«ما يصل من مساعداتها إلى اليمن بسكويت منتهي الصلاحية، أصبح ممتلئًا بالحشرات»

هذه الجملة التي علق بها ناشط يمني على طلب «الأمم المتحدة» 4 مليار دولار، لتمويل برامجها الإغاثية في اليمن، توضح حقيقة وجود مأساة كبيرة في اليمن.

هذه المأساة لم تنجم عن نقص المساعدات الإنسانية التي تصل إلى اليمن عبر «الأمم المتحدة» أو غيرها، بل تعود إلى ظاهرة نهب وسرقة المساعدات والأموال التي تبعث إلى اليمن لإطعام الجوعى وعلاج المرضى وتعليم الأطفال. يحدث ذلك في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، وبالأكثر في مناطق سيطرة الحوثيين، الذين وضعوا كيانًا خاصًا ينظم آلية السيطرة على أموال الجياع والفقراء في اليمن.

هذا التقرير يسلط الضوء على ما تتعرض له أموال المساعدات الموجهة إلى اليمن، وما ينالها من نهب وسرقة.

«وين الفلوس».. حملة إليكترونية لإرجاع حق جوعى اليمن!

مع بداية شهر أبريل (نيسان) 2019، قرر مجموع من النشطاء اليمنيين اتخاذ خطوات عملية مدعومة بالوثائق والحقائق تؤكد على وجود منهجية في عمليات نهب المساعدات الإنسانية في اليمن، خاصة أن المنظمات العامة في اليمن لم تصدر أي تقارير مالية تفصيلية بشأن مصير المبالغ التي تتسلمها والتي تقدر على الأقل بـ23 مليار دولار.

رضيع يمني يعاني سوء التغذية

لقد أطلق هؤلاء حملة إليكترونية باسم «وين الفلوس»، استجابة لأصوات اليمنيين الذين يؤكدون على عدم وصول المساعدات لهم أو بوصول سلال غذائية منتهية الصلاحية، فحسب التقارير الحقوقية هناك نحو 20 مليونًا من اليمنيين (ثلثي سكان البلاد)، يعانون من الأزمة المتفاقمة منذ تصاعد الحرب قبل أكثر من أربع سنوات، والملايين منهم يعيشون أوضاعًا تشبه المجاعة.

وبرغم أن الأموال كانت تمنح لعشرات الوكالات التابعة لـ«لأمم المتحدة»، والمنظمات الدولية والمؤسسات غير الحكومية المحلية، إلا أن «برنامج الأغذية العالمي» هو فقط ما تحدث مؤخرًا عن قضية نهب المساعدات الغذائية الخارجية من قبل الحوثيين في بيان رسمي. وقد ذكر البرنامج أن «مراقبيه جمعوا صورًا وأدلة أخرى تُثبت نقل الطعام بطريقة غير مشروعة على متن شاحنات من مراكز مخصصة لتوزيع الطعام، وأن مسؤولين محليين يزيّفون السجلات، ويتلاعبون باختيار المستفيدين».

الناشط اليمني في القضايا الاجتماعية، فداء الدين يحيي، وأحد أبرز مطلقي حملة «وين الفلوس»، أكد لـ«ساسة بوست» أن الحملة تهدف إلى تقصي مصير المساعدات التي تتبرع بها الدول لليمنيين، وقد بدأت الحملة بمخاطبة المنظمات الدولية والمحلية لنشر تقاريرها الخاصة بآلية صرف وتوزيع المساعدات حسب ما تنص عليه القوانين.

يقول يحيي: «إن بعض تلك المؤسسات ردت على رسائلهم  متحججةبأن عدم نشر التقارير يعود إلى الظروف السياسية السيئة في اليمن، كما أرجعت بعض المؤسسات ذلك إلى الالتزام بشروط المانحين بعدم نشر التقارير.

ويضيف يحيي «حاولنا أن لا تختص الحملة بمتابعة الفساد أو كشف ملفات فساد وأن تركز على المطالبة بالشفافية، لكن عدم الالتزام بالشفافية يدل على أن تلك المنظمات متورطة في ملفات الفساد تلك، وأن هناك نهب حاصل، فإذا ما كانت تلك المنظمات نزيهة وليست ضالعة في دعم أطراف النزاع واستمرار الحرب، فأين مشكلتها في نشر تقارير مالية مدققة وتقارير الإنجاز».

وخلال الأيام القليلة الماضية استجابت منظمة «أوكسفام» لضغط الحملة، فنشرت التقارير المالية الخاصة بعملها في السنوات الأربع في صفحة واحدة، فعقب يحيي على صفحته على «تويتر» بالقول: «الله أكبر، احترموا عقولنا يا أوكسفام، تقارير مالية لأربع سنوات في صفحة واحدة! وعادكم تقولوا تفصيلية! أين التقارير المالية المدققة من قِبل المراجع القانوني، أين تقارير الإنجاز والتقييم».

ويشير يحيي إلى أن الهدف من الحملة هو دفع تلك المنظمات لإبراز تقاريرها والتجاوب مع الحملة وخلق صوت رقابي يطالب بالشفافية، ويضيف: «لكن طالما وجِد صوت يطالب بالشفافية، فعلى تلك المنظمات أن توضح الأمور للناس، لذا تتحمل المؤسسات الدولية مسؤولية عدم الالتزام بالشفافية والتهرب منها».

ويشيد يحيي بهدف الحملة، ويقول: «إذا لم تلتزم هذه المنظمات بالشفافية على الأقل ستساعد الحملة في رفع مستوى الاستفادة من هذه المساعدات من قبل الشعب اليمني، فإذا ما كان الشعب اليمني يستفيد 10% من هذه المساعدات على أفضل التقديرات، يمكن أن ترتفع الاستفادة إلى 30%، وهذا يعتبر إنجازًا، إذ ستشعر المنظمات الضالعة في الفساد بالرقابة عليها فتخفف من حجم تجاوزاتها».

ويختم حديثه لـ«ساسة بوست» بالقول: «حسب تقارير «الأوتشا» التابعة للأمم المتحدة ارتفع عدد المنظمات العاملة في اليمن خلال سنتين من 106 منظمة إلى 254 منظمة، العدد في تضاعف مستمر، وفي المقابل تتفاقم الأزمة والوضع يزداد سوءًا!».

«واشنطن بوست»: بهذه الوسائل يحكم الحوثيون قبضتهم في اليمن

الحوثيون.. اليد التي «سرقت» الطعام من أفواه اليمنيين

يواصل الباحث الاقتصادي اليمني عبد الواحد العوبلي عملًا دؤوبًا مع نشطاء يمينيين آخرين في حملة «وين الفلوس» من أجل تسليط الضوء على قضية نهب المساعدات الإنسانية في اليمن.

مساعدات تصل اليمن

إذ يشدد العوبلي على أن قضايا نهب المساعدات في اليمن خطيرة، لكن ربما يكون الجزء الأكبر منها هو اعتراف «برنامج الغذاء العالمي» بأن الحوثيين يقومون بنهب المساعدات وتعطيل وصولها إلى المستفيدين ما لم يحصلوا على نصيبهم من تلك المساعدات. ويضيف لـ«ساسة بوست»: «لم يعلن برنامج الغذاء عن مقدار وقيمة ما تم نهبه من قبل الحوثيين، لكن لنا أن نتخيل فداحة حجم عمليات نهب المنظمة عندما نعرف أن برنامج الغذاء حصل وحده على أكثر من 3.4 مليار دولار من المانحين منذ بداية الحرب».

ويضعنا العوبلي في حقيقة ما كان يجرى على الأرض، فيقول إنه منذ بدأ الحوثيين انقلابهم قاموا بإنشاء كيان أسموه «الهيئة الوطنية لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية ومواجهة الكوارث (النمشا)»، وهو كيان يهدف إلى السيطرة على أموال المساعدات المقدمة للشعب اليمني، بحيث لا تمر أي أموال أو مساعدات ولا ينفذ أي مشروع إلا بموافقة الحوثيين الذين فرضوا أيضًا «إتاوات».

ولم يكتفِ الحوثيون بما سبق، فحسب العوبلي فرضوا أيضًا على كل المنظمات توظيف أشخاص تابعين لهم في كل للسيطرة على عمليات الإغاثة التي تنفذها المنظمات في اليمن، وكذلك إنشاء منظمات تابعة لهم تقوم بالمقاولة من الباطن واستلام أموال المنح من المنظمات الأممية والدولية، الأمر الذي سبب ضياع المساعدات وذهاب كل فوائدها للحوثيين.

وبرغم المسؤولية المباشرة للحوثيين عن نهب المساعدات الإنسانية في اليمن؛ إلا أن العوبلي لا يعفى المانحون الكبار لليمن الذين قدموا ما يزيد عن 93% من إجمالي المساعدات المقدمة لليمن – السعودية والإمارات وأمريكا وبريطانيا والكويت وألمانيا والاتحاد الاوروبي – من مسؤولية السكوت عن التجاوزات والفساد الذي وقع، وذلك بعدم فرض أدوات رقابة على هذه المنظمات لضمان وصول المساعدات إلى المستحقين من أبناء الشعب اليمني، وعدم متابعتهم لتنفيذ المشاريع وقياس أثرها على أرض الواقع.

ويشدد العوبلي على تحمل المؤسسات الدولية مسؤولية الفساد والتجاوزات وسوء استخدام مبالغ المساعدات وذلك بتماهيهم وتعاونهم مع الحوثيين والتعاون معهم، مستغلين «حالة اللادولة» التي تعيشها اليمن بغياب دور الحكومة الشرعية في مراقبة هذه المنظمات، وهو تقصير تسبب في المحصلة بتغذية الميليشيات الحوثية ودعم جبهاتهم لوجيستيا بحكم أن الكثير من السلال الغذائية تذهب بشكل أساسي لتغذية جبهات حروب الحوثي.

ويشيد العوبلي بدور حملات النشطاء لوقف نهب المساعدات، ويقول: «تحقق هذه الحملات نشر الوعي لدى المجتمع عن فساد المنظمات وتجاوزاتها، وتعمل على توعية اليمنيين بحقهم في المسائلة عن مصير المساعدات المقدمة لهم والتي وكلت بتوصيلها هذه المنظمات، الحملات ستستمر حتى تطبيق معايير الشفافية والمسائلة بالإضافة إلى تغيير سياسات وأدوات توزيع المساعدات التي أثبتت فشلها».

هل تتحمل « قوات التحالف» مسؤولية سرقة المساعدات؟

قامت «منظمة الهجرة الدولية» في عام 2017، على مشروع المساحات الصديقة للأطفال «child Friendly Spaces» وهي أشبه بحدائق صغيرة للأطفال أثناء الحروب والكوارث في اليمن.

وثيقة تظهر تفاصيل أموال مشروع المساحات الصديقة للأطفال

لا تكلف الواحدة من هذه الحدائق 3 آلاف دولار وميزانية تشغيلية سنوية 5400 دولار أي بتكلفة اجمالية 159.600 دولار، وقد أقامت المنظمة 19 وحدة بكلفة 52 ألف و600 دولار للوحدة الواحدة، أي بمبلغ اجمالي 999 ألف و400 دولار، من قيمة المشروع البالغة مليون و190 ألف دولار، ليتضح بحسبة بسيطة أن مليون و30 ألف و400 دولار ذهبت كما يقول النشطاء اليمنيون لـ«المافيا الدولية المنظماتية».

تحدث «ساسة بوست» إلى رئيس منظمة «سام» للحقوق والحريات، توفيق الحميدي، الذي أشار في بداية حديثه إلى أن كثير من المنظمات والنشطاء والحقوقيين في اليمن نبهوا منذ وقت مبكر لقضايا نهب المساعدات، بعد أن رصدوا الكثير من الانتهاكات، بل استغلال المساعدات في المجهود الحربي من جماعة الحوثيين. لكن لم تولي هذه الأصوات أي اهتمام خاصة من قبل المنظمات الدولية، إلى أن جاء البيان الأول لـ«برنامج الغذاء العالمي» الذي اتهم الحوثيين بصورة واضحة بسرقة هذه المساعدات وبيعها في السوق السوداء، ثم توالت هذه الاتهامات.

ويوضح الحميدي لـ«ساسة بوست» أن الجميع مُسائل حول هذا الأمر، فالسعودية والإمارات تعتبر من أكثر المانحين، ومن المفترض أن لا ترسل أموالها عبثًا إلى اليمن دون رقابة، ودون مسألة ودون مطالبة بكشوفات واضحة محددة أين ذهبت هذه الأموال؟

كما أن الشعب اليمني اليوم يُحمّل التحالف بحكم تدخله في اليمن مسؤولية الوضع الإنساني، خاصة أن الحكومة اليمنية الشرعية مغيبة وأصبحت كأنها إحدى المنظمات الإنسانية التي تحصل على مبلغ معين، دون أن ترى تحركًا جادًا من هذه الحكومة لمسألة هذه المنظمات عن الأموال. فبحسب الحميدي؛ لو ذهبت هذه المبالغ إلى «البنك المركزي اليمني» مع وجود رقابة أممية ودولية، فإنها يمكن أن تساهم بصورة كبيرة في تخفيف الوضع الإنساني، من خلال دفع الرواتب و تنفيذ مشاريع صحية وتعليمية وإغاثية بتكلفة أقل بكثير من التكلفة التي تنفقها المنظمات.

ويشدد الحميدي على أن المنظمات الدولية مسؤولة؛ لأنه خلال الفترة الماضية لم يسمع بيان لها برغم وجود نداءات وتقارير وحقائق توضع أمام المجتمع الدولي أن هناك نهب واستغلال للمساعدات، وذهابها إلى جبهات القتال. ويأسف الحميدي على وجود إصرار متعمد من قبل المجتمع الدولي على مرور المواد الغذائية عبر «ميناء الحديدة» فقط، برغم أن اليمن تمتلك موانئ كثيرة، يمكن أن تكون بعيدة عن التحالف وعن الحوثيين، وبالتالي سيكون وصولها أيسر من وصولها عبر الحديدة التي اجتمع العالم عليه.

أصل الحكاية: من ارتكب جرائم أكثر بحق اليمن.. قوات التحالف أم الحوثيون؟ 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد