بقلم رئيس جورجيا السابق ميخائيل ساكاشفيلي، والذي حكم جورجيا من 2004 إلى 2013، فهو رجل دولة بارز ف كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس.

في يوليو 2008, كانت حكومة جورجيا تحت ضغط كبير بسبب بدء الإستفزازات من قِبَل روسيا في منطقتين من دولتنا وحشد قواتها على حدودنا، وفى تلك الأيام كانت أغلبية آراء الساسة الغربيين بأن كل هذا ما هى إلا تحركات، وروسيا لن تقوم بالهجوم على جورجيا، وحثنا للحفاظ على هدوئنا وعدم الرد على تلك التحركات التي أثارت مخاوف حكومتي، ولكن صديقي “أوتو فون هابسبرج” – هو واحد من السياسين الأكثر خبرة في أوروبا – كان أقل طمأنينة من تلك التحركات وكان توقعه شديدًا بهجوم روسيا بكل القوات العسكرية التي تحت تصرفها، وهذا بغض النظر عن كل ما قامت به جورجيا لتجنب تلك النتيجة.

وبالفعل بعد أسابيع قليلة عشرات الآلاف من الجنود الروس قد عبروا حدودنا، وبدأت الطائرات تقصفنا على مدار الساعة، وبالرغم من فشل فلاديمير بوتين في تحقيق هدفه النهائي وهو الاستيلاء على عاصمة جورجيا، إلا أن قواته لا تزال تحتل خمس أراضي بلدي.

فهناك تشابه صارخ بين بداية العدوان الروسي ضد جورجيا وما يحدث في أوكرانيا، ومن خلال مراقبتي للأحداث الأخيرة، والاستجابة العالمية والحالات الأخرى من العدوان في أوروبا، أظل أفكر بأن التاريخ يعيد نفسه.

ففي عام 1930, احتلت ألمانيا جزءًا من تشيكوسلوفاكيا بحجة حماية العرقية الألمانية، وهذا ما تفعله روسيا اليوم وادعائها لحماية العرقية الروسية في شبه جزيرة القرم أو الأراضي الجورجية، وهناك الكثيرون في الغرب يتحدثون عن ضرورة التوصل إلى نوع من التسوية مع روسيا بدافع المصالح الإستراتيجية المشتركة وحظر الانتشار النووي ومكافحة الإرهاب، وعلى هذا المنوال ما حدث في ميونيخ منذ 80 عامًا تحت ستار الحاجة إلى احتواء الاتحاد السوفييتي، ووقف انتشار الشيوعية، وتوصل تشامبرلين بصفقة مع هتلر، وبالطبع نحن نعلم أن كل هذ المحاولات كانت لاسترضاء النازيين بقيادة القوى الأوروبية الكبرى لإطعام دولة تلو الأخرى لهتلر، وكل ذلك أدى في النهاية إلى قيام الحرب العالمية الثانية.

فإن الكوارث العالمية تحدث عندما ينهار النظام الدولي ولم يعد هناك تطبيق للقواعد، وأوكرانيا أيضًا كمجرد مثال أخير أكثر وضوحًا، فتخيل لو لم تتخلَّ أوكرانيا عن ترسانتها النووية الضخمة في عام 1990 من خلال  توقيعها على الاتفاقية التي أقامتها الولايات المتحدة وبريطانيا مع روسيا والتي تنص على ضمان السلامة الإقليمية لأوكرانيا في مقابل إعطاء أوكرانيا أسلحتها إلى روسيا.. وماذا بعد؟

فدوافع بوتين مماثلة لألمانيا ما قبل الحرب، فهو يريد تصحيح ما يراه من المعاملة الغير عادلة والإذلال من قبل القوى الأوروبية بعد الحرب الباردة، ومحاولته استعادة الأراضي المفقودة والاستيلاء على الموارد الطبيعية، وفي الفترة الأخيرة استثمرت الشركات الأمريكية بشكل كبير في حقول الغاز الصخري قبالة شبه جزيرة القرم، وإن ظهور الاكتفاء الذاتي لأوكرانيا في مجال الطاقة وحتى كونها المصدر الرئيسي للغاز إلى أوروبا سيكون هذا الكابوس المروع لبوتين في نهاية المطاف، لذلك فإنه يقوم  بزعزعة استقرار جيرانه في محاولة للقضاء على أي حلف أطلسي أو الاتحاد الأوروبي، خاصة وأن  لديه رغبة شديدة في المزيد من التوسع، وإنه يرى أن الاستيلاء على الأراضي بطريقة أو بأخرى هو الطريق لتجديد سياسته الداخلية.

لذلك نتساءل لماذا ينبغي على الغرب الاهتمام  بما يحدث في أوكرانيا؟ بسبب أننا نشهد أن ما يحدث ليس فقط تمزيقًا لأكبر بلد في أوروبا، بل إنه تدمير لنظام ما بعد الحرب الباردة في أوروبا، ذلك النظام الذي استند على قواعد واضحة ليس فقط لحماية الدول الصغيرة ولكن لضمان الاستقرار والرخاء لأكبر عدد منها وحماية الأقليات وتسوية النزاعات عن طريق آليات سلمية، فإذا لم يكن هناك قواعد فستتصاعد أمور العنف والدمار ويكون أمرًا لا مفر منه.

ولكن ما زال من الممكن تجنب مثل هذه النتائج، وإن العقوبات الأمريكية اليوم تعتبر خطوة أولى جيدة وينبغي تنفيذها على الفور، فأوروبا تحتاج إلى تعزيز استجابتها الخاصة، وأوكرانيا وجورجيا ومولدوفا ينبغي وضعهم على قائمة الانضمام السريع للاتحاد الأوروبي، ووضع خطط للعمل لمنح العضوية لحلف شمال الأطلسي، وهذا من أجل إثبات أن روسيا لا يمكنها الاستيلاء على أهدافها من خلال وسائل غير قانونية.

فنحن لسنا بحاجة إلى رؤى أخرى، بل إن الديمقراطيات اليوم لديها ما يكفي من الخبرة وعليها التطبيق، ومع الحس السليم والقليل من الشجاعة يمكنها تجنب الأسوأ.

عرض التعليقات
تحميل المزيد