مباشرة بعد انتخابه، في 17 أبريل/ نيسان الماضي، رئيسًا للبلاد لولاية هي الرابعة له بالرغم من مرضه، فإن أخبار الرئيس الجزائري انقطعت إلا ما صدر منها عن الإعلام الرسمي نقلًا عن مسؤولين في الحكومة التي عينها الرئيس المنتخب، قبل أن يختفي عن أنظار الشعب الذين كان آخر ظهور له أمامهم تأديته للقسم الدستوري رئيسًا للبلاد، من جديد، وهو يتلعثم بالكلمات، قبل أن يكف عن إلقاء الكلمة التي تلت القسم قبل أن يكملها، بسبب عدم قدرته على المواصلة.

أين الرئيس؟

صورة أرشيفية للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة

آخر ما وصل إلى الشعب من الرئيس الذي يُجهل مكانه وعمّا إذا كان يوجد في قصر “المرادية” وسط العاصمة الجزائر أم خارج البلاد لأجل التداوي والعلاج، كانت دعوة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة دولَ عدم الانحياز المجتمعين في بلاده، إلى أن “توحدَ جهودها لمحاربة الإرهاب المتواطئ مع الإجرام العابر للأوطان”، بحسب ما نقل التلفزيون الحكومي.

وأكد بوتفليقة في خطاب افتتاح اجتماع وزاري للمنظمة، قرأه نيابة عنه –كما بات معروفًا منذ مرض الرئيس قبل أزيد من سنة- رئيس الوزراء عبد المالك سلال، أن “الإرهاب المتواطئ مع الإجرام العابر للأوطان وتهريب المخدرات أصبح اليوم آفة بالغة الخطورة بالنسبة للمجموعة الدولية”. وأن ذلك “يرمي إلى النيل من النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي لدولنا ويسعى تدريجيًا إلى توسيع مساحات اللاأمن واللااستقرار كما هو الحال في منطقة الساحل”.

الرئيس بوتفليقة مباشرة بعد إعادة انتخابه في تلك الاستحقاقات التي انتقدها كثيرون وقاطعها العديد من الأحزاب السياسية، أعاد تعيين رئيس الوزراء السابق عبد المالك سلال بعدما قاد حملته الانتخابية الرئاسية، وما لبث أن “سلّم” له مقاليد السلطة بعدما عين أيضًا حكومة أبرز وجوهها محسوبون على الحزب الحاكم وحزب الرئيس “جبهة التحرير الوطني”، وكذا من “خريجي” وزارة الداخلية، حيث تم “ترقية” سبعة وُلاة (محافظون) إلى رتبة وزير، في إطار “عرف” سارت عليه السلطة الجزائرية منذ فجر الاستقلال سنة 1962.

بوتفليقة يقترع في الانتخابات الرئاسية التي جاءت به إلى الحكم لولاية رابعة

وبقدر مافتئ المتتبع للشأن الجزائري يتساءل عن الحالة الصحية للرئيس المريض وعما إذا كان يتابع من داخل مكتبه بقصر المرادية، عن كثب، الملفات التي وعد في حملته الانتخابية بحلها ومعالجتها، أم أنه يرقد في إحدى المستشفيات بالداخل أو الخارج قصد العلاج، بقدر ما يتساءل الجزائريون قبل غيرهم عما يمكن فعله من لدن الحكومة الجزائرية الجديدة/ القديمة، والتي رفعت عدة تحديات أبرزها تلك المتعلقة بمحاربة الفساد، وضمان الأمن في البلاد خاصة بعد تزايد مخاطر “الإرهاب” داخليًا وعلى مستوى المحيط الإقليمي.

أولويات على الطاولة!

ورأت تقارير إعلامية جزائرية أن الحكومة الحالية أمامها، كأولوية، عدة تحديات تتلخص أساسًا في ثلاثة محاور رئيسية، هي التوصل أولًا إلى دستور توافقي جديد، ثم ثانيًا محاربة الفساد وجعل المواطن يطمئن إلى مآل الثروة التي تزخر بها البلاد وتعود عليه بالنفع لا أن تستفيد منها حفنة من الانتهازيين وذوي النفوذ، ثم ثالثًا الحفاظ على الاستقرار، وذلك بدعم أجهزة الأمن والجيش ليكون أكثر فاعلية لمواجهة الإرهاب الداخلي وذاك الذي يتربض بالحدود الجزائرية، لاسيما تلك المشتركة مع دول الساحل والصحراء والجارين تونس وليبيا، حيث تنشط المجموعات المسلحة والمتشددة.

احتجاجات شعبية واسعة اندلعت ضد ترشيح بوتفليقة وهو مريض

فبخصوص النقطة الأولى يرى المتتبعون أن النظام الجزائري حاول حتى قبل أن يتم التصويت عليه لولاية جديدة لبوتفليقة أن يلعب ورقة “الإصلاحات السياسية”، وروجت الحملة الانتخابية لعبد العزيز بوتفليقة أن الأخير سيعمل على إنجاز دستور تشارك فيه كل ألوان الطيف السياسي بالبلاد، في إطار “توافقي”، وهو ما اعتبرته المعارضة التفافا على برنامجها السياسي، الذي كان ينص، من بين ما ينص عليه، وضع دستور توافقي لا يقصي أحدًا من المشهد السياسي، كخطوة أولى، نحو انتقال ديموقراطي بأقل الخسائر، يجنب البلاد أزمات ومشاكل أو ربما عواصف قد تعصف في حال ما انفجر الشارع على غرار بلدان الجوار.

غير أن السلطة أصرت على إبقاء النظام كما هو، يقول بعض المتتبعون، الذين وصفوا الانتخابات الرئاسية السابقة بأنها كانت من غير “طعم” ولا “لون”، وبأنها كانت محسومة مسبقًا؛ ولعل ذلك ما جعل المعارضة ترفض المشاركة في الحكومة الجديدة التي جاءت خالية من أي لون سياسي معارض. تمامًا كما فعل حزب جبهة القوى الاشتراكية، أقدم حزب معارض في الجزائر، الذي أكد أنه رفض حقيبتين وزاريتين في الحكومة الجديدة التي مهمتها “تطبيق برنامج رئيس الجمهورية”، بحسبه، قبل أن يضيف أن “الأولوية بالنسبة لجبهة القوى الاشتراكية هي إعادة بناء وفاق وطني”، وإنجاز “برنامج توافقي للخروج من الأزمة” بالاشتراك مع المعارضة والمجتمع والسلطة.

وكذلك الشأن كان مع حزب العمال التروتسكي الذي تقوده لويزة حنون الخاسرة في انتخابات الرئاسة، والذي رفض هو أيضًا المشاركة في حكومة “غير متناسقة سياسيًا”.

استمرار النظام..

الموقف المعارض لما يريده النظام من إصلاحات عبرت عنه أيضًا “التنسيقية من أجل الحريات والانتقال الديموقراطي”، التي تشكلت من الأحزاب والشخصيات التي قاطعت الانتخابات الرئاسية السابقة، والتي اعتبرت حديث بوتفليقة عن “دستور توافقي” الغرض منه هو “الالتفاف حول مطالب المعارضة وإفراغها من محتواها”.

وفيما يخص الأولوية الثانية التي وعد بها بوتفليقة الشعب والتي تهم “محاربة الفساد”، فإن كثيرين يشكون في الأمر، ويعللون ما يذهبون إليه بكون حتى الطريقة التي تم بها انتخاب هذا الرئيس لولاية رابعة كانت “فسادًا” بعينه، وإلا فبِم تفسر السلطة إصرارها على ترشيح “رئيس” لا يقوى حتى على الجلوس على كرسيه الطبي وبأحرى أن يجادل ويناقش مستشاريه وضيوفه الأجانب حول الملفات التي تهم الجزائر، يتساءل جانب من المتتبعون.

الرئيس الجزائري بدا في الصورة لا يقوى على حمل حتى فنجان قهوة

إضافة إلى ذلك فإن المتتبعين يعتبرون أن مجرد عزم السلطة على إنشاء “هيئة” خاصة لمحاربة الفساد هو بداية للفساد بعين، بحيث لم يكن هناك من داع إلى ذلك في ظل وجود جهاز القضاء بالرغم من كل علاته؛ وعدم تخويل القضاء التكلف بملف الفساد يعبر عن رغبة السلطات في “التلاعب” بملفات الفساد. ويضرب هؤلاء كمثال على ما يزعمون تبرئة وزير الطاقة السابق شكيب خليل من “فضيحة سوناطراك” (الشركة الجزائرية التي تدير الثروة الغازية)، وكذا وزير الأشغال العمومية السابق، عمار غُول، الذي بالرغم مما ثبت من فساد وخروقات في مشروع الطريق السيار (شرق غرب)، واختلاس مليارات الدولارات في المشروع، فإنه لم يتم التحقيق معه، بل تمت “مكافأته” بتغيير حقيبته الوزارية، ونفس الشيء تم مع الأمين العام لحزب “جبهة التحرير الوطني”، عمار سعداني، الذي نُشرت فضائح فساده المالي في وسائل الإعلام الجزائرية والأجنبية، ومع ذلك ما يزال يتمتع بحصانة، مكنته منها دوائر السلطة.

وتبقى الأولوية الثالثة المتعلقة بالأمن والحفاظ على الاستقرار، والتي تتجلى بالخصوص في حرص السلطة، كما وعد بذلك بوتفليقة، على مواصلة العمل بالمصالحة الوطنية التي أنهت حربًا أهلية أسفرت عن 200 ألف قتيل، مع مواصلة، أيضًا، الحرب على الإرهاب والجماعات المتشددة، تبقى أولوية قديمة جديدة ورفعها النظام الجزائري منذ مجيء بوتفليقة في أول ولاية له سنة 1999. وعلى الرغم من كل النتائج الإيجابية التي حققتها مبادرة المصالحة، إلا أنها لم تعد تحظى باهتمام كبير من لدن الشعب الباحث عن تنمية اقتصادية حقيقية واستفادةٍ من ثروة البلاد التي “تُهرب” عائداتها إلى حسابات الجنرالات وكبار المسؤولين، بحسب معارضين جزائريين، في حين بات الجزائري ينافس مهاجري دول الساحل والصحراء على “الحريك” (أي الهجرة سرا) على متن “قوارب الموت” عبر البحر المتوسط في اتجاه أوروبا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد