خاضت بلدان أوروبا فيما بينها حروبًا طاحنة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، خلفت مئات ملايين القتلى والمعطوبين، بيد أنها وضعت كل أحقادها وخلافاتها جانبًا، لتندمج جميعها في تكتل واحد وتنصهر في الاتحاد الأوروبي، فهل يبقى لدول المغرب العربي بعد هذا مبرر لتأجيل تنفيذ مشروع الوحدة المغاربية؟!

في الجمعة الماضية من الأسبوع المنصرم عقد الممثلون الدبلوماسيون لبلدان المغرب العربي اجتماعًا للدورة الثلاثة والثلاثين بالرباط في إطار الاتحاد المغاربي، وخرجوا ببيان، دعا فيه وزراء الخارجية المغاربيون إلى “التصدي الجماعي للإرهاب” ومساندتهم لمجهودات الأمم المتحدة في حل الأزمة الليبية، وتعزيز أواصر التعاون بين دول الاتحاد.

جرى هذا الاجتماع في طابق تحت أرضي بإحدى فنادق الرباط وسط تغطية إعلامية محدودة، وفي ظروف وصفها صحافيون بأنها “لا تليق بصورة الاتحاد المغاربي”. لعل هذه الصورة هي أفضل ما يعكس واقع الاتحاد المغاربي الذي لم يتجاوز الشعارات والبروتوكولات الرسمية إلى الفعل.

دعونا إذن نطرق ملف الاتحاد المغاربي، لنعرف طبيعته ومعيقاته ومبرراته.

ما قصة الاتحاد المغاربي؟

بدأت فكرة التعاون بين بلدان المغرب العربي منذ نهاية العهد الاستعماري بالمنطقة، حيث كانت محاولات نحو التكامل بين البلدان المغاربية، مثل تأسيس اللجنة الاستشارية للمغرب العربي عام 1964 بهدف تنشيط الروابط الاقتصادية، وبيان جربة الوحدوي بين ليبيا وتونس عام 1974، وأيضا بناء الإخاء والوفاق بين الجزائر وتونس وموريتانيا في سنة 1983، وانتهاء باجتماع دول المغرب العربي بمدينة زرالدة في الجزائر يوم 1988/6/10، الذي أبدى فيه قادة المنطقة المغاربية رغبتهم بالتكامل، وقد باءت كل تلك المحاولات بالفشل التام.

لكن في 1989/2/17 أعلن لأول مرة بشكل رسمي في اجتماع بمدينة مراكش قيام اتحاد المغرب العربي، الذي يضم كل من المغرب، الجزائر، تونس، موريتانيا، ليبيا.

لحظة إعلان الاتحاد المغاربي سنة 1989

 

وحسب ما يفيده عقد الاتحاد المغاربي، فإنه يهدف إلى فتح الحدود بين الدول الخمسة لمنح حرية التنقل الكاملة للأفراد والسلع، والتنسيق الأمني، ونهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين، والعمل تدريجيًّا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها.

وقد وقعت دول المغرب العربي حوالي 28 اتفاقية في الفترة ما بين 1990 و1994 تناولت مجالات مختلفة، سياسية وثقافية وأمنية وصحية واجتماعية، تفعيلًا للاتحاد المغاربي، يمكنك الاطلاع على مضامين تلك الاتفاقيات من هنا.

وتوجد مجموعة من الأجهزة التي وضعت من أجل تنفيذ مخططات الاتحاد المغاربي والسهر على إدارة شؤونه، نوردها كالآتي:

مجلس الرئاسة: أعلى سلطة في الاتحاد، يتكون من قادة الدول الأعضاء المغاربية، ويرأسه بالتناوب كل سنة أحد الرؤساء، الذي يصدر القرارات بعد توافق الأعضاء حولها.

مجلس وزراء الخارجية: يتكون من رؤساء وزارات الخارجية المغاربية، يتكفل بالإعداد لدورات مجلس الرئاسة، ويهتم بتنسيق سياسات ومواقف البلدان المغاربية للخروج بآراء موحدة بخصوص القضايا العالمية، يعلن عنها في المنظمات الإقليمية والدولية.

لجنة المتابعة: تعين كل دولة من بلدان المغرب العربي ممثلًا لها، حيث تعمل اللجنة على مراقبة سير عمل الاتحاد ورصد تقدمه وعوائقه، واقتراح الحلول والاستراتيجيات التي ستمكن من تعزيز الوحدة المغاربية.

اللجان الوزارية المتخصصة: وهي لجنة الأمن الغذائي، ولجنة الاقتصاد والمالية، ولجنة البنية الأساسية، وكذلك لجنة الموارد البشرية، تسهر جميعها على دراسة ملفات الاتحاد المغاربي حسب مجال كل واحدة منها.

كما يتوفر أيضًا الاتحاد المغاربي على مجموعة من المؤسسات، تتكفل بإدارة شؤون الاتحاد وتنفيذ مقررات الوحدة المغاربية، وهي الأمانة العامة، ومجلس الشورى، والهيئة القضائية، والأكاديمية المغاربية للعلوم، والجامعة المغاربية، وأخيرًا المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية.

  • ما الذي يمنع إذن من تجسيد الاتحاد المغاربي على أرض الواقع؟

رغم كل ما أوردناه سابقًا من مخططات الاتحاد المغاربي وآلياته ومؤسساته، فلا يوجد حتى الآن وحدة مغاربية على أرض الواقع، وإنما كل ذلك لا يتجاوز الورق، ما يدفعنا إلى التساؤل في الأسباب التي تضع الاتحاد في حالة وقف التنفيذ.

شعار الاتحاد المغاربي

أسباب سياسية: غياب الإرادة السياسية هي السبب العميق لعدم تفعيل الوحدة بين دول المغرب العربي، حيث تعاني المنطقة المغاربية مشاكل سياسية لا زالت عالقة حتى الساعة، أبرزها النزاع بين المغرب والجزائر، ومشكلة الصحراء، بالإضافة إلى انفجار الوضع الليبي في السنوات الأخيرة، وبالتالي فعملية الاندماج ستكون موقوفة التنفيذ طالما لم يتم رأب الصدع الداخلي.

تعاني أيضًا منطقة المغرب العربي من أزمة ديموقراطية، إذ لا زالت العملية السياسية بالبلدان المغاربية غير مستقيمة، وتعتريها الكثير من الممارسات الدكتاتورية والفوضى، علاوة على أن الأنظمة الحاكمة لا تبدي رغبتها بالوحدة إلا محاولة لإرضاء شعوبها، ونتيجة التسرع والحماس أكثر مما هي رغبة فعلية لتجسيد الاتحاد المغاربي على أرض الواقع، إذ إن سلوكها السياسي لا يزال حبيس الرؤى القطرية الضيقة وتصورات السيادة الوطنية التقليدية، وهو ما يتنافى مع مفهوم الاتحاد الذي يقتضي التضحية بالمصالح الذاتية من أجل مصلحة الكل، والتعاون مع الآخر والتفاوض معه من أجل الوصول إلى أرضية مشتركة يمكن العمل وفقها سويًّا.

ومما يعرقل الوصول إلى تكتل مغاربي أيضًا ارتباط بلدان المنطقة اقتصاديًّا واستراتيجيًّا بالقوى الخارجية، حسب رؤية كل بلد والقطب الذي يختاره، أكثر من ارتباطها فيما بينها، ومن ثمة يكون من الصعب استقلال كل بلد في إرادته السياسية واختياراته الوطنية، حيث تتجاذبهم جميعًا القوى العالمية سواء التابعة للمعسكر الأوروبي أو الروسي أو الأمريكي.

أسباب اقتصادية: يتسم الاقتصاد المغاربي بمحدودية القاعدة الإنتاجية ومحدودية السوق، فجميعها يعتمد على تصدير المواد الخام إلى الدول الأجنبية واستيراد ما تحتاج إليه من السوق الدولية، مثلما يركز معظمها على النشاط السياحي الذي يعد أساسًا غير صلب بما فيه الكفاية لبناء اقتصاد متماسك يصمد في وجه التغيرات.

خريطة توزيع الموارد الطبيعية بالمنطقة المغاربية

تعرف البلدان المغاربية فجوات هائلة فيما بينها على مستوى التنمية، ونفس الشأن ينطبق على مشكلة المديونية، التي نجدها مرتفعة في بعضها ومنخفضة في أخرى، وهو الأمر الذي يصعب العثور على سياسات اقتصادية موحدة تناسب كل الدول المغاربية المتفاوتة تنمويًّا.

وفي كل الأحوال فإن واقع التجارة البينية بين البلدان المغاربية متواضع جدًا، لا يتجاوز 2,5% من الحجم الإجمالي، وهو ما لا يساعد بأي حال في بناء تكتل مغاربي، خصوصًا وأن العامل الاقتصادي من أهم عوامل الاندماج، لأنه المحطة الأولى التي ينطلق منها قطار الوحدة للوصول إلى مستوى الانسجام السياسي والاجتماعي بين الدول المتحدة، أضف إلى كل ذلك ضعف الوعي التكاملي بين الشعوب المغاربية.

  • لماذا البلدان المغاربية ملزمة الآن بالوحدة أكثر من أي وقت مضى؟

أصبح اليوم خيار التكتل لكل دول العالم ضرورة ملحة، لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية في عالم يشتغل بنظام العولمة، وقد وعت معظم بلدان المعمورة هذا الأمر، فانخرطت في اتحادات اقتصادية وسياسية، أبرزها الاتحاد الأوروبي والاتحاد اللاتيني والاتحاد الآسيوي. غير أن فكرة الوحدة المغاربية هي أقدم من كل تلك الاتحادات، لكن بالرغم من ذلك فإنها لا تزال حتى يومنا هذا حبيسة الورق.

اجتماع لدبلوماسيين الاتحاد المغاربي 7/5/2015

 

تواجه اليوم المنطقة المغاربية تحديات أمنية صعبة، تتمثل في استفحال نشاط الجماعات الإسلامية المتطرفة، ولا سيما في تونس والجزائر، كما تعرف ليبيا وهي واحدة من البلدان المغاربية حالة من العنف والاحتراب الأهلي، بالإضافة إلى مشكلة الهجرة غير الشرعية التي تؤرق السلطات المغاربية، كل ذلك يستدعي من دول المغرب العربي نهج سياسات مشتركة للحفاظ على استقرار المنطقة ككل، وذلك بتضافر الجهود وتبادل المعلومات والعمل على سياسات موحدة.

يعيش عالمنا الآن وفق نظام العولمة، هذه المنظومة الاقتصادية العالمية الجديدة تفرض إكراهات على كل دول العالم، مثل تحرير التجارة الدولية وتدويل الإنتاج، وخلق نوع من العلاقات الاقتصادية تشارك فيها جميع الكيانات الدولية، وبالتالي فلا مكان في هذا النظام للكيانات غير الصلبة، ما حذا بكثير من البلدان الدخول في تكتلات اقتصادية، بيد أن الدول المغاربية لا تزال تصر كل واحدة منها على شق طريقها وحدها وسط أمواج التقلبات العالمية العاتية، ربما يرجع ذلك لغياب الوعي لدى الساسة حول أهمية التكامل الاقتصادي والعمل بمبدأ المصلحة المشتركة، ودورهم في توسيع السوق الاستهلاكية والإنتاجية وفي تعزيز موقع الاقتصادات ضمن النظام الاقتصادي العالمي.

تشترك البلدان المغاربية في الثقافة واللغة والدين، كما تجمعهم نفس العرقيات تقريبًا، الشيء الذي سيسهل عملية الاندماج الاجتماعي بين شعوبها، مثلما تزخر تلك البلدان أيضًا بموارد بشرية وطبيعية، حيث يفوق عدد سكان المنطقة المغاربية مائة مليون نسمة، أكثر من 60% منهم من الشباب النشطين، وتحتضن أراضيها ثروات طبيعية متنوعة طاقية ومعدنية وبحرية وسياحية.

سيساعد بلا شك حل الوحدة المغاربية في معالجة المشاكل الحدودية والعرقية والسياسية، لعل أبرزها قضية الصحراء التي تؤرق المنطقة.

حتى نكون واقعيين، فلا توجد حتى الآن إشارات حقيقية تنبئ مستقبلًا عن تجسيد الوحدة المغاربية على أرض الواقع رغم توق شعوب المنطقة إليها، غير التصريحات الجوفاء والمخططات الورقية، ربما نتيجة غياب الإرادة السياسية لدى ساسة البلدان المغاربية في المقام الأول، ثم تأتي من بعد ذلك أي أسباب أو معوقات أخرى محتملة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد