تحتوي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية اليمنية على ثروات ضخمة ومتنوعة، ومع ذلك هذه الحكومة غير قادرة على دفع رواتب الموظفين والعسكريين، وسد الالتزامات المالية المترتبة عليها، وفشلت في تحسين الخدمات ولو قليلًا، بل إنها تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، في ظل احتجاجات واسعة في عدد من المناطق المختلفة.

تمتلك الحكومة الشرعية مناطق فيها كمية كبيرة من ثروات اليمن سواءً النفط والغاز، أم ثروة سمكية ضخمة أيضًا على ساحل ممتد لأكثر من 2500 كم، ومساحات زراعية كبيرة، إلا أنها لا تستطيع، أو ممنوعة من وضع يدها على كثير من هذه الثروات الهائلة، في هذا التقرير سنطرح هذا الموضوع على الطاولة، ونبحث عن الأسباب التي جعلت من هذه الحكومة تشكو الضيق والعوز مع أنها ترقد على بحر من الثروات.

حكومة مكبلة.. محافظات مستقلة بقراراتها

لعل البلاد تعيش الآن حالة انقسام عادت بها إلى ما قبل الوحدة عام 1990، حين أصبح اليمن يمنًا شماليًّا يحكمه الحوثيون، وآخر جنوبيًّا مقسمًا بين الحكومة الشرعية والانتقالية، والقوات المشتركة وحزب التجمع اليمني للإصلاح، وليس هذا فقط؛ بل أصبحت كل محافظة، بل كل مديرية تدير ذاتها، وتضع قوانينها قافزةً فوق الصلاحية الإدارية والمالية الممنوحة لها من الدولة.

وجود الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، في الرياض خارج بلاده، مع وجود حكومة محاصصة شكلية، لا تقوم بالخدمات والتنظيم والإدارة وغيرها؛ إذ يضع حلفاؤها العراقيل أمامها قبل أعدائها، هذا كله أعطى عددًا من المسؤولين في المحافظات استقلالية أكثر في قراراتهم منفصلين تمامًا عن الحكومة المركزية في عدن.

فمثلًا؛ فرض المجلس الانتقالي الجنوبي حالة الطوارئ عقب سيطرته على عدن في أبريل (نيسان) 2020، كما أعلن حظرًا للتجوال لمواجهة كورونا في بعض المناطق التي يسيطر عليها منفصلًا عن قرارات الحكومة، كما استحدث مناصب ومواقع إدارية جديدة في المحافظات والمديريات التي سيطر عليها، هذا بالإضافة لوجود تشكيلات عسكرية لا تتبع الحكومة؛ بينما تتبع تيارات حزبية وسياسية.

Embed from Getty Images

ومؤخرًا اتخذ محافظ تعز، قرارًا من المفترض أن يكون من صلاحية رئيس الجمهورية فقط؛ وهو العفو العام عمن ينشق عن جماعة الحوثي، بينما يعد محافظ مآرب سلطان بن علي العرادة، حاكمًا فعليًّا للمحافظة ويسيطر على كل الإيرادات النفطية، وكذلك يعيِّن ويفصل من يشاء دون الرجوع إلى الحكومة الشرعية، وذلك حسب مصادر إعلامية وخاصة، أكدت هذا الأمر.

كما تنشط معابر غير رسمية تربط مناطق الحكومة الشرعية والحوثي، تهرِّب المحروقات، والمواد الغذائية وأيضًا الأسلحة، يُتهم بالسيطرة عليها عدد من القادة العسكريين في قوات الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي.

حقوق إنسان

منذ 4 شهور
في مناطق التحالف أو الحوثيين.. 4 مشاهد تحكي مأساة المواطن اليمني اليومية

التفرد بالقرارات بعيدًا عن الحكومة الشرعية، بما فيها أخذ الإيرادات وعدم إرسالها إلى وزارة المالية والبنك المركزي، وصرفها خارج الخطط المطروحة من قبل الحكومة، جعل منها حكومة لا تملك المال ولا تستطيع المطالبة به، لأنه ليس لديها الإرادة السياسية أو العسكرية لذلك، فهي حكومة مكبلة.

أين تذهب الأموال، ولماذا الحكومة الشرعية فقيرة؟

اعتمدت الحكومة الشرعية على ودائع مالية بملياري دولار قدمتها السعودية للبنك المركزي اليمني في 2018، وذلك في سبيل إنقاذ الريال اليمني من التدهور، وقد أعلنت الحكومة سحب آخر مبلغ من هذه الوديعة أواخر العام الماضي. كان من المفترض أن تكون هذه الوديعة لحماية الريال من السقوط، ولكنها ولعدة أسباب لم تتمكن من ذلك؛ إذ واصل الريال سقوطه أمام الدولار ليصبح صرفه اليوم 894 ريالًا.

Embed from Getty Images

وكانت لجنة خبراء تابعة لمجلس الأمن قد اتهمت الحكومة اليمنية بغسل أموال واستغلال بطريقة غير قانونية للوديعة السعودية، وهو ما زاد من ورطة الحكومة المتهمة بالفساد لتسارع بطلب من شركة دولية للتحقيق في هذه الادعاءات، والتي نفتها عن نفسها، وهذه الاتهامات على ما يبدو قد أجلت تجديد الوديعة مرة أخرى.

يقول الصحافي اليمني المستقل، سامي نعمان، لـ«ساسة بوست» إن الوديعة السعودية استخدمت في توفير المواد الغذائية والأساسية، وقد جرى التصرف بها على دفعات لتغطية فاتورة استيراد المواد الغذائية الأساسية، واستخدمت لهذا الغرض، مذكرًا أن سعر الصرف وصل إلى 800 ريال مقابل الدولار وبعد الوديعة تراجع إلى ما دون الـ500 ريال، وواصل بعد ذلك الصعود على مدى عامين، وبدون الوديعة كان من الممكن أن يتراجع الريال اليمني إلى ما دون 1500، وربما 2000 ريال للدولار الواحد.

يضيف نعمان أن إيرادات البلاد من العملة الصعبة في أدنى مستوياتها، ولا تكفي لتغطية فاتورة المتطلبات الأساسية من الغذاء في بلد يعتمد على الاستيراد، حتى إن ما يُصدر من النفط الخام لا يعني اكتفاءً ذاتيًّا؛ إذ ُتُستورد مشتقات نفطية مكررة، وبكلفة عالية، خصوصًا أن مصافي عدن لا تعمل.

بالتأكيد الفساد وسوء الإدارة الذي يخيم على الحكومة الشرعية أحد أهم الأسباب التي أدت لضعف الإمكانيات المالية لديها، فالرشاوي والسرقات والواسطة تكاد تكون السمة الأبرز فيها، وهناك عشرات التقارير الصحفية التي تمكنا من التحقق من مصداقية بعضها، تحدثت عن فساد كبير في الشركات النفطية والجهات التي تتحكم بمصير اليمن، بدءًا من الحكومة الشرعية، وحزب التجمع اليمني للإصلاح وأيضًا القوات المشتركة، والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعومين من الإمارات.

كما أن مصطلح «هيبة الدولة» لا وجود له في قواميس الجهات التي تتحكم بثروات اليمن، فالمسؤولون في محافظة مأرب الغنية بالنفط والغاز، مثلًا، يتحكمون بفرع البنك المركزي لديها، ولا يورِّدون إيرادات المبيعات النفطية إلى البنك الرئيسي في عدن، وذلك حسب تقارير صحفية عدة ذكرت هذا الأمر، وقالت إن الفرع يغلق الـ«سيرفرات» لمنع «مركزي» عدن من الاستعلام عن المعاملات اليومية.

وكذلك الأمر في محافظة حضرموت، التي لا تورِّد مبيعاتها من النفط إلى مركزي عدن، في حين تورد شبوة، على سبيل المثال، مبالغ مالية تقدر بـ6 مليارات ريال يمني شهريا، كونها تخضع لسلطة الحكومة المباشرة، بالطبع إذا ما استثنينا شبهات الفساد العديدة المتهم بها بعض المسؤولين في هذه المحافظة.

وتنتج اليمن ما مقداره 70 ألف برميل من النفط يوميًّا من جميع الحقول النفطية المنتشرة في البلاد، تصدر نسبة كبيرة منها إلى الخارج، وهذه تصل عائداتها مباشرة إلى الحكومة الشرعية، بينما تصفى نسبة أخرى في مصفاة مأرب، وتباع في الداخل اليمني، وهذه المبيعات لا تصل إلى البنك المركزي اليمني في عدن، وتُصرف مرتبات لقطاعات الجيش والموظفين في المحافظة، وفيما يخص الثروة السمكية، فقد ذكر وزير الثروة السمكية، فهد سليم كفاين؛ أن صادرات السمك عبر منفذ الوديعة مع السعودية خلال تسعة أشهر من عام 2019 بلغت أكثر من 40 مليون دولار أمريكي.

Embed from Getty Images

وهنا يتساءل اليمني الذي لم يتلق راتبه الشهري منذ أكثر من خمسة أشهر، أين تذهب أموال الصادرات النفطية والسمكية؟ يقول سامي نعمان لـ«ساسة بوست»: «الحكومة الشرعية تتحمل أعباء مرتبات مكلفة وجهاز إداري متضخم، وجيش تضاعف عدده مع إيرادات محدودة، كما تتحمل الحكومة فاتورة مكلفة للغاية مقابل الديزل، المخصص للكهرباء في عدن، وحضرموت، ومحافظات أخرى، وفوق ذلك الناس لا تدفع فواتير الكهرباء».

ويؤكد نعمان أن الحكومة الشرعية تدفع رواتب «المتقاعدين والقطاع التعليمي والصحي والقضاة في مناطقه ومناطق الحوثيين بما فيها صنعاء أيضًا، بينما لا يدفع الحوثي أي شيء مقابل ذلك، ولا توجد عليه أي التزامات مالية تجاه الموظفين في مناطقه مع أنه يحصل على إيرادات كبيرة من المناطق التي يسيطر عليها».

وضرب نعمان مثالًا في مدينة تعز، التي يتقاسم السيطرة عليها الحوثي والشرعية، إذ يقول: «المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية إيراداتها الشهرية في أحسن الأحوال؛ مليار ونصف إلى ملياري ريال يمني، بينما المناطق الخاضعة للحوثيين تصل إيراداتها شهريا إلى 15 مليار ريال».

يضيف «عدم تمكين الحكومة من تفعيل مواردها الأساسية، وخصوصًا تصدير الغاز، يجعلها دائمًا مخنوقة، ولا تستطيع الاستمرار إلا على المساعدات»، ومنذ 2015، توقفت صادرات الغاز توقفًا كاملًا، ما أدى إلى خسارة الحكومة مليارات الدولارات، وموردًا ماليًّا مهمًّا، كان سيغنيها عن كثير من السياسات التي أدت بالاقتصاد اليمني إلى حافة الهاوية، مثل طباعة أوراق نقدية جديدة لدفع الالتزامات الحكومية، دون وجود احتياطي من الدولار في بنوكها، أو الاقتراض من الداخل والخارج، ولكن المفارقة أن الغاز ممنوع من التصدير، بسبب المجلس الانتقالي الجنوبي.

«المجلس الانتقالي» والإمارات.. سببان رئيسان في فقر الحكومة

خرجت مظاهرة في مدينة عدن في 16 مارس (آذار) الحالي، واقتحم الغاضبون قصر المعاشيق الرئاسي، الذي تتخذه الحكومة الشرعية مقرًّا لها؛ وذلك احتجاجًا على الأوضاع المعيشية والمطالبة بدفع رواتب العاملين بالقطاع العام.

Embed from Getty Images

وقال مصدر حكومي يمني لقناة «الجزيرة» إن المتظاهرين حاصروا بعض الوزراء داخل مقر سكنهم في القصر، كما قال مستشار وزارة الإعلام، مختار الرحبي، عبر «تويتر»: إن «اقتحام القصر جاء بعد تحريض من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي».

ويضيف الرحبي في تغريدة أخرى، إن «الانتقالي لم يستطع إدارة عدن وتوفير الخدمات ولا يريد تسليمها للحكومة، التى أصبح جزءًا منها؛ لكي تتحمل المسؤولية الكاملة أمام الشعب وأمام العالم، يريد أن يظل مسيطرًا على كل شيء، ولا يريد تحمل المسؤولية، وهنا تكمن مشكلة عدن»

عندما سيطر الانتقالي على مدينة عدن، وطرد منها الحكومة الشرعية في أغسطس (آب) 2019، أعلن فيما بعد سيطرته على إيرادات سبع مؤسسات حكومية، وفتح حسابًا خاصًّا في البنك الأهلي لوضع إيرادات هذه المؤسسات فيه، وأجبر الشركات على فتح حساب في البنك نفسه؛ لتوريد المبالغ المطلوبة منها، واستمر هذا الحال لعدة شهور فقط؛ إذ ظهر عدد من الوثائق التي تثبت توريد الانتقالي هذه المبالغ إلى حسابه في البنك المذكور، في حين أكدت تقارير صحفية أخرى سحب الانتقالي مبالغ كبيرة من حسابه، وكذلك التحكم في الأموال الموجودة في حساب البنك المركزي اليمني.

Embed from Getty Images

وقبل أن تعود الحكومة الشرعية إلى عدن في أواخر العام الماضي، بعد تنفيذ اتفاق الرياض، قالت تقارير صحفية إن شركات التخليص الجمركية تلقت تعليمات بعدم التحويل إلى حساب الانتقالي، والاستمرار بتوريد المبالغ وشيكات الضمان إلى بنوكها السابقة.

حاولنا في «ساسة بوست» التحقق من حساب الانتقالي في البنك الأهلي، وإذا كان ما يزال يستقبل الإيرادات من أي جهة كانت، أم أنه توقف بعد عودة الحكومة، ولكن لم نتمكن من الوصول لتأكيدات بهذا الخصوص، في حين أشار أحد المصادر إلى أن غالبية مسؤولي الانتقالي يملكون حسابات في هذا البنك، وهناك حسابات خاصة بالمجلس نفسه تستقبل التبرعات.

كما استولى الانتقالي في يونيو (حزيران) 2020، على حاويات تحوي أوراقًا نقدية تقدر بـ64 مليار ريال، مطبوعة في روسيا لحساب البنك المركزي، ولا يوجد معلومات عن مصير هذه النقود بعد، إذ عد الانتقالي خطوته هذه تهدف لتجفيف منابع الفساد، ولتفادي استخدام المال العام في دعم (الإرهاب والإضرار بمصالح الشعب)، حسب تعبيره.

كما يعد الغاز أهم مورد مالي لليمن قبل 2015، إذ كان يورد ما قيمته 4 مليارات دولار سنويًّا؛ نصفها كان يذهب للحكومة اليمنية، والنصف الآخر للشركات المساهمة، ولكن الغاز الآن مكبل تمامًا، ولا يمكن تصديره للخارج بسبب الإمارات التي تسيطر على ميناء بلحاف، بمحافظة شبوة، وحولته إلى ثكنة عسكرية لقواتها وقوات الانتقالي، وتمنع استخدامه لغايات التصدير.

Embed from Getty Images

وبالعودة إلى موضوع الأسماك اليمنية، فقد أكدت تقارير عدة قيام بواخر صيد، بجرف السواحل اليمنية، بواسطة ثماني شركات إماراتية للصيد الجائر، وشحن سفينة أسماك يوميًّا إلى الإمارات، كما تمنع الإمارات والمجلس الانتقالي الصيادين من ممارسة عملهم في كثير من السواحل اليمنية، وهذه التصرفات تجري بمعزل عن موافقة الحكومة الشرعية، والتي لا تتقاضى أي أموال من هذه الشركات التي تأخذ السمك، وتبيعه في الأسواق على أساس أنه سمك إماراتي.

في النهاية هناك عدة أسباب تجعل حكومة اليمن الشرعية مفلسة، أولها الحوثي الذي فصل الريال اليمني، وكوَّن اقتصادًا خاصًّا به، لا يتحمل فيه أي مسؤولية تجاه موظفي الدولة أو إطعام اليمنيين، ويستولي على مليارات الريالات من إيرادات مناطق سيطرته، ويضعها في خدمة تقوية جيشه، والثاني هو الفساد المستشري في جسد الحكومة الشرعية التي تتحكم بها الولاءات والشخصيات النافذة من أحزاب وشيوخ قبائل، وثالثًا المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يتحكم بالكثير من إيرادات الجنوب، وأيضًا حزب الإصلاح الذي يعد القوة الأبرز في مآرب النفط، والتي يتحكم من خلالها في إيرادات النفط التي تباع داخليًّا، وأخيرًا الإمارات، والتحالف العربي؛ اللذان يقومان بأي شيء يريدونه، حتى لو كان يؤدي لإضعاف الحكومة الشرعية التي يدعمونها.

 

المصادر

تحميل المزيد