هل سمعت من قبل عما يسمى «نافخ الصافرة» أو «Whistleblower»؟ ربما وقع هذا المصطلح في طريقك أثناء متابعة فيديوهات الفنان المصري والمقاول محمد علي، الهارب من ملاحقة السلطات المصرية في إسبانيا حيث بإمكانه كشف كواليس المشاريع التي تولت شركته «أملاك» إقامتها بإسناد مباشر من الجيش المصري.

تلك العلاقة السابقة بين المقاول محمد علي والقوات المسلحة دفعت البعض لرفض شهادته أو التوجس منها باعتباره كان جزءًا من المنظومة الفاسدة التي يزعم الآن محاربتها، لكن ما لا يدركه البعض أن هذا النوع من العلاقة بالتحديد هو ما ينطبق عليه تعريف «نافخي الصافرات».

يمكن القول إن آلية عمل «نافخي الصافرات» هي نقيض آلية عمل المخبر السري، أو «العصفورة» كما يطلق عليه أحيانًا، فالأخير يندس بين العامة أو بين زملائه لينقل أسرارهم إلى السلطة أو إدارة الشركة، بينما «نافخ الصافرة» يعمل على كشف أسرار السلطة أو الإدارة للعامة، مع فارق أن المخبر السري يكون مندسًا بالأساس لهذا الغرض، أما «نافخ الصافرة» فيكون جزءًا من المنظومة بالفعل قبل أن ينقلب عليها – مثلما فعل المقاول محمد علي – ليكشف ما تمارسه من انتهاك للقوانين أو لحقوق المواطنين ومصالحهم.

وتوجد قوانين لحماية نافخي الصافرات في 12 دولة حول العالم منها الولايات المتحدة، وكندا، وجامايكا، والهند، وتعمل تلك القوانين على حماية كاشفي الفساد من الملاحقة أو التعرض للطرد التعسفي، وربما تضمن لهم الحصول على جائزة مادية أيضًا عبارة عن نسبة من التعويضات التي تدفعها الجهة المتورطة في الفساد، لكن تبقى تلك القوانين مقيدة بشروط قد لا تضم جميع من نفخوا الصافرات. 

ولأن نافخي الصافرات يأتون من داخل المنظومة فعادة ما تتباين الآراء بشأنهم، بين من يراهم يضحون بأنفسهم لأجل الصالح العام والمساءلة المؤسسية؛ ومن يراهم مجرد «خونة» أو حتى «مارقين» يسعون فقط للمجد والشهرة، وفي هذا التقرير نستعرض قصص خمسة من أبرز الذين نفخوا في صافرات الفساد حول العالم، والذين سبقوا الفنان المقاول محمد علي بسنوات طويلة.

أبرز 10 وثائق ويكيليكس من داخل «الخارجية السعودية» عن اليمن

الصوت العميق.. الأب الروحي لنافخي الصافرات

على الرغم من كونه صاحب الفضل الأول في أهم فضيحة سياسية خلال القرن العشرين، وهي فضيحة «ووتر جيت» التي أدت لاستقالة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بعد ثبوت تجسسه على معارضيه، إلا أن هذا الرجل ظل مجهولًا لأكثر من ثلاثة عقود، ومن ثم فبإمكاننا استبعاد مساعي المجد والشهرة الشخصية في حالته على الأقل، فقد ذهب المجد والشهرة كلهما في تلك الحالة للصحافيين اللذين أدلى لهما بمعلوماته أثناء عملهما على تحقيق مطوّل حول القضية.

أبو نافخي الصافرات الذي أصبح محمد علي واحدًا منهم

مارك فيلت، صاحب «الصوت العميق» الذي كشف فضيحة «ووتر جيت»

روى الصحافيان بوب وودوارد وكارل برنشتاين قصتهما في كتاب «كل رجال الرئيس» الذي تحوّل إلى فيلم يحمل الاسم نفسه، وكانت البداية عندما تم إلقاء القبض على خمسة رجال متلبسين باقتحام مقر «الحزب الديمقراطي» في مبنى «ووتر جيت» بواشنطن، وتوصلت الشرطة إلى أنهم اقتحموه لإصلاح أجهزة تنصت سبق لهم زراعتها في المقر نفسه.

رأى الصحافيان أن المتهمين الخمسة الذين تجري محاكمتهم لن يكونوا إلا كبش فداء لمسؤول أهم وأعلى في السلطة، فقررا متابعة التحقيق والاستقصاء خلف القضية للتوصل إلى المسؤول الحقيقي والمباشر دون أن يدركا أنهما يسعيان خلف رئيس الولايات المتحدة شخصيًا، بدأ بحثهما تدريجيًا بملاحقة جميع أعضاء الحملة الانتخابية للرئيس نيكسون، ورصد مصادر تمويل الحملة وأوجه إنفاقها، حتى بدأ مصدر مجهول مساعدتهما، هذا المصدر لم يكن إلا مارك فليت نائب مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف بي آي)».

كان فيلت يتواصل مع الصحافي بوب وودوارد، فيحدد له مكانًا للقاء في جراج سيارات تحت الأرض، وهناك تجري اللقاءات على نحو غامض ومتعجل، لم يخبر فليت الصحافي بتورط الرئيس نيكسون مباشرة، وإنما كان يخبره بخيوط للبحث، وأسماء المصادر التي يمكن أن تساعده، وأين يمكن له العثور على المعلومات التي ستكشف له حقائق القضية التي يسعى لفك غموضها، وفي كتابه أطلق وودوارد على فيلت اسم «الصوت العميق» حفاظًا على سرية هويته، وهو الاسم الذي ظل معروفًا به في وسائل الإعلام لأكثر من 30 عامًا قبل الكشف عن هويته.

أثناء تقدم التحقيقات التي كانت تنشرها صحيفة «واشنطن بوست»، وقبل إثبات تورط رئيس الولايات المتحدة بنفسه، حاول نيكسون احتواء الموقف بإقالة اثنين من كبار مستشاريه بزعم مسؤوليتهما عن زرع أجهزة التنصت، لكن الصحفيان واصلا تحقيقاتهما بمساعدة «الصوت العميق» حتى أثبتا أن اقتحام مقر «ووترجيت» لم يكن حادثًا منفردًا، وإنما كان في سياق حملة تجسس ممنهجة ضد الديمقراطيين مولتها حملة نيكسون وبمعرفته.

في البداية شك البعض أن مارك فيلت هو نفسه صاحب الصوت العميق، لكنه نفى ذلك لوسائل الإعلام عدة مرات، ولإبعاد الشكوك عنه فقد استغل ذات مرة أحد الموضوعات التي نشرت فيها «واشنطن بوست» معلومات قام هو نفسه بتسريبها، وكتب مذكرة داخلية أدان فيها الموضوع وأمر بإجراء تحقيق عاجل في تسريب المعلومات، وفي اليوم التالي دوّن ملاحظة أشار فيها إلى أحد المدعين باعتباره مصدر للتسريب.

لم تكن حتى عائلة فيلت تعرف أنه هو نفسه صاحب الصوت العميق الذي قلب موازين السياسة الأمريكية، وبعد 33 سنة على الفضيحة، كشف مارك فيلت عام 2005 وهو بعمر 91 عامًا أنه كان صاحب الصوت العميق في قضية «ووتر جيت»، وهو ما أكده الصحافي بوب وودوارد، لتنكشف أخيرًا آخر أوجه الغموض في واحدة من أشهر قضايا الفساد السياسي في العصر الحديث.

مردخاي فعنونو.. كاشف الأسرار النووية

إسرائيل لا تعترف حتى الآن بامتلاكها لأسلحة نووية، ولكننا جميعًا أصبحنا نعرف ذلك، والفضل للرجل الذي يدعى مردخاي فعنونو.

كان مردخاي يهوديًا مغربيًا هاجرت عائلته في الستينيات إلى إسرائيل، وعندما أنهى خدمته العسكرية التحق للعمل بمفاعل «ديمونة» النووي عام 1976 واستمرت فترة عمله به تسع سنوات قبل أن يتركه عام 1985، كما أنه بدأ في تلك الفترة دراسة الفلسفة والاهتمام بالسياسة مقتربًا من الطلاب العرب المنتمين للحزب الشيوعي في إسرائيل، وأخذت أفكاره اتجاهًا متعاطفًا مع الفلسطينيين ورافضًا للحرب، فأسس حركة يسارية مع 10 من زملائه منهم خمسة عرب، وكان متأثرًا للغاية بأحد أساتذته الذي سُجن لرفضه الخدمة في الجيش الإسرائيلي في حرب لبنان عام 1982.

في فترة عمله بمفاعل «ديمونة» نجح فعنونو في تسريب كاميرا إلى داخل المفاعل النووي رغم عدم قانونية ذلك، واستخدمها لتصوير بعض أجزاء ومرافق المفاعل، إلا أن نشاطه السياسي والفكري كان قد بدأ يلفت أنظار الأجهزة الأمنية في إسرائيل؛ ما أدى إلى فصله من عمله، وبعد فصله سافر إلى عدة دول خارج إسرائيل حتى استقر في أستراليا، حيث انخرط في إحدى الحركات المناهضة للأنشطة النووية، كما ترك ديانته اليهودية ليعتنق المسيحية على المذهب الإنجيلي.

صور ومعلومات مفاعل ديمونة التي سرّبها مردخاي فعنونو لصحيفة «صنداي تايمز»

أثناء إقامته في أستراليا أرسل مردخاي فعنونو لصحيفة «صنداي تايمز» البريطانية يخبرهم بقصته، فتحمست الصحيفة وأرسلت الصحافي بيتر هونام للتحقق منها، وفي لقاء بمدينة سيدني الأسترالية عرض فعنونو على الصحافي ما لديه من معلومات وصور التقطها خلال فترة عمله بالمفاعل، ثم عرض الصحافيون الصور والمعلومات على خبير نووي أكد لهم أن المعلومات دقيقة جدًا، وأنه من الواضح امتلاك إسرائيل ترسانة نووية متقدمة تحتوي على ما بين 100 إلى 200 رأس نووي، وأنها تعمل على ذلك منذ 20 عامًا على الأقل، أي منذ الستينات.

كشفت التسريبات أن إسرائيل قادرة على إنتاج 12 رأسًا نوويًا على الأقل في السنة، وربما يكون السبب الرئيس لعدم اعتراف إسرائيل حتى اليوم بامتلاكها أسلحة نووية هو أن القوانين الأمريكية تمنع الولايات المتحدة من تأييد الدول الساعية لامتلاك أسلحة نووية، فإذا أصبح الأمر رسميًا يصبح لزامًا على واشنطن التخلي عن حليفها المفضل في الشرق الأوسط، ولذا فقد كان كشف مردخاي فعنونو للسر سببًا لتوتر العلاقات بين البلدين، وتهديدًا بخسارة مصدر الدعم الرئيس لإسرائيل.

أرسل الموساد فرقًا من العملاء السريين تحت قيادة بيني زئفي للبحث عن مردخاي في أستراليا وبريطانيا، وقد وجدوه في لندن، لكن إسرائيل لم ترغب في إثارة توتر دبلوماسي مع الحكومة البريطانية، فكلفت إحدى عميلات الموساد باستدراجه إلى روما، والتقته العميلة باعتبارها سائحة أمريكية شديدة الإعجاب به، ثم دعته لقضاء إجازة معها في روما على حسابها، وهناك قام عملاء الموساد بتخديره واختطافه إلى إسرائيل.

ظل فعنونو مختفيًا لمدة 40 يومًا، ولم يعلم أحد أنه معتقل في إسرائيل حتى بدأت إجراءات محاكمته، وأثناء عودته من إحدى جلسات المحاكمة كتب على كف يده تفاصيل اختطافه، وقد أدانته المحكمة بتهمة الخيانة وإفشاء أسرار عسكرية، ليقضي 18 عامًا في السجن، منها 11 سنة في الحبس الانفرادي، قبل أن يخرج عام 2004، ولكن بشروط، منها ألا يتحدث مع الأجانب، وليس مسموحًا له الحديث إلا مع من يحملون الهوية الإسرائيلية، وألا يدخل أي سفارة أو قنصلية، وألا يخرج من المدينة، أو يغير مكان مبيته إلا بعد إخطار الشرطة، لكنه خالف الشروط عدة مرات؛ مما أدى لسجنه عدة أشهر أخرى في الأعوام التالية.

Embed from Getty Images

مردخاي فعنونو عام 2004 بعد الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية 

ولقد وصفت «منظمة العفو الدولية» فعنونو بأنه «أسير الضمير»، وحصل على جائزة التعايش من السويد، وهي جائزة موازية لنوبل، تبرع بقيمتها المادية لتأسيس منظمة تدعو إلى منع انتشار الأسلحة النووية في منطقة الشرق الأوسط، كما حصل على جائزة الشعب النرويجي للسلام، وتم ترشيحه لجائزة نوبل للسلام طوال سنوات سجنه منذ 1988 وحتى 2004.

لا يزال مردخاي فعنونو ممنوعًا من مغادرة إسرائيل حتى اليوم، رغم مناشدته للمسؤولين السماح له بالسفر إلى زوجته النرويجية في موطنها، رغم أن حكومة النرويج دعته رسميًا للإقامة لديها بعدما طلبت الزوجة ذلك.

تشيلسي مانينج.. جندي «ويكيليكس» المجهول

حينما نفكر بالتسريبات الأمنية في عصرنامحم فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان غالبًا اسم «ويكيليكس»، الاسم الذي أصبحت بعض وسائل الإعلام أو جمهور مواقع التواصل يطلقونه أحيانًا حتى على التسريبات التي لا علاقة لها بوثائق ويكيليكس، والاسم المعروف لدى أغلب الناس خلف مبادرة «ويكيليكس» هو اسم مؤسسها جوليان أسانج، أما الاسم الأقل شهرة فهو اسم الجندي الأمريكي الذي سرّب كل تلك الوثائق لأسانج، وهو الجندي برادلي مانينج سابقًا، والذي أجرى فيما بعد عملية تحول جنسي وأصبح امرأة تدعى تشيلسي مانينج.

في عام 2007 التحقت مانينج بالجيش الأمريكي «للتخلص من رغبتها في التحول من رجل إلى امرأة» كما قالت فيما بعد، وفي 2009 التحقت بصفتها برادلي مانينج آنذاك بإحدى وحدات الجيش الأمريكي في العراق، حيث شعرت بالإحباط من الحياة العسكرية، وأرادت إثارة الجدل في الولايات المتحدة حول دور الجيش الأمريكي والسياسة الخارجية لأمريكا، فدخلت إلى قواعد بيانات الجيش الأمريكي، لتحصل على أكثر من 720 ألف وثيقة عسكرية ودبلوماسية سرّبتها إلى جوليان أسانج مؤسس موقع «ويكيليكس».

Embed from Getty Images

تشيلسي مانينج

كشفت الوثائق ومقاطع الفيديو المسربة عن فظائع ممارسات الجيش الأمريكي والدبلوماسية الأمريكية حول العالم وبشكل خاص في العراق وأفغانستان، ومنها الفيديو الذي كشف ملابسات قصف بغداد في 12 يوليو (تموز) 2007، ومثّل صدمة عالمية، بعدما أظهر طائرة أباتشي أمريكية تفتح النار بلا هوادة على مجموعة من المدنيين بينهم أطفال، وتسببت التسريبات في اضطراب سياسي دولي وجدل إعلامي امتد حول العالم كله.

وُجهت إلى مانينغ اتهامات بإفشاء أسرار عسكرية والتعاون مع العدو، وحُكم عليها بالسجن 35 عامًا، وبعد صدور الحكم بيومٍ واحد نشرت بيانًا قالت فيه إنها ترغب بالحصول على العلاج الهرموني اللازم للتحول إلى امرأة، كما أقر طبيب نفسي عسكري بأنها تعاني صراعًا داخليًا بسبب هويتها الجنسية، وأنها ترغب في التحول إلى امرأة، ورغم ذلك فقد ظل الجيش معارضًا لمطلبها، وهي في محبسها حتى حاولت الانتحار عام 2016، وبعد عدة أشهر أضربت عن الطعام حتى سمح الجيش لها بإجراء الجراحة.

وفي 2016 أيضًا بعدما أمضت تشيلسي مانينج ست سنوات من عقوبتها، ناشدت الرئيس الأمريكي باراك أوباما تخفيف الحكم عليها والإفراج عنها، وتأخرت استجابة أوباما للطلب، لكنه في النهاية أصدر قرارًا تخفيف الحكم عليها في 17 يناير (كانون الثاني) 2017، قبل ثلاثة أيام فقط من انتهاء ولايته وتولي الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي يصف تشيلسي بالخائنة، وفي مايو (أيار) 2017 خرجت تشيلسي من السجن بعد قضائها فيه قرابة سبع سنوات.

جريجوري رودشينكوف.. فضيحة المنشطات الروسية

كان جريجوري رودشينكوف مدير «المركز الروسي للكشف عن المنشطات»، وفي عام 2015 أصدرت «الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات» تقريرًا اتهم مسؤولين روسيين بالضلوع في برنامج لتعاطي الرياضيين الروس للمنشطات خلال أولمبياد سوتشي 2014، وإثر تلك الاتهامات استقال رودشينكوف من منصبه وقرر كشف ما بجعبته بخصوص تلك القضية.

أعلن رودشينكوف أنه قد زوّد عشرات الرياضيين الروسيين بالمنشطات قبل انطلاق أولمبياد سوتشي 2014، منهم على الأقل 15 ممن حصلوا على ميداليات في تلك الدورة بما في ذلك أربع ميداليات ذهبية، موضحًا أنهم كانوا جزءًا من برنامج مكثف لتعاطي المنشطات برعاية الدولة، ومؤكدًا أن روسيا خدعت العالم في مجال الرياضة على مدار عقود.

كشفت تصريحات رودشينكوف أن برنامج المنشطات لم يكن خاضعًا فقط لوزارة الرياضة التي أدارت البرنامج، وإنما كان خاضعًا بالأساس لتوجيه الاستخبارات الروسية وجهاز الأمن العام الذي كان يقوم بتبديل عينات الرياضيين المتعاطين للمنشطات، وهي المعلومات التي نشرها رودشينكوف في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية بعد سفره إلى الولايات المتحدة هربًا من ملاحقة السلطات الروسية. 

رغم أن روسيا أجرت تحقيقًا على وقع الفضيحة، اعترفت فيه بتعاطي الرياضيين للمنشطات وأوقفت المسؤولين المتهمين بالضلوع في برنامج المنشطات عن العمل، لكن تصريحات رودشينكوف كشفت أن التلاعب كان ممنهجًا وقادمًا من أعلى هرم النظام الروسي، وهي النتيجة نفسها التي خلص إليها تقرير «الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات»؛ مما أثر على أكثر من ألف رياضي روسي في 30 رياضة مختلفة.

أدت الفضيحة إلى حرمان الفريق الروسي من المشاركة في أولمبياد ريو دي جانيرو عام 2016، وأولمبياد بيونج تشانج عام 2018، كما أنتجت قناة «نتفليكس» فيلمًا وثائقيًا حولها بعنوان «إيكاروس» حاز على جائزة الأوسكار لعام 2017.

«المواطن 4».. أشهر نافخي الصافرات

عمل إدوارد جوزيف سنودن لصالح «وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)» منذ عام 2006، كما عمل متعاقد مع «وكالة الأمن القومي»، وبعد توظيفه بفترة قصيرة اكتشف سنودن أن «وكالة الأمن القومي» بينما كانت تشكو علنًا من الصعوبة المتزايدة للرقابة على الإنترنت فإنها قد أنشأت برنامجًا سريًا يتيح لها مراقبة شاملة لجميع اتصالات المواطنين الهاتفية ومعاملاتهم البنكية، فضلًا عن مراقبة جميع أنشطتهم على شبكة الإنترنت، ويمتد هذا البرنامج إلى خارج الولايات المتحدة أيضًا.

Embed from Getty Images

إدوارد سنودن، عميل «سي آي إيه» السابق، أو «المواطن 4» كما أطلق على نفسه

استمر سنودن عدة سنوات في جمع الأدلة على البرنامج السري الذي أطلقت عليه «وكالة الأمن القومي» اسم «بريسم»، وفي عام 2013 سافر إلى هونج كونج؛ حيث بدأ بمراسلة صحافيين من صحيفة «الجارديان» البريطانية باسم مجهول هو «المواطن 4» ليطلعهما على ما لديه من وثائق، وفي فيلم «Citizen four» الوثائقي الذي صور معه الصحافيون مشاهده في هونج كونج عند تسلمهم الوثائق كان مستاءً للغاية من وظيفته السابقة في الاستخبارات، ويقول إن الإنترنت كان في بداية ظهوره فضاءً رحبًا يساعد على تمكين الناس من المعرفة؛ مما يمكنهم من بناء معارضة جادة وحقيقية، «لكني وجدت نفسي في وظيفة أتلقى راتبي فيها لأقوم بالعكس».

كشف سنودن أن «وكالة الأمن القومي» تمارس عمليات المراقبة على الجميع سواء كانوا متهمين أو مشتبه بهم في أعمال إجرامية أم لا، وذلك بالطبع دون الحصول على إذن قضائي والسير وفقًا للإجراءات القانونية المتبعة، وأثارت التسريبات جدلًا عالميًا شبيهًا بما أثارته وثائق «ويكيليكس»، خاصة أنها كشفت عن تورط حكومات أخرى حول العالم في الاستعانة بالبرامج الأمريكية لمراقبة مواطنيها، ويؤكد سنودن أن أي شخص مهما كان عبقريًا في الأمان الرقمي لا يمكنه التخفي لفترة طويلة من تلك البرامج المتطورة، كما ينفي باستمرار كونه خائنًا لبلاده ويؤكد على أنه أراد أن يعلم الناس فقط كيف تراقبهم الحكومات طوال الوقت.

اتهمت وزارة العدل الأمريكية سنودن بالتجسس وتسليم أسرار عسكرية إلى أجهزة أمنية أجنبية، لكنه سافر من هونج كونج إلى روسيا التي حصل على لجوء فيها بشرط التوقف عن أنشطته ضد الولايات المتحدة، وقد أعلن أكثر من مرة أنه يريد العودة إلى وطنه، كما اعتذر للرئيس السابق باراك أوباما طالبًا منه السماح له بالعودة، بينما طلب أوباما من المخابرات النظر في الأمر وإعادة التدقيق في بروتوكولاتها الأمنية.

لكن مع انتهاء ولاية أوباما وبدء رئاسة دونالد ترامب، أعلن مسؤول أمريكي في الأسابيع الأولى لترامب في البيت الأبيض أن روسيا تنظر في ملف تسليم سنودن لتقوية علاقتها بالرئيس الجديد، لكن وزارة الخارجية الروسية انتقدت التعليق بشدة، وأشارت إلى أن سنودن قد مُنح تمديدًا لفترة إقامته حتى عام 2020، وأن الاقتراح الأمريكي بتسليم سنودن سيُعد من قبيل الخيانة، ومؤخرًا أعلن سنودن عن رغبته في الحصول على لجوء سياسي لدى فرنسا، وهو الطلب الذي سبق له التقدم به، لكنه قوبل بالرفض في فترة الرئيس فرانسوا هولاند.

«سلاح القرن».. من لا يملك التسريبات يخسر المعركة

المصادر

تحميل المزيد