هل تساءلت أين سيذهب كل هؤلاء اللواءات والجنرالات المتقاعدين من الخدمة في الجيش المصري؟ عدد كبير من الضباط سنويًا يحالون للمعاش في سن الأربعين، عدد آخر أقلّ يتقاعدون في سن الخمسين، عددٌ آخر يمتدّ بهم العمر وتمتدّ بهم الخدمة لفترات أبعد من الستين، لكنَّ ولاءهم لا بدّ أن يكون في “جيب” الضباط الكبار جدًا في السلطة، أو المقربين منها، فمئات الضباط المدربين ليس جيدًا أن تتركهم يجلسون في بيوتهم بلا عمل! فأين يذهب الجنرالات إذن؟

ضباط الجيش الكبار موجودون فى كل مكان، من قناة السويس إلى شركة الصرف الصحي” * من تحقيق للدكتورة زينب أبو المجد بعنوان “مصر: جمهورية الجنرالات المتقاعدين”.

من يتحكم في الأمر؟

ثلاثة رؤساء عسكريين على مدار ستين عامًا، الرئيس الأسبق السادات أصدر قانونًا لسنة 1978 في محاولة منه لتقليص وجود الجيش في الحكومة بعد أن كان رجالاته متنفذين فيها أثناء حكم عبد الناصر، القانون يعطي للرئيس حق تعيين وفصل من يشغلون المناصب العليا، الوزراء والمحافظين ورؤساء الشركات التابعة للحكومة والتابعة للجيش ـ لكنَّ نفس القانون استخدمه الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك لإعادة العسكريين من جديد في محاولة منه للزج بابنه كبديل له فكان لا بد من تعويض قيادات وضباط الجيش.

“لقد حول الرؤساء العسكريون والمجلسُ العسكري، البلدَ إلى نظام يهيمن عليه رفاقهم من الضباط المسنين” *من تحقيق دكتورة زينب أبو المجد

السادات وقادة الجيش عام 1974

ما هي أشهر النماذج إذن؟

إذا كنت تريد أن تعرف على أي المجالات الصناعية في مصر يسيطر ضباط الجيش وجنرالاته المتقاعدون فستفاجأ بأنهم يهيمنون على قطاع البترول والغاز المملوك للدولة، النقل التجاري وقناة السويس ومواني البحر الأحمر ومساعدي الوزراء والمحافظين، المكاتب الإدارية في الوزارات والمحافظات مليئة بالضباط الأقل رتبة، رؤساء بعض المحاكم. مدراء شركات: مصر للسياحة، الأسمنت الوطنية، شركات الصرف الصحي.

ناهيك عن مؤسسات أخرى كبرى و”شركات قابضة” مملوكة للمؤسسة العسكرية المصرية تعمل في مجال الصناعات المدنية، إسطمبات البلاستيك، حضَّانات الأطفال إلى صناعة” البوتاجاز” و”الغسالات” وأنواع مختلفة من المعكرونة! هذه هي أبرز إنتاجات الشركات الكبرى للجيش المصري. وزارة الإنتاج “الحربي” تدير ثمانية مصانع، الهيئة العربية للتصنيع، وغيرها من المؤسسات الصناعية الكبرى التي تنافس الإنتاج المدني ولا يديرها سوى العسكريين. يرى العسكريون في مصر أن الإدارة في هذه المشاريع مُناطة بالجنرالات أكثر من غيرهم من المدنيين، حسب أقوال بعضهم ـ فإنهم يتدربون على الإدارة داخل “الجيش”.

للقراءة أكثر حول مؤسسات الجيش الصناعية الكبرى: ما هي الشركات التي يمتلكها الجيش في مصر؟ ولماذا يعد الجيش منافسًا “غير نزيه” في مجالات الاقتصاد؟


منذ أيام انتشر خبر تولي اللواء حمدي بدين، عضو المجلس العسكري وقائد الشرطة العسكرية السابق، رئاسة تنمية “الثروة السمكية”، لكنَّ وزارة الزراعة نفت الخبر. الجدير بالذكر أنه قبل الخبر بأيام كان اللواء حمدي بدين قد تحدث عن تنمية الثروة السمكية في مصر!

اللواء حمدي بدين “يسار”

الفريق حمدي وهيبة: من رئاسة الأركان لإدارة مؤسسة صناعية!


قائد الجيش الميداني الثاني، ثم رئيسًا للأركان منذ العام2001 وحتى 2005 ثم رئيسًا للهيئة العربية للتصنيع منذ العام 2005 وحتى إقالته من الهيئة على يد الرئيس السابق محمد مرسي عام 2012 بسبب تهم متعلقة بميزانية الهيئة، الفريق المصري، رئيس الأركان عُزل من منصبه ليتولاه بدلًا عنه أحد الجنرالات هو الفريق عبد العزيز سيف الدين قائد قوات الدفاع الجوي المصري. قبلهما كان رئيس الأركان مجدي حتاتة رئيسًا للهيئة وقبله كان رئيس الأركان إبراهيم العرابي. بالمجمل مرّ على رئاسة الهيئة أربعة جنرالات ومدنيان!

الجنرالات في هيئة قناة السويس

إذا كان عبد الناصر قد أمم قناة السويس، وحاول السادات إبعاد ضباط الجيش من المناصب القيادية الكبيرة، فقد حاول مبارك إعطاء الجنرالات النفوذ الذي يريدون في مقابل إظهاره لابنه جمال كخليفة له، هذا ما تقوله التحليلات. هيئة قناة السويس كان يرأسها مهندسون حتى عهد الرئيس السادات، ومع بدايات التسعينات بدأت هيئة قناة السويس تميل ناحية الجنرالات، بالتحديد جنرالات البحرية المصرية.

رئيس أركان حرب القوات البحرية وقائدها وصاحب رتبة الفريق، الجنرال أحمد علي فاضل، أصبح رئيسًا لهيئة قناة السويس، لستة عشر عامًا منذ 1996 وحتى 2012. إذا أراد الرئيس السابق محمد مرسي ألا يخسر رجالات المجلس العسكري السابق فعليه أيضًا أن يقدم لهم عربون صداقة، فتم تعيين الفريق مهاب مميش رئيسًا لهيئة قناة السويس، كان هذا عام 2012، في ديسمبر عام 2013 وقع الفريق مميش عقد بناء السفينة العملاقة “أحمد فاضل” وفاءً للجنرال السابق في رئاسة “هيئة قناة السويس”. بالطبع بعض الجنرالات الآخرين عينوا في مناصب حكومية كاللواء العصار الذي عين مساعدًا لوزير الدفاع لشؤون التسليح، بالطبع هذا المنصب لم يكن موجودًا ولكن تم استحداثه خصيصًا للواء العصار، الفريق رضا حافظ قائد القوات الجوية أصبح وزيرًا للإنتاج الحربي.

الجنرال مميش بالبذلة العسكرية

الجنرال مميش بعد تقاعده

هذه مجرد أمثلة فقط، وأسماء الجنرالات المتقاعدين في المناصب الحكومية والمؤسسات الصناعية الاقتصادية الكبرى التابعة للجيش والحكومة كثيرة جدًا، في الغالب يسيطر الجنرالات المتقاعدون على هذه المناصب كنوع من أنواع ضمان ولائهم للمنظومة الحاكمة. بدلًا من استغلال الضباط لتدريبهم العالي وإمكانياتهم في أية أنشطة قد تكون غير “مشروعة” أو “مأمونة” بالنسبة للسلطة. هذا بالطبع لأنَّ عدد من يحالون على المعاشات في سن صغيرة كبير جدًا، لماذا يحالون على المعاش؟ للحفاظ على البناء الهرمي للسلطة في الجيش، فعدد معين فقط من يترقى لرتبة لواء وعدد معين من يتعدى تلك الرتبة.


المصادر

تحميل المزيد