يعيش العالم أجمع الآن فترة انعزال و«حجر صحي»، إثر تفشي جائحة الفيروس التاجي كوفيد-19؛ إذ أعلنت الكثير من الدول حظر التجوال الكلي أو الجزئي، وذلك لمواجهة سرعة انتشار الفيروس والحدِ من طرق انتقاله. مما جعل الشعوب تتساءل، متى تنتهي الجائحة وينتهي الحظر ونعود للحياة الطبيعية؟

في الوقت الذي تنادي فيه بعض الأصوات بضرورة تطبيق ما أطلقوا عليه «مناعة القطيع»، يشير بعض الخبراء إلى أن التباعد الاجتماعي ضرورة لازمة على الأقل مدة عام، وذلك حتى الوصول إلى «اللقاح» اللازم لتعزيز المناعة البشرية ضد الفيروس التاجي المستجد. لكن ما هي مناعة القطيع، وهل هناك حل وسط قريب الأجل للحدِ من انتشار الجائحة؟

«مناعة القطيع».. هل يمكن أن تحمينا من تفشي الفيروس التاجي؟

في مارس (آذار) الفائت، زعمت الحكومة البريطانية بأنها تسعى للحدِ من تأثير كوفيد-19 عن طريق «مناعة القطيع»، وذلك من خلال السماح للفيروس بالانتشار عبر جميع السكان، حتى اكتساب المناعة اللازمة ضده. إذ يتكون هذا النوع من الحصانة في الأساس من خلال تطعيم أعداد كبيرة من الناس ضد مرض ما، وبالتالي يصبح من الصعب على المرض الوصول إلى الأشخاص المعرضين للخطر، الذين لم يجر تطعيمهم بعد. وهو الأمر الذي يوفر الحماية للأشخاص الضعفاء مثل المرضى والأطفال حديثي الولادة.

على الرغم من ذلك تشير هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) إلى أن «مناعة القطيع» تعمل فقط إذا جرى تطعيم غالبية السكان ضد مرض ما، على سبيل المثال، التلقيح ضد مرض «الحصبة» لغالبية السكان يشكل حاجزًا مناعيًّا ضد وصول المرض للأقلية الباقية، وهو ما لا يتوفر حتى الآن بالطبع فيما يخص كوفيد-19. 

المناعة الجماعية بديلًا للقاح

تعد مناعة القطيع مؤشرًا على نسبة الأشخاص المحصنين من المرض بين مجموع السكان، ويشرح «مشروع معرفة اللقاحات» أن مناعة القطيع لا تضمن مستوى عاليًا من الحماية الفردية، على عكس اللقاحات، وبالتالي فهي لا تشكل بديلًا فعالًا للقاح. رغم ذلك، يشير البروفيسور مارك وولهاوس، أستاذ علم الأوبئة والأمراض المعدية في جامعة أدنبرة، إلى أن مشروع مناعة القطيع هو الأساس في كل برامج التطعيمات، وأنها يمكن أن تحدث بطريقة طبيعية أيضًا، وذلك عن طريق «الأجسام المضادة» التي تتكون لدى المرضى المتعافين من العدوى، والتي تشكل حاجز حماية طبيعي للقلة الباقية. قد يصابوا بالعدوى إلا أن الأمر لن يصل إلى درجة «الوباء» بحسبه.

أما البروفيسور بول هانتر، أستاذ علم الطب بجامعة إيست أنجيليا، فيشير إلى أن نسبة الحصانة الطبيعية التي يحتاجها مجتمع للوقاية من وباء تختلف من عدوى إلى أخرى؛ إذ إنه في حالة الحصبة على سبيل المثال، أنت بحاجة إلى مناعة 90% من مجموع السكان، وهي النسبة التي تختلف حسب نوعية المرض ومسبباته. 

هل مناعة القطيع ممكنة وسط تفشي «فيروس كورونا»؟

هذا ما كانت الحكومة البريطانية تأمل في تحقيقه خلال الشهر الفائت من خلال السماح للفيروس بالتفشي بين مجموع السكان. أن تمر العدوى على الجميع بسرعة كبيرة ويلقى هؤلاء ممن سيعانون من الأعراض الأكثر خطورة الرعاية الطبية التي يحتاجون إليها، مع الأخذِ في الاعتبار، عدم إنهاك نظام الرعاية الصحية. رغم ذلك، نفى بيان صادر عن وزير الصحة البريطاني، مات هانكوك، في 15 مارس (آذار) ما تردد بشأن البدء في تنفيذ خطة الحصانة الجماعية. قائلًا إن بلاده تسير وفق خطة وضعها أبرز علماء وخبراء الصحة في العالم، و«مناعة القطيع» ليست من ضمنها. وأضاف: «هدفنا هو حماية الحياة من هذا الفيروس والأشخاص الأكثر ضعفًا، وذلك من خلال الاحتواء والبحث والتحقيق، وتأخير التفشي قدر الإمكان».

(تقرير عن رأي الخبراء في مناعة القطيع قبل شهر)

في بداية مارس، كانت «منظمة الصحة العالمية» قد أصدرت بيانًا للرد على التكنهات الخاصة بإمكانية تحقيق المناعة الجماعية، وقد ورد فيه أن المناعة التي تكونت لدى العديد من الأشخاص ضد بعض سلالات «الأنفلونزا الموسمية»، لا تعني بالضرورة حدوث الشيء نفسه مع الفيروس التاجي المستجد؛ إذ يعد كوفيد-19 فيروسًا جديدًا تمامًا ولا يملك العلماء والخبراء عنه من المعلومات ما يكفي للتحدث بيقينية عن الفرص المناعية ضده؛ فكل فيروس يعمل بشكلٍ مختلف، ويحفز في الأجسام صورة مناعية مختلفة.

ووفقًا لمراسل صحيفة «الإندبندنت» الصحي، لا توجد حتى الآن فرصة لتحقيق «مناعة القطيع» ضد الفيروس التاجي. إذ أن الحصانة الجماعية تصبح سارية المفعول بعد أن يصاب بالفيروس الغالبية العظمى من السكان وينجوا منه، لينتج جهازهم المناعي الأجسام المضادة اللازمة للتحصين.

العزلة و«التباعد الاجتماعي» استراتيجية ناجحة إلى متى؟

نشرت وكالة «NBCNews» الإخبارية بالأمس خبرًا عن إزاحة الجراح العام بولاية فلوريدا، سكوت ريفكييس، من المؤتمر الصحفي الموجز الخاص بتفشى فيروس «كوفيد-19» بالولاية، وذلك بعدما حثَّ إبان عقد المؤتمر على ضرورة الإلتزام باستراتيجية التباعد الاجتماعي والعزلة، على الأقل مدة عام، وذلك حتى الوصول إلى تطوير لقاح مناسب للفيروس التاجي المستجد.

قال ريفكييس بالمؤتمر: «حتى الوصول إلى لقاح مناسب، علينا الإلتزام بالعزلة، تلك هي طبيعتنا الجديدة التي علينا التكيف معها لحماية أنفسنا».

بعد وقت قصير من تصريحات ريفكييس، قامت المتحدثة الرسمية باسم رون ديسانتس حاكم ولاية فلوريدا؛ بإزاحته عن المؤتمر الصحفي؛ في الوقت ذاته حثَّ مسؤولو الصحة العامة على ضرورة ضبط النفس أثناء رفع التدابير الاحترازية للتباعد الاجتماعي، كما شددوا على ضرورة توخي الحذر، لأن عودة الحياة إلى طبيعتها في الوقت الحالي قد يؤدي إلى «كارثة»، بحسبهم، في سرعة تفشي الإصابة بالفيروس التاجي.

عن ذلك، تشير التحليلات الأخيرة لخبراء علم «الأمراض المعدية» بجامعة هارفارد الأمريكية، إلى أنه في حالة غياب تطوير لقاح مناسب، فإن استراتيجية «التباعد الاجتماعي» هي الأكثر فاعلية لإنقاذ مزيد من الأرواح وتجنب إنهاك أنظمة الرعاية الصحية، وفي الوقت ذاته قد تسمح للحصانة الجماعية للبناء تدريجيًا عبر مجموع السكان، وذلك نظرًا للكيفية التي يؤثر بها هذا التفشي في وحدات الرعاية الحرجة. 

في الوقتِ ذاته، يشير العمل الذي قام به باحثو جامعة هارفارد إلى أن بناء «مناعة القطيع» يحتاج إلى وقت يسمح للمرض بالانتشار والانحسار، وبالتالي يتكون لدى مجموع السكان أجسام مضادة تكفي للتحصين من وباء يحتمل أن نشهد منه موجات جديدة قادمة.

ويشير الباحثون إلى أن «النموذج الصيني» في احتواء الأزمة، قد نجح في حد الانتشار بنسبة وصلت إلى 60%، وهو أمر مريح، إلا أنه في نفس الوقت يسمح باحتمالية ظهور موجات وبائية موسمية جديدة في الخريف والشتاء، مما يرهق نظام الرعاية الصحية بطريقة مماثلة لوباء غير خاضع للسيطرة. إذ على الرغم من أن التباعد الاجتماعي يمثل الاستراتيجية الأكثر فاعلية، إلا أنه في الوقت ذاته لا يسمح للمناعة الجماعية بالتكون.

ويؤكد الخبراء على أن النموذج الأمثل للتعامل مع الأزمة الحالية هو استخدام «التباعد الاجتماعي» المتقطع. بمعنى أن يتراجع حظر التجوال عند انخفاض الحالات إلى مستوى معين، وترتفع التدابير الاحترازية عند تخطي الحد المسموح به لعدد الحالات، وذلك لضمان عدم إنهاك نظم الرعاية الصحية، إبان عملية بناء «الحصانة الجماعية».

هل يكتسب المتعافون من كورونا مناعة ضده؟

يشرح تقرير أخير نشر بـ«الجارديان» البريطانية، الطريقة التي تكون بها أجسادنا مناعتها ضد «الفيروس التاجي المستجد»، مُشيرًا إلى أن الفيروس يسعى للسيطرة على الخلية وبناء المزيد من الفيروسات، وذلك قبلما تكتشف الخلايا المناعية المتسللين الجدد -فيروسات العدوى- وتدق ناقوس الخطر، ليدافع الجسد عن نفسه. يضيف التقرير أن هدف التطعيم الوقائي في مختلف الأمراض، هو تكون بروتينات من الأجسام المضادة تمنع الفيروس من الوصول إلى الخلايا المستهدفة.

(التجهيزات العالمية للسيطرة على الفيروس التاجي المستجد)

بعض الأجهزة المناعية تستطيع أن تكتشف العدوى وتفرز أنزيمات سامة لقتل الخلايا المصابة، وبالتالي ينتج عن ذلك حرمان الفيروس من مصانع تكاثره. في تلك الحالة، يمكن للمريض أن يعاني من الأعراض الفيروسية بشكلٍ أقل. إذا أصيب الفرد وتعافى، يكون الجسد أجسامًا مضادة ضد العدوى الفيروسية، تحتفظ ببصمتها ذاكرة أجهزتنا المناعية. وفي حالة جرت مهاجمتنا من نفس الفيروس مرة ثانية، تتعرف ذاكرة الخلايا على العدوى وتتمكن من إفراز الأجسام المضادة الخاصة بها.

هنا يبقى السؤال الهام: هل يمكن لمريض كورونا أن يصاب بالمرض مرةً ثانية بعد التعافي؟

وصل عدد الحالات المصابة بالفيروس التاجي المستجد عالميًا إلى 1.727.000، ويواصل الفيروس انتشاره، مع ذلك تعافى حتى الآن أكثر من 390 ألف شخص، ومع تزايد التوقعات باحتماليات تفشي قادمة؛ إذ إن الفيروس قد يحتمل موجات جديدة في المستقبل، يشير الخبراء إلى أن تعافيك من كوفيد-19 لا يعني بالضرورة أن المرض لن يصيبك مرةً ثانية.

دولي

منذ شهر
السباق العالمي لتصنيع أجهزة التنفس الصناعي في عصر كورونا

يشير تقرير صحيفة «الإندبندنت» البريطانية إلى أن اكتساب مناعة ضد الفيروس التاجي المستجد قد يحتاج إلى محاولة «تقليص» انتشار الفيروس أكثر من مرة، في موجاتٍ مستقبلية، ووفقًا لـ لي كنكوين، مدير مركز الوقاية من الالتهاب الرئوي وعلاجه في بكين، فإن الأشخاص المصابين بفيروس كوفيد-19 تكون أجسادهم بالفعل أجسامًا مضادة ضد الفيروس؛ تكسبهم الحماية والتحصين؛ إلا أنه من غير المعروف، إلى متى تستمر هذه الحماية؟ في إشارة إلى أن الحصانة قد تكون «مؤقتة». يضيف لي: «بعض الأجساد لا تحتفظ بالأجسام المضادة طويلًا وأغلب المرضى الذين تم شفاؤهم معرضين للانتكاس مرةً أخرى».

تأثير درجات الحرارة المرتفعة على كوفيد-19

في الآونة الأخيرة، انتشرت بعض التكهنات عن قدرة درجات الحرارة الحالية على القضاء على فيروس «كورونا المستجد». في الوقت ذاته، تشير دراسة أقامها مركز الأمراض المعدية بجامعة أدنبرة بالمملكة المتحدة منذ 10 سنوات، إلى أن الموسمية الشتوية لثلاثة سلالات من الفيروسات التاجية قد أظهرت فاعليتها، وهو نمط مشابه للأنفلونزا الموسمية.

كانت التلميحات تشير إلى أن الفيروس التاجي المستجد «كوفيد-19» يمكن أن يختلف تأثيره باختلاف الفصول، في إشارة إلى تفشيه في الظروف الباردة والجافة. لكن رغم ذلك، يشير تقرير وكالة «البي بي سي» الإخبارية إلى أن الفيروس المستجد قد أثر بفاعلية في الكثير من البلدان التي تعاني من ظروفٍ مناخية رطبة وحارة.

ومع قلة المعلومات المتاحة للخبراء عن الفيروس التاجي الجديد، نشرت العديد من الدراسات، بعضها تنبأ بأن المناخات المعتدلة الدافئة والباردة هي الأكثر عرضة للإصابة بالعدوى، تليها المناطق القاحلة، وكان من المرجح أن تكون المناطق الاستوائية هي الأقل تأثرًا في العالم. والبعض الآخر يشير إلى أنه مع غياب بيانات واقعية وحقيقية عن تباين انتشار الفيروس عبر تغير الفصول، فإن استقراء البيانات حول موسمية كوفيد-19 أمر صعب، ولا يتوافق مع معاير «الفيروسات المتوطنة الموسمية».

يشير تقرير «البي بي سي» إلى أن الأوبئة لا تتبع الأنماط الموسمية ذاتها، واستدلوا في ذلك على وباء «الإنفلونزا الإسبانية» التي شهدت ذروة تفشيها في شهورِ الصيف، قبل قرن من الزمان.

متى ينتهي الحظر؟

في الوقت الذي يشير فيه الخبراء، إلى أن العودة لممارسة حياتنا بشكلٍ طبيعي قد لا تحدث قبل نهاية عام 2021، وذلك لحين التوصل إلى لقاح مناسب لفيروس «كورونا المستجد»، تخشى بعض الدول من التبعات الاقتصادية للإغلاق التام والحظر الكلي أو الحظر الحزئي وتوقف الأعمال.

سياسة

منذ شهر
هل يجب على الصين دفع تعويضات لترامب بسبب فيروس كورونا؟

حتى الآن لا توجد خطة واضحة بمواعيدٍ نهائية لانتهاء الحظر والعودة إلى الحياة الطبيعية؛ إذ تبنت أغلب الدول سياسة قائمة على تجديد الحظر الكلي أو الحظر الجزئي وفقًا للحالة العامة للبلاد وخطورة تفشي الوباء. ففي الوقت الذي أعلنت فيه إيطاليا على سبيل المثال، تمديد الإغلاق التام والحظر الكلي في البلاد حتى الثالث من مايو (آيار) القادم، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن على الولايات المتحدة أن تكون جاهزة من أجل إعادة فتح المجال العام والأعمال وفك الحظر «في أية لحظة»، وقد تبنى الرئيس الأمريكي منذ البداية فكرًا يخشى على الاقتصاد من الانهيار، في حالة الاستمرار في اتباع سياسة التباعد الاجتماعي.

(تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالأمس)

تشير بعض التقارير إلى أنه ما يزال من السابق لأوانه معرفة متى ستعود الأمور إلى طبيعتها على مستوى العالم في ظل اختلاف آراء العلماء والمسؤولين واحتدام تفشي الجائحة. عن ذلك تشير جيني هاريس، نائبة رئيس الإدارة الطبية البريطانية، أن الوضع قد يستغرق ستة أشهر أو أكثر، مع تجديد ومراجعة أجراءات الإغلاق كل إسبوعين أو ثلاثة وذلك وفقًا لتأثير تفشي الفيروس المستجد على البلاد، وأعداد الضحايا. وهو النموذج الذي تتبعه كثيرٌ من الدول، لاتخاذ الاجراءات المناسبة لتمديد الإغلاق أو رفع القيود عن الحركة.

المصادر

تحميل المزيد