دائمًا ما تقترب تصرفاتنا وسلوكياتنا  في سنّ الطفولة إلى الفطرة والعفوية، لذلك لجأ العديد من علماء النفس لإجراء تجارب نفسية كان أبطالها أطفال، تكشف الكثير عن أنفسنا وفطرتنا، من بينها كيفية التحكُّم في الذات، والتعامل مع المخاطر، وتأثير العنصرية، هيا لننظر ماذا سيعلمنا الأطفال في هذا التقرير.

1- تجربة «تقسيم الفصل» تظهر تأثير العنصرية والتمييز

في عام 1968، ذلك العام الذي شهد اغتيال مارتن لوثر كينج الزعيم الحقوقي الذي قاد حملة لرفض التمييز من البيض ضد السود في الولايات المتحدة الأمريكية، أجرت المعلمة  جين إليوت، واحدة من أهم التجارب النفسية في التاريخ على الأطفال، تحمل اسم «تقسيم الفصل» لقياس تأثير التمييز والعنصرية على ممارسات الأطفال وسلوكياتهم.

وخلال تجربتها، قسّمت إليوت الفصل إلى مجموعتين منفصلتين على أساس لون أعينهم، مجموعة للتلاميذ من ذوي العيون الزرقاء، والأخرى للتلاميذ من ذوي العيون البنيّة، وفي أول أيام التجربة، جعلت إليوت من مجموعة التلاميذ ذوي العيون الزرقاء هي المجموعة العليا، ومنحتهم امتيازات إضافية، وقالت إنها تظن أن تلك المجموعة هي الأفضل  والأذكى في غرفة الفصل، وجعلت من مجموعة «العيون البنية» هم الأقلية، وخلال التجربة لم تشجِّع إليوت المجموعتين على التفاعل، وتركت كل تلميذ يركز بنفسه على  الصفات السلبية من أطفال مجموعة العيون البنية.

وأظهرت التجربة أنّ سلوك الأطفال تغيَّر فورًا، وقد أدت  مجموعة العيون الزرقاء بشكلٍ أفضل أكاديميًا، كما أنهم بدؤوا يعتدون بالضرب على زملائهم من ذوي العيون البنية، وظهر على مجموعة الأقلية أنهم  أقل ثقة في النفس، وأدوا بشكلٍ أسوأ أكاديميًا، وفي اليوم التالي بدّلت إليوت  الامتيازات الممنوحة للمجموعتين، لتصبح مجموعة العيون البنية هي العليا، بدلًا من  مجموعة العيون الزرقاء، لتؤدي بذلك مجموعة العيون البنية بشكل أفضل أكاديميًا من مجموعة العيون الزرقاء.

وقد خلصت التجربة إلى أنّ أيّ مجموعة تمنحها إليوت امتيازات عنصرية، تؤدي بشكل أفضل من الأخرى التي تكون في مستويات أقل من الثقة في النفس والأداء الأكاديمي، وفي نهاية التجربة تأثَّر الأطفال بشدة وعانقوا بعضهم البعض، وأجمعوا مع معلمتهم على أنه لا يجب أن يحكم على الناس على أساس المظهر الخارجي، ومنذ ذلك الحين تكرَّر هذا التمرين أكثر من مرة وأدت لنتائح مماثلة، وأخرج وليام بيترز فيلم وثائقي عن التجربة يحمل نفس اسمها، وحصل على تقييم 8.6 وفقًا لموقع IMBD..

https://www.youtube.com/watch?v=jo4JfbEZACU

2- تجربة «مارشميلو» تعلِّمك كيف تتحكم في ذاتك وتفكر استراتيجيًا

أثناء رحلة الفرد في التحكُّم في الذات، يقع البعض أحيانًا في خطأ شائع قد يقلِّص من فرص التحكم في الذات، يتمثل في أن يحوم الشخص على الشيء الذي ترغبه ذاته، ويسعى لتجنُّبه حتى يقع بالفعل فيه في النهاية، ويُنصح في ذلك بتجنّب الإغراءات والابتعاد عنها تمامًا.

يدعم هذا دراسة علمية شهيرة لجامعة ستانفورد الأمريكية أجراها عالم النفس والتر ميشيل، تحمل اسم تجربة حلوى المارشميلو، وتعود لأواخر الستينيات وبداية السبعينيات، وجرت الدراسة على مجموعة من الأطفال أعطِي كلُّ طفلٍ منهم قطعة واحدة من حلوى المارشميلو، وكان لكلّ طفل الخيار إما أن ينتظر 15 دقيقة دون أن يأكل القطعة الأولى حتى يمنح قطعة ثانية، وإما أن يكتفي بقطعة واحدة إن أكلها قبل مرور ربع الساعة.

وكشفت الدراسة أنّ الأطفال الذين ظلُّوا يحدِّقون في قطعة المارشميلو وينظرون إليها بشهية، كانوا أقرب للاستسلام بأكلها قبل مرور ربع ساعة، فيما تمكّن الأطفال الذين أغمضوا أعينهم، أو أبعدوا نظرهم عن قطعة الحلوى، من التحكم في أنفسهم وانتظار ربع الساعة دون تناول قطعة الحلوى الأولى، ليمنحوا قطعة ثانية بعد تجاوزهم المدة المطلوبة.

ولا يتوقف تأثير التجربة على تعلُّم كيفية التحكم في الذات فقط، وإنما قد تنعكس أيضَا على طريقة تفكيرنا استراتيجيًا وكيف أن الأهداف طويلة الأمد، قد تحقق نتائج أفضل من حصر عقلنا على التفكير قصير الأمد الذي يقتصر على الأهداف التكتيكية وما يجب فعله بشكل هام وعاجل، دون تطوير أنفسنا فيما هو هام وليس عاجلًا، والذي يفيدنا في المستقبل ويقربنا من تحقيق الأهداف طويلة الأمد.

اقرأ أيضًا:  7 نصائح لبدء عمل إضافي بجانب وظيفتك الأساسية

وقد كانت تلك التجربة ذائعة الصيت، وقد أجرى البعض تجربة مشابهة لها حديثًا، بالأسفل فيديوهان قصيران يظهران بعضها، لاحظ كيف تحكّم الطفل صاحب الملابس على شكل دب في نفسه بمحاولة إبعاد عينه عن قطعة الحلوى، فيما حاول آخر أن يغمض عينه وينام!

3- تجربة «المنحدر المرئي» تظهر الإدراك الفطري للمخاطر وتأثير لغة الجسد

في عام 1959، أجرى عالما النفس بجامعة كورنيل الأمريكية، إيلانور جيبسون وريتشارد واك، تجربة تحمل اسم «المنحدر المرئي» ، والتي أرادوا أن يعرفوا من خلالها إذا ما كان إدراك العمق والمخاطر، إدراك فطري لدى الإنسان، أم أنه شيء يتم اكتسابه وتعلمه.

وأجرى جيبسون وواك التجربة على 36 طفلًا تتراوح أعمارهم من ستة إلى 14 شهرًا، كلهم يستطيعون الحبو، وقسم الباحثان السطح إلى جزء سطحي، ثم فاصل في الوسط، وجزء عميق مغطى بالزجاج مكونًا ما يسمى بـ«المنحدر البصري»، و وضع الأطفال في الفاصل، بين الجزء السطحي والمنحدر البصري.

وخلال التجربة لم يتحرّك تسع أطفال من الفاصل، فيما عبر 27 طفلًا الجزء السطحي عندما نادتهم  أمهاتهم الواقفات عند الجزء السطحي، وثلاث منهم تمكّنوا من عبور المنحدر المرئي عندما نادتهم أمهاتهم الواقفات عند المنحدر المرئي، فيما بكى الأطفال الباقين البالغ عددهم 24، أو تحركوا نحو الجزء السطحي، عندما نادتهم أمهاتهم الواقفات عند المنحدر المرئي؛ لتكشف التجربة إن إدراك الطفل للمخاطر سلوك فطري.

وقد تطورت التجربة بعد ذلك، لتظهر الأطفال  في هذا السن أكثر تجاوبًا مع المشاعر والاتصال غير اللفظي ولغة الجسد؛ إذ أظهرت التجربة أن الأمهات الواقفات بالقرب من المنحدر المرئي عندما ينادين أطفالهن، وعلى وجوههن علامات الخوف الحذر، يزيد من مخاوف الطفل لعبور المنحدر المرئي، أما إذا ضحكت الأم لاستدعاء طفلها فإن ذلك يشجعه أكثر على عبور المنحدر المرئي.

4- تجربة «الدمية» تظهر أن الذكور أكثر عنفًا من الإناث

أجرى الدكتور النفسي بجامعة ستانفورد ألبرت بنادورا، تجربة تحمل اسم «الدمية»، وتعود التجربة إلى مطلع الستينيات، تلك الفترة التي كثر الحديث فيها عن تأثير العوامل الجينية والبيئية، والتعلم الاجتماعي على تشكيل تطور الطفل، وقد أظهرت التجربة أن السلوك الإنساني يعتمد بشكلٍ كبير على العوامل البيئية والاجتماعية أكثر من العوامل الجينية الوراثية، كما أظهرت أيضًا أن الذكور أكثر عنفًا من الإناث.

وخلال تجربة الدمية، أتى بنادورا بأطفال قسّمهم إلى ثلاث مجموعات، الأولى ستشاهد فيديو يظهر فيه بالغ يضرب الدمية بعنف، والثانية ستشاهد فيديو لبالغ يلعب مع الدمية برفق دون عنف، والثالثة تمثل المجموعة الضابطة. وبعدما أنهت المجموعات مشاهدة مقاطع الفيديو المكلفين بها، ذهب كل طفل لغرفة تظهر فيها نفس الدمية، وقد أظهرت التجربة أنّ المجموعة الأولى التي شاهدت عنفًا يمارس ضد الدمية، كانوا أكثر عدوانية في تعاملهم مع الدمية وأخذوا يوجهون لها الضربات تقليدًالما رأوه في الفيديو، فيما كانت المجموعتان الأخريان أقل عدوانية، وهو ما يظهر تأثير البيئة على الأطفال وتأثرهم بما يشاهدونه.

كما أظهرت التجربة أيضًا أنّ الذكور أكثر عنفًا من الإناث، فبالنسبة للأطفال الذين تعرضوا للنموذج العدواني بالفيديو، فقد بلغ عدد ضربات الأولاد للدمية 38.2 ضربة في المتوسط، أي أكثر من ثلاثة أضعاف البنات الذي بلغ متوسط عدد ضرباتهم للدمية 12.7 ضربة في المتوسط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد