فلن أصوت أبدًا مرة أخرى للمحافظين». – أحد سكان لندن، معلقًا في خضم هجوم بوريس جونسون على أوباما، مبديًا استياءه مما يفعله.

في ستينات القرن الماضي، وتحديدًا في عام 1964، كانت البداية عادية، حيث وضعت شارلوت جونسون، الفنانة البريطانية ليبرالية الهوى، طفلها لـ«ستانلي جونسون»، الاقتصادي البريطاني المعروف، وسياسي حزب المحافظين، والعامل في البنك الدولي ثم البرلمان الأوروبي فيما بعد، وأسمياه «بوريس ألكسندر»، لتوصف نشأته بالـ «طفل من الطبقة المتوسطة الدنيا – العليا»، على لسان الصحافي توبي يانج، كناية عن تناقضات أبويه الأيديولوجية والاجتماعية الطبقية.

الرجل البطاطس

بوريس جونسون، مصدر الصورة: standard.co.uk

مر بوريس بطريق أبناء «المحافظين» المعتاد النخبوي، الدراسة في مدرسة بلجيكا الأوروبية، ثم مدرسة إيتون الثانوية الداخلية، إحدى أغلى مدارس بريطانيا، ومن صفوة مدارس النخبة هناك، ثم دراسة الكلاسيكيات في جامعة أكسفورد، وليرأس اتحاد الجامعة بالكامل، ثم التخرج في عام 1986.

أثرت علاقات ستانلي على بداية مستقبل ولده «بوريس» الوظيفي، فتخرج ليبدأ مباشرة عمله كصحافي في مجلة «ذي تايمز»، إحدى أشهر الصحف البريطانية، وصاحبة التأثير الشعبي الواسع، لكنه لم يرحل طواعية منها، وإنما «طرد» إثر تأليفه لاقتباس في مقال له، واعترافه بكذب ما كتب، بعد اكتشاف إدارة تحرير «ذي تايمز» لما حدث.

بعدها انتقل للعمل كمراسل لـ«ديلي تليجراف» في بروكسل، من عام 1994 إلى 1999، قبل أن يخطو خطوة أهم، ساهمت في تحويله من مساره الصحافي إلى مساره السياسي، إلا أنه، وقبل تلك الخطوة، حمل ملف بوريس الحياتي ثاني نقطة سوداء علنية، ربما كشفت النقاب أكثر عن جزء من شخصيته الحقيقية.

في عام 1990، خرج للنور تسجيل هاتفي، بين بوريس ورجل الأعمال، فيما بعد، داريوس جوبي، زميل دراسة بوريس في إيتون، وأحد أصدق أصدقائه على مدار السنوات، تسجيل حوى محادثة شيقة، يذكر فيها داريوس خطته لتتبع الصحافي، ستيوارت كولير، ونيته لإيذائه، حينها كان داريوس متورطًا في قضية احتيال «تزييف حادثة سرقة»، كشفت في عام 1993 على يد ستيوارت، مما أدى إلى سجن داريوس خمس سنوات كاملة، ولأن داريوس رأى طريق ستيوارت، ونيته لكشف الأمر، قرر أن يستبقه بإيذائه، وهو ما تسامح معه بوريس ولم يعترض، بل وقبل مساعدة داريوس على تتبع ستيوارت، عن طريق أربعة مصادر مختلفة.

عندما ظهر التسجيل، ثم سجن داريوس، كتب ماركوس سكرايفن، المؤلف والمدون حينها، مقالًا في يوليو (تموز) لعام 1995، يقص فيه الواقعة كما يعرفها، قائلًا: «كيف بحق الله يجري صحافي محترم محادثة كهذه؟»، ذاكرًا أنه وصل إلى بوريس في عام 1992، وسأله عن التسجيل، فرد بوريس أن الأمر كله مزحة، وأنه لم يكن ليطلع داريوس على بيانات الصحافي ستيوارت كولير أبدًا.

وبينما لم يُهاجم ستيوارت من قبل داريوس، ولم تؤثر الحادثة على مستقبل بوريس السياسي، فإنها وضعت علامة بارزة لدى منتقديه، استدلوا بها على جزء من شخصيته «لا مشكلة لديه في تجاوز الحدود»، أو بتعبير ماركوس: «تكتمه الشديد على المحادثة لفترة من الوقت لا يضيف إلى بريق نجم اليمين الصاعد شيئًا».

الصعود على سُلَم المحافظين.. ثم السقوط

«المُشاهد هي ملعب تدريب رئيس لرؤساء الوزراء، ومستشاري وزير الخزانة، وتشكيلة واسعة من السكارى!»، بوريس جونسون، نجم المحافظين الصاعد، في رده الجاد على سؤال أحد قراء الإندبندنت، خلال حوار صحافي مفتوح، في سبتمبر (أيلول) لعام 1999.

أغلب «المحافظين» الناجحين يمرون على مجلة «المُشاهد»، المجلة السياسية الأقدم في إنجلترا، والمجلة الأقدم في عموم بريطانيا باللغة الإنجليزية، والمصنفة كـ«إنجيل المحافظين، وأولئك المؤمنين بأحقيتهم المطلقة في توجيه بقية البريطانيين، وتعليمهم كيف يتصرفون ولمن يصوتون»، ولم يكن بوريس استثناءً بالطبع.

حملت بداية بوريس، كمراسل للديلي تليجراف في بروكسل، مسارًا واضحًا لأفكاره اليمينية الأصيلة، فاشتهر من هناك بمقالاته الداعية، في معظمها، لانفصال بريطانيا عن السوق الأوروبية المشتركة «EEC»، ثم عن الاتحاد الأوروبي الناشئ حديثًا بعدها، في عام 1993، بموجب معاهدة ماسترِخت، مقالاتٌ عززت المشاعر المتشككة والمناهضة للاتحاد الأوروبي، في أوساط اليمين المتطرف البريطاني، ولينتقل بعد ذلك، فيما يشبه الترقية، ليصبح مساعد محرر في لندن لفترة أخرى، قبل أن تأتي لحظة مجلة المُشاهد.

الرجل البطاطس

من اليمين ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني المستقيل، وبوريس جونسون (مصدر الصورة cloudpix.com)

في عام 1999، عُرض على بوريس رئاسة تحرير «المُشاهد»، مقابل التخلي المؤقت عن تطلعاته وطموحاته البرلمانية، طالما ظل في عمله الصحافي، ليقبل بالشرط، وليتولى مسؤولية تحرير المجلة السياسية الهزلية الشهيرة، وظل بها حتى عام 2005، فترة ساهمت وبشدة في صعود نجمه في حزب المحافظين، ومنحه قاعدة علاقات واسعة، استخدمها بنجاح فيما بعد.

من الناحية الربحية، كان عمل بوريس جيدًا بما يكفي، للاحتفاظ به على رأس المجلة العريقة، حيث زادت ربحيتها 10%، وزادت نسبة القراء، واستكتب هو فيها عددًا لا بأس به من أصدقائه المعروفين نسبيًا، لكن من الناحية التحريرية حظيت المجلة بانتقادات لا بأس بها، من حيث التركيز على الموضوعات الرائجة، وإن كانت قليلة الأهمية، وترك الموضوعات المهمة، وانعدام تغطية القضايا الأكثر أهمية، ومن حيث فقر كتابات بوريس السياسية نفسها، وعدم صحة أغلب تحليلاته وتنبؤاته تقريبًا.

في عام 2001 كسر بوريس وعده، وقرر خوض انتخابات مدينة «هينلي» المحلية، وحدث انقسام حزبي محافظي عليه، إلا أنه حسمه لصالحه، وفاز بأغلبية أصوات تعدت 8000 صوت، إلا أن كسره لوعده، بعدم الترشح للبرلمان طالما ظل في رئاسة تحرير «المُشاهد»، أعطاه سمعة سيئة لدى عدد لا بأس به «كشخص منافق»، كما قيل.

ظل بوريس في عمله الصحافي بجانب مشواره السياسي، البادئ حديثًا في أول العقد السابق، إلا أن اهتمامه الأكبر ظل موجهًا لشق السياسة، فاجتهد في موقعه كنائب برلماني محلي، ودخل في حكومة الظل، وزيرًا للثقافة والرياضة والإعلام، بقيادة جيمس كاميرون، من سيصبح بعدها بسنوات رئيسًا للوزراء بالفعل، ومايكل هاورد، زعيم حزب المحافظين حينها، وظل على نفس الوتيرة حتى أتت مرحلة عمدة لندن.

ما بين بوريس وترامب

في تصريح عام، قال جونسون، إن مدينة بورتسموث «واحدة من أكثر مدن إنجلترا كآبة، مكان مليء بالمخدرات، والسمنة، وتدنى مستويات التحصيل الدراسي، ومليء بأعضاء حزب العمال أيضًا»، هكذا يتعامل جونسون مع خصومه.

إن كان هناك شيء واحد مؤكد، نستطيع أن نشير إليه بثقة، يجمع بين بوريس جونسون، ومرشح الانتخابات الرئاسية الأمريكية، دونالد ترامب، فسيكون قدرتيهما على تجاوز كل الحدود، بلا تفكير مسبق، وبانعدام أي أثر لحصافة أو فطنة، وبلا احتساب للنتائج السلبية جراء أقوالهم أو أفعالهم، وغالبًا ما تكون الأولى دائمًا.

من المواقف الدالة على ذلك، ما حدث في عام 2004، في خضم تورط حكومة بريطانيا في غزو العراق، بجانب الولايات المتحدة، تحت رئاسة «توني بلير»، حينها جرى اختطاف بريطاني يعمل في بغداد، يدعى كينيث بيجلي، من مدينة ليفربول، في سبتمبر (أيلول) من العام المذكور، قبل أن يُعدم على يد مسلحين عراقيين، بعد ثلاثة أسابيع من الاختطاف، في أكتوبر (تشرين الأول) التالي مباشرة.

الرجل البطاطس

مايكل هاورد أثناء لقاء تلفازي قديم على شاشة BBC، عام 1997

حينها، وبينما كانت ردود الأفعال الشعبية والإعلامية والسياسية الرسمية، في مجملها، لصالح التعاطف مع العائلة، بشكل كامل، وبلا أي محاولة لوقف الهجوم الضاري على المحافظين، المحرك الأول للمشاركة في الغزو، في هذه الأثناء خرج بوريس بمقال رئيس تحرير مجلة «المُشاهد»، مسببًا هجومًا إعلاميًا ضاريًا آخر عليه.

بدا بوريس في مقاله وكأنه شخص «متبلد الحس»، كما صوره الإعلام البريطاني، منتقدًا حزن مدينة ليفربول على فقيدها، قائلًا: «يبدو أن ليفربول لا تستطيع تقبل سوء حظها، وتسعى لإلقاء اللوم على شخص آخر، وبالتالي يتعمق إحساسها بالظلم عن بقية المدن والمجتمع»، قاصدًا أنها تتعمد تحويل نفسها لضحية، مستجلبة التعاطف الشعبي، وملقية باللوم على الحكومة البريطانية، وشخص توني بلير والمحافظين، في مقتل كين، ومضيفًا: «يبدو أن المدينة استلذت دور الضحية، مع أنها حالة نفسية غير جذابة للكثيرين فيها».

لم يكتف بوريس بهذا القدر، وإنما نفى المسؤولية عن توني بلير رغم أنه خصم سياسي من حزب العُمّال، وعارض تصريحات شقيق كين، عندما قال: «دماء شقيقي على يد رئيس الوزراء»، وقال بوريس، إن كين تجاهل نصائح وتحذيرات وزارة الخارجية، وذهب إلى العراق في عمل مدني، معرضًا حياته للخطر.

ثم تجاوز خطًا أحمرًا بالغ الحساسية لدى سكان المدينة، وقارن ما يحدث، في رأيه، بما حدث في كارثة هيلزبره الشهيرة، في أواخر الثمانينيات، الكارثة التي راح ضحيتها قرابة 100 مشجع، في مباراة نهائي الكأس الإنجليزي، والتي يعتبرها الليفربوليون شيئًا لا يمكن المساس به، فجاء هو ليقول إن سكان ليفربول «يحملون المسؤولية لبلير الآن كما جعلوا الشرطة كبش فداء في هيلزبره»، مما استفز الجميع بلا هوادة.

لم يمر ما حدث مرور الكرام، وعلى الفور خرج زعيم حزب المحافظين، مايكل هاورد، ليخبر الجميع أن المقال «هراء من أول حرف لآخر حرف»، وأمر بوريس بالذهاب إلى ليفربول على الفور، وتقديم الاعتذار بنفسه لسكان المدينة، ولعائلة كينيث، العائلة التي قالت إن ما حدث هو «مثال نموذجي لتفكير المحافظين»، بينما انهمك بوريس نفسه، بعد نشر مقاله بيوم واحد فقط، في تقديم الاعتذارات، وطلب الصفح من سكان ليفربول، وموضحًا أنه لم يمكن ليتصور إثارة المقال لكل هذا الكم من الاستياء!

بعد ذلك، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس العام، 2004، ظهرت للنور فضيحة جديدة لبوريس، تمثلت في كشف صحيفة تابلويد لعلاقة غير شرعية، بينه وبين الصحافية الإنجليزية بترونيلا وايت، ليهاتفه مايكل هوارد، ويخبره باستبعاده كوزير من حكومة الظل، وباستبعاده من منصب نائب زعيم الحزب أيضًا، لأن المسألة «أخلاقية» كما قال مكتب هاورد حينها.

من عمودية لندن إلى هندسة الخروج العظيم

لو أخذنا بظاهر الأمور، وبحالة بوريس العامة حتى عام 2005، ربما من الصعب علينا أن نتصور نجاحه في أي انتخابات من أي نوع، أو حشد شعبي، خاصة بعدما بدا وكأنه «شبه تخلي» من حزبه عنه، وتهميشه تمامًا لصالح وجوه أكثر كفاءة، كـ«نيك بولز» مثلًا، أحد أنشط أعضاء البرلمان المحافظين حينها، إلا أن هذا ليس صحيحًا بالمرة.

في عام 2007، وعندما أعلن بوريس عن رغبته في الترشح لمنصب عمدة لندن، لم يأخذه الكثيرون بجدية داخل الحزب، في مقابل وقوفهم خلف نيك بولز، مؤسس ومدير مركز تبادل السياسات البحثي، وأحد أعضاء مجموعة «نوتينغ هيل»، مجموعة النخبة في حزب المحافظين البريطاني، والتي كان بوريس خارجها بالطبع.

بالرغم من رغبة الحزب في نيك، ومحاولة دفعه لتقديمه كمرشح رسمي للمنصب، الأهم شعبيًا بعد منصب رئيس الوزراء، إلا أن نيك انسحب بعد اكتشاف أنه مصاب بنوع من الأورام السرطانية «هودجكن»، مما وضع الحزب أمام حل واحد فقط: بوريس جونسون.

دخل بوريس انتخابات عمدة العاصمة، في عام 2008، وكان منافسه الرئيس مرشح حزب العمال، كين ليفنجستون، عمدة العاصمة منذ إطلاق المنصب رسميًا، في عام 2000، وحتى انتخابات 2008، وبالفعل نجح بوريس في الفوز بالعمودية من 2008:2012 كفترة أولى، ثم نجح مرة أخرى في الفوز على ليفنجستون أيضًا من 2012:2016، قبل أن يترك المنصب بعد ثمان سنوات، عقب هزيمته أمام صادق خان، العمدة الحالي، في انتخابات مايو (أيار) من العام الجاري.

الرجل البطاطس

بوريس أثناء إحدى جولاته الانتخابية العام الحالي 2016 (مصدر الصورة: التليجراف)

نذكر هذه النقطة لأنها مؤشر مهم على كيفية تحرك البريطانيين، وتفكيرهم واتجاهاتهم، أثناء التصويتات المختلفة، فمن المهم معرفة أن عددًا كبيرًا من سكان العاصمة، في انتخابات 2008، قاموا بالتصويت لبوريس بسبب أنه «شخص فكاهي»، أمر لم يكن به أي مبالغة، وبالفعل اشتكى عدد من منافسيه، على مدار مراحل الانتخابات، من شعبيته الكبيرة واختيار اللندنيين العاطفي له، على الرغم من نجاحاته الشعبية العملية في العاصمة، ما اعتمدت عليها حملته أمام صادق خان، خاصة ترقيته لنظام النقل العام اللندني من 2008:2011، واستبداله لكامل حافلات النقل، المصنوعة من شركة مرسيدس الألمانية، وذات الطابق الواحد، بحافلات ذات طابقين بريطانية الصنع، حتى أنهم يطلقون عليها في لندن «حافلات بوريس».

هذه النقطة تفسر الكثير مما حدث في تصويت البريطانيين مؤخرًا، لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، فاستغل بوريس شعبيته بين كبار السن، وعائلات المحافظين تحديدًا، التي حسمت الاستفتاء التاريخي في كامل أنحاء بريطانيا، مقابل تصويت مكثف من الشباب ضد الخروج.

لحشد هذه العائلات، لعب بوريس، ومعه مايكل جوف وزير العدل البريطاني، واللذان كانا مهندسي حملة «بريكست»، على «النزعة العنصرية» المتجذرة لدى عائلات بريطانيا المحافظة، فأثارا المخاوف من المهاجرين، بالرغم من أصول بوريس نفسه التركية، وروجا لقيود أكثر على دخول المهاجرين لبريطانيا، في مرحلة ما بعد الفكاك الأوروبي، وهي النغمة المناسبة تمامًا لأغلب الشرائح المصوتة بالموافقة على الخروج.

تصنف بريطانيا دائمًا ضمن أعلى الدول العالمية من حيث معدلات تفشي العنصرية، وتصنف على الأغلب من أول ثلاث دول أوروبية في هذا المضمار، وما تبدو لنا ويكأنها جنة اللجوء السياسي، هي في حقيقة الأمر مجتمع تحكمه قوانين تكبح جماح معاداته للهجرة والمهاجرين عمومًا، حتى أن الإندبندنت قالت، في معرض تقرير لها، أن جرائم الكراهية زادت بنسبة 57%، مباشرة بعد انتهاء بريكست وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

يبدو بوريس ابنًا لهذه البيئة البريطانية بامتياز، البيئة التي تبدو «محافظة» وذات قيم صلبة، وتبدو مغلقة تمامًا أمام الآخر، أو من يمكن تسميتهم بـ «الغرباء»، إلا أن بوريس تحديدًا لا يمكننا أن نحصر أسبابه، لرعاية حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، في خانة «عنصرية المحافظين» فقط.

الرجل البطاطس

بوريس جونسون ومايكل جوف، قبل ساعتين فقط من إعلان ترشح بوريس لرئاسة الوزراء الذي لم يحدث (مصدر الصورة: الإندبندنت)

فمن ناحية فالرجل له طموحه الشخصي، المتمثل في الوصول لرئاسة الوزراء، وتخطي عقبة كاميرون بعد استقالته، المعلومة مسبقًا، والمقرونة بشرط نجاح رعاة خروج بريطانيا في مسعاهم، وهو ما حدث بالفعل، وعندما بدأ بوريس في تجهيزات إعلان ترشحه لخلافة كاميرون، في الانتخابات البريطانية العامة لرئاسة الوزراء، برفقة صديقه مايكل جوف، فاجأه مايكل بما وصفته وسائل الإعلام البريطانية بـ «طعنة الصديق»، وأعلن ترشحه هو لخلافة كاميرون، في مواجهة تريزا ماي وزيرة الداخلية، وأحد أبرز داعمي البقاء في الاتحاد، مما تسبب في إعلان بوريس مباشرة عدم نيته خوض سباق رئاسة الوزراء.

إذًا انتهت أحلام بوريس، وانتهى معها أحد أهم أسباب هندسته للحملة، إلا أنه هناك سبب آخر، لم يفهمه أحد على الأغلب، تمثل في تعامله مع الأمر برمته كـ «لُعبة مسلية»، فتجاهل بوريس نصائح أغلب الاقتصاديين والخبراء، حين حذروه هو ومؤيدي الخروج عمومًا من العواقب الاقتصادية الكارثية، على الاقتصادين البريطاني والعالمي، وهو ما حدث بالفعل بعيد الاستفتاء مباشرة، حيث خسرت الأسواق العالمية في يومين فقط مبلغًا يقترب من الثلاثة تريليونات دولار، وهو أكثر بتريليون دولار كامل من خسائر العالم، أثناء الأزمة العالمية في 2008.

على كلٍ، لا يبدو «الرجل البطاطا»، في موقف مريح بعد ما حدث، وليس بسعادة مايكل جوف بالتأكيد، الرجل الساعي لاستكمال طموحه الشخصي، في رئاسة وزراء بريطانيا، بعد إيقافه لطموح صديقه، ولا يبدو أنه سيتمتع بنفس شعبيته اللندنية تحديدًا، المتآكلة بالتدريج، منذ حملته أمام صادق خان، وحتى اتساع نطاق معارضيه على أقل تقدير، كارهيه على أقصاه، بعد انكشاف عدد من أكاذيب حملة بريكست الرقمية، في دعمها للخروج البريطاني بتقييم المكاسب الاقتصادية «المزعومة» مما حدث وسيحدث.

وربما تتآكل شعبية بوريس، إلا أنه نجح، من خلال ظرف لا تنفي خصوصيته عمق ما حدث، في إثبات أن للديموقراطية عوارها البالغ في بعض الأحيان، وأنه بإمكان رجل، أو مجموعة منظمة من الرجال، تضليل شعب كامل، كالشعب البريطاني الذي خرج عدد منه بعد الاستفتاء، ليبحثوا على محرك البحث «جوجل» عن الاتحاد الأوروبي، وماهيته، وهم لا يعرفون ما الذي صوتوا للخروج منه بالأساس.

عرض التعليقات
تحميل المزيد