منذ هبت رياح الاستقلال على معظم دول أفريقيا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أبت القارة إلا أن تتبع سَنَنَ الغرب شِبرًا بشِبر وذِراعًا بذِراع على نحوٍ طائش. فإذا كانت روما لديها البازيليكا، فيجب أن يكون لدى ساحل العاج ياماسوكرو. وإذا كانت فرنسا ذات يوم إمبراطورية، فلينفق جان بيدل بوكاسا 25 مليون دولار لإقامة حفل تتويج في جمهورية أفريقيا الوسطى. وإذا كان لدى الولايات المتحدة مركزًا للفضاء، فلماذا لا تحذو نيجيريا حذوها، وإن كلفها ذلك 89 مليون دولار بينما يعيش أكثر من نصف سكانها على أقل من 1.25 دولار في اليوم.

للنُخب الحماية وللشعوب المَضرّة..

يمثل الاتحاد الأفريقي 98% من دول القارة (باستثناء المغرب)، وهذه الكثرة -على عكس السائد- ليست مفخرة بل سُبَّة. فعلى عكس دول الاتحاد الأوروبي التي يتعين عليها تلبية معايير سياسية واقتصادية معينة لنيل العضوية، سُمح دائمًا لأي دولة أفريقية بالانضمام إلى الاتحاد الأفريقي.

يتمسك الاتحاد الأفريقي بسياسة عدم التدخل في شؤون الدول الأعضاء؛ حتى لا ينفِّر الحكومات المتهمة بارتكاب جرائم حرب أو انتهاك حقوق الإنسان. بل عجز الاتحاد عن التوافق على تعريف للديمقراطية، وبالتالي فإنه يعتبر كافة الانتخابات التي تشهدها القارة حرة ونزيهة، أما إدانة اعتقال زعماء المعارضة في الدول الأعضاء؛ فيشكل انتهاكًا لمبدأ عدم التدخل، وفق دستور الأمر الواقع غير المكتوب الذي يُطَوِّق رقبة الاتحاد.

ليس موضع نزاع أن الاتحاد الأفريقي كان ناجحًا للغاية في تلبية احتياجات الطبقة السياسية الأفريقية، لكنه لم يُحدِث فرقًا كبيرًا في حياة معظم الأفارقة العاديين؛ طالما ظلت أنشطته وبرامجه على خصام مع شعوب القارة؛ لا سلع متوافرة ولا خدمات عامة ولا فرص أمام الشباب للمشاركة، ولا تعزيز للتجارة ناهيك عن الحكم الرشيد والاستقلال المالي. بل حين يتتبع المراقبون الأجانب بصمة الفساد والرشوة في أفريقيا يُهيَّأ لهم أنهما شبه قانونيين، وربما وصل بعضهم إلى ما يشبه اليقين بأن هذه الممارسات الراسخة تُدَرَّس بلا شك في المدارس.

مترجم: هل يعتبر الاتحاد الأفريقي ما جرى في السودان انقلابًا عسكريًا؟ وما موقفه؟

مفارقات الأمس ونبوءات المستقبل.. عجز الاتحاد الأفريقي يستدعي التدخل الأجنبي

من المفارقات في هذا المقام أن ليبيا حين انزلقت إلى مستنقع الحرب الأهلية عام 2011، كان رسول الاتحاد الأفريقي لحل الأزمة وتسهيل الانتقال إلى الديمقراطية هو تيودورو أوبيانغ نغيما مباسوغو، أطول طغاة أفريقيا عمرًا في السلطة، والذي يحكم غينيا الاستوائية منذ 1979.

مفارقة أخرى بطلتها مصر؛ فبعد ست سنوات تقريبًا من تعليق عضويتها عقب الانقلاب العسكري على أول حكومة ديمقراطية، أصبح عبد الفتاح السيسي، في نهاية المطاف رئيسًا للاتحاد الأفريقي.

وفي ضوء هذه التجارب المحبطة، هل يُتَوِقَّع أن يحترم الجيش السوداني المهلة التي حددها الاتحاد الأفريقي لتسليم السلطة إلى قيادة مدنية في غضون 60 يومًا؟ أم سنرى عما قريب فرعونًا سودانيًا على رأس الاتحاد؟

هذا هو السودان نفسه الذي عجز الاتحاد الأفريقي عن التصدي لمقتل أكثر من 200 من أبنائه في أواخر سبتمبر (أيلول) 2013، وإصابة المئات من المتظاهرين واعتقال كثير من المعارضين الذين خرجوا للاحتجاج على قرار الحكومة السودانية بتخفيض دعم الوقود.

وسبق أن فشل الاتحاد الأفريقي في معالجة مشكلة دارفور، التي أدت إلى مقتل الآلاف من الأشخاص والملايين من النازحين داخليًا واللاجئين، فضلاً عن الصراع الداخلي المتفجّر وانتشار الفوضى إلى تشاد المجاورة وجمهورية أفريقيا الوسطى. وتُرِك الأمر للأمم المتحدة لنقل قوات حفظ السلام من دارفور وليبريا وساحل العاج وحتى هايتي، لمحاولة وقف سفك الدماء في جنوب السودان.

ولم تصدر إدانة قوية من الاتحاد الأفريقي لانتهاكات حقوق الإنسان الشنيعة في مختلف البلدان، مثل السودان والصومال وحتى بوروندي؛ وهو ما يثير التساؤل عما إذا كان الاتحاد لديه القوة أصلًا للتدخل، على حد قول كينيث الوكوي، الأكاديمي الكيني المتخصص في الشؤون الأفريقية.

ليس غريبًا والحال هكذا ألا ينجح الاتحاد الأفريقي في حل أي نزاعٍ قاريّ دبلوماسيًا، حتى حين ذهبت قوات حفظ السلام إلى دارفور والصومال ومالي لم تستطع تحقيق السلام، بل كشفت التحقيقات عن تقاعسٍ وانحيازٍ وحتى اعتداءٍ جنسيّ وقتلِ مدنيين، في ربوع القارة المنكوبة من جنوب السودان إلى جمهورية أفريقيا الوسطى.

وحين يفشل الاتحاد الأفريقي في تسوية نزاعاته الداخلية؛ فلا غروَ أن تُشرَع الأبواب أمام تدخل القوى الأجنبية التي تمد أياديها فقط على أمل انتزاع شيء ثمين من جسد القارة.

هدية مفخخة بأجهزة تجسس.. لماذا موّلت الصين بناء مقر الاتحاد الأفريقي؟

أثبت الاتحاد الأفريقي أيضًا عدم كفاءته على الجبهة الاقتصادية. حتى أنه لم يستطع تمويل بناء مقره الرئيس في أديس أبابا، فتحملت الصين التكلفة التي بلغت 200 مليون دولار، دون أن يكلف أحد الحُكام الأفارقة نفسه بتقديم جزء من ثروته التي تناهز المليارات.

ليت المسألة وقفت عند حد إراقة ماء وجه القارة، بل كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية مطلع عام 2018 أن بكين زرعت أجهزة تجسس في مكاتب ومصاعد المقر الذي بنته عام 2012، وقدمته «هدية من الصين لأصدقائها في أفريقيا». وأكدت مصادر في الاتحاد أن التقنيين في المقر اكتشفوا تحويل محتويات خوادم الاتحاد إلى خوادم في شنغهاي منذ عام 2012، كما أزال خبراء الأمن الإلكتروني الإثيوبيين ميكروفونات كانت مزروعة في مكاتب وجدران المقر.

صحيحٌ أن الاتحاد غيَّر خوادمه واعتمد تصميمًا إلكترونيًا جديدًا قبل عامين، بيد أن ذلك لم يحدث إلا بعدما تمكن الصينيون من التجسس على جميع المحتويات الحساسة طيلة الفترة ما بين يناير (كانون الثاني) 2012 إلى يناير 2017. فيما يمثل هذا الاختراق «أحد أطول عمليات سرقة البيانات الحكومية السرية المعروفة»، على حد وصف دانييل كايف، المحلل البارزة في معهد السياسات الاستراتيجية الأسترالية.

على الرغم من روتينية هذا النوع من التجسس -الذي نفته الصين والاتحاد الأفريقي- يشير مجلس العلاقات الخارجية أن الحادث يسلط الضوء على الأهمية الجيوسياسية لأفريقيا لدى للصين، ويتحدى رواية بكين المفضلة عن علاقاتها الخيرية مع الدول الأفريقية.

ويشير هذا النهج إلى أن الصين ربما اقتنعت بأن فوائد القوة الصلبة المتمثلة في الوصول إلى بيانات الاتحاد الأفريقي الداخلية ليكون لها اليد العليا في المفاوضات مع القادة الأفارقة تفوق فوائد القوة الناعمة التي تجسدت في بناء مقر الاتحاد في العاصمة الإثيوبية.

في بؤرة هذا اللغط، برز اسم «هواوي»، عملاق التكنولوجيا الصيني الذي يتمتع بعلاقات وثيقة مع الحزب الشيوعي؛ لأنها الشركة التي وفرت المعدات وهيأت الخوادم ودربت موظفي الاتحاد. لكن حتى تهمة التجسس لم تكف لمنع الاتحاد الأفريقي من توقيع اتفاقية جديدة هذا العام مع «هواوي» لتعزيز التعاون المشترك.

من أين تستمد الصين نفوذها داخل الاتحاد الأفريقي؟

تستمد قوة الصين نفوذها داخل الاتحاد الأفريقي من كونها أكبر شريك تجاري للقارة منذ عام 2009، ولا غروَ فقيمة استثماراتها تبلغ 300 مليار دولار، وعمالها ينتشرون في ربوع أفريقيا بأعداد تناهز المليون. كما تضاعفت حصة الصين من مشتريات القارة من الأسلحة إلى 17% تقريبًا ما بين 2013 إلى 2017، وفقًا لـ«معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام». ويرجع ذلك إلى استهداف بكين السوق الأفريقية بأنظمة أسلحة منخفضة التكلفة وعالية الكفاءة مثل مقاتلة «Guizhou FTC-2000G» الأسرع من الصوت والتي تتراوح قيمتها ما بين 15 و20 مليون دولار.

وإذا كانت الصين قدمت 100 مليون دولار مساعدات عسكرية لتمويل قوة الاتحاد الأفريقي الاحتياطية في سبتمبر 2017؛ وساهمت بـ 1516 جنديًا وفردًا في خمس بعثات أممية لحفظ السلام في أفريقيا (الكونغو ودارفور ومالي وجنوب السودان والصحراء الغربية) في أغسطس (آب) 2018؛ فلماذا لا يغض الاتحاد المكبَّل الطرف عن تهم التجسس لعيون الأموال والجنود؟

الأكثر من ذلك أن الصين مولت أكثر من 3 آلاف مشروع بنية تحتية في أفريقيا وفقًا لمشروع «آيد داتا». وقدمت أكثر من 86 مليار دولار قروض تجارية للحكومات الأفريقية والكيانات المملوكة للدولة بين عامي 2000 و2014، بمعدل حوالي 6 مليار دولار في السنة.

ونمت التجارة المتبادلة 40 ضعفًا خلال العشرين سنة الماضية، وتتجاوز الآن 200 مليار دولار. وتشير دراسة أجرتها ماكنزي عام 2017؛ إلى أن هناك أكثر من 10 آلاف شركة مملوكة للصين تعمل في أفريقيا اليوم، ثلثها تقريبًا تعمل في قطاع التصنيع. وفي قمة الأمم المتحدة لحفظ السلام لعام 2015، أعلنت الصين أنها ستقدم 100 مليون دولار لدعم القوة الاحتياطية الأفريقية.

وتعهد الرئيس شي جين بينغ، خلال المنتدى السادس للتعاون الصيني-الأفريقي في عام 2015، بتقديم 60 مليار دولار قروض تجارية للقارة، ما يزيد حجم القروض إلى 20 مليار دولار على الأقل في السنة.

ولأن باب الدين هو في الحقيقة باب فقر؛ باتت العديد من الدول الأفريقية مثقلة بالديون الصينية. وأصبحت الصين أكبر دائن في القارة، بامتلاكها 14% من إجمالي ديون أفريقيا جنوب الصحراء، وفقًا لـ«Foresight Africa 2018».

استدانت كينيا 50 مليار دولار، 72% من الصين، وتمول السنغال، الطرق السريعة والمجمعات الصناعية ومشاريع البنية التحتية الأخرى بقرض قيمته 1.6 مليار دولار. واقترضت جيبوتي 1.1 مليار دولار لتحديث مينائها البحري وبناء خط سكة حديد إلى أديس أبابا، ومد خط أنابيب مياه من إثيوبيا، ومطار جديد.

هذه القروض ليست فقط أكبر مما تستطيع معظم الدول الأفريقية سداده؛ بل الكثير من فوائدها يعود مباشرة إلى الصين، حيث تُصَمَّم البنية التحتية الجديدة لتمكين الشركات الصينية من استخراج الموارد الطبيعية، مثل المعادن والنفط. والشركات الصينية لا تأبه إلا بالأرباح، فلا بأس من التعدين غير القانوني في غانا، ومصافحة الفساد في أنغولا وغينيا وغيرهما، والتسبب في التدهور البيئي في تشاد، واستخدام عمالة الأطفال لاستخراج الكوبالت للهواتف الذكية في جمهورية الكونغو الديمقراطية. أما عن ظروف العمل السيئة في ربوع القارة، فأطلق لخيالك العنان ولا حرج.

فإذا كانت الصين تمتلك كل هذا النفوذ، ليس فقط في عواصم دول القارة بل أيضًا في حواريها وأزقتها؛ فكيف يكون تأثيرها على الاتحاد المكون من هذه الدول المدينة لبكين؟

النموذج الأمريكي VS النموذج الصيني.. هل تفقد واشنطن نفوذها في أفريقيا لصالح بكين؟

حجر الرحى الآخر الذي تُسحَق تحته أحلام القارة هو نفوذ الولايات المتحدة، التي دشنت بعثتها لدى الاتحاد الأفريقي (USAU) في ديسمبر 2006، مما جعلها أول دولة غير أفريقية ترسل بعثة دبلوماسية إلى الاتحاد.

في الماضي كان إطعام الطعام هو مفتاح السيادة، بيد أن الإطعام في العصر الحديث يتجاوز اللحم والثريد، بمليار دولار تدفعها الولايات لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AMISOM)، أو مساهمة بقوات مجهزة بالمعدات واللوجستيات والدعم الاستشاري والتدريب في مواجهة قوات حركة الشباب، أو 100 مليون دولار دعمًا مهمة الاتحاد الأفريقي لاستعادة الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى.

والكوارث خير صديقٍ لصائدي النفوذ؛ فمع اندلاع أزمة إيبولا في غرب أفريقيا، قدمت الولايات المتحدة 10 مليون دولار إلى بعثة الاتحاد الأفريقي للمساعدة في نشر العاملين الأفارقة في مجال الصحة وتسليم الإمدادات والمعدات الطبية وغيرها من الخدمات اللوجستية المساعدة للمجتمعات المتضررة.

كما تعهدت الولايات المتحدة بمبلغ 10 مليون دولار أخرى لتقديم الدعم الفني، وتوفير مستشارَيْن من مراكز السيطرة على الأمراض في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى مركز عمليات طوارئ مجهز بالكامل في أديس أبابا، و10 مدربين من الولايات المتحدة لمكافحة الأمراض والوقاية منها.

لكن مثلما تعجز الماشطة عن تجميل الوجه العكر، قد يقصُر المال بصاحبه عن امتلاك النفوذ المطلق، إذا واجه منافسًا عنيدًا في ساحة السباق. فكيف إذا كان المنافس هو الصين؟ تكون النتيجة: فقدان النفوذ الأمريكي تدريجيًا، حسبما يشكو ريوبن بريجيتي في مجلة «فورين أفيرز».

صحيح أن الولايات المتحدة لديها استثمارات بقيمة 58 مليار دولار في أفريقيا، في مقابل 40 مليار دولار للصين، بيد أن استثمارات الولايات المتحدة في القارة تتراجع بمرور الوقت. وبينما تعهدت الولايات المتحدة في عام 2014 باستثمار 14 مليار دولار في أفريقيا خلال العقد القادم، تعهدت الصين باستثمار 175 مليار دولار في ذات الفترة الزمنية.

وعلى عكس الولايات المتحدة، تركز استثمارات الصين بشكل رئيسي على القروض لتطوير البنية التحتية. على النقيض من ذلك، يركز الاستثمار الأمريكي على برامج المساعدات، وخاصة الرعاية الصحية والتعليم.

ولأن الاستثمارات في البنية التحتية أبلغ أثرًا عند عموم الناس؛ كان لاستثمارات الصين أثر إيجابي في نفوس 63% من الأفارقة، بحسب دراسة أجريت في مجموعة من البلدان الأفريقية. صحيحٌ أن المسح كشف أن نموذج التنمية الأمريكي لا يزال هو الأكثر شعبية، فيما يأتي نموذج التنمية الصيني في المرتبة الثانية. لكن بالنظر إلى التباين الهائل في مقدار استثمار الدولتين في أفريقيا، لا يهم أي النموذجين أكثر شعبية بقدر ما هو النموذج الأكثر هيمنة في أرض الواقع.

من لا يملك ميزانيته لا يملك قراره.. مخاطر الاعتماد المالي على الغرباء

داء القارة منها لو أبصر أبناؤها، فالحالة الاجتماعية والاقتصادية المتردية في العديد من الدول الأفريقية هي أكثر ما يجعلها عرضة للتدخل الغربي. فإذا كانت الولايات المتحدة وبريطانيا ودول غربية أخرى إلى جانب الصين تقدم قروضًا ومساعدات للدول الأفريقية الفقيرة، فمن الطبيعي أن تتمتع هذه الدول الدائنة ببعض مستويات السيطرة.

هذه الأغلال المحلية تكبل إرادة الاتحاد الأفريقي قاريًا، وهي ليست صنيعة اليوم بل اعتاد الاتحاد منذ بدايته الاعتماد على الشركاء الدوليين لتمويل أنشطته المتعلقة بالسلام والأمن؛ ما يعني أنه لا يستطيع نشر عمليات السلام إلا إذا كان شركاؤه على استعداد لتمويلها.

هذا الاعتماد على الموارد الخارجية يحرم الاتحاد الأفريقي من حرية اتخاذ قرارات مستقلة بشأن الجوانب الاستراتيجية والتشغيلية والتكتيكية لعمليات دعم السلام المسؤولة عنها، ويتطلب تفاوضًا مسبقًا مع الشركاء لحشد الموارد اللازمة.

وبطبيعة الحال، فإن شركاء الاتحاد الأفريقي سيمولون فقط الأنشطة التي تصب في مصلحتهم. وفي بيئة التقشف الاقتصادي المستمر، سوف يمول هؤلاء الشركاء فقط الجوانب التي يرون أنها ضرورية.

هذا الاعتماد المالي على الشركاء الأجانب لا يقتصر على عمليات دعم السلام، فقد أصبح الاتحاد الأفريقي يعتمد على الدعم الخارجي لتوفير حوالي 98% من ميزانيته البرنامجية و99% من نفقات السلام والأمن.

بالنظر إلى أن مفوضية الاتحاد الأفريقي تُمَوَّل بنسبة 99% تقريبًا من جيوب الشركاء الأجانب، فإن الدول الأعضاء لديها نفوذ مالي ضئيل حتى داخل مفوضيتهم الخاصة. وقد أدى ذلك إلى حفر فجوة بين المفوضية والدول الأعضاء، وبث الشعور بفقدان السيطرة الأفريقية على أجندة السلام والأمن الخاصة بها.

يتفاقم الأثر حين تكون سلطة اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأفريقي تتركز في يد المفوضية، بينما الدول الأعضاء ليس لها تأثير يذكر على صياغة المقترحات والمبادرات. وقد أثبت هذا المستوى من المركزية أنه غير عملي في قارة تضم 54 دولة وأكثر من ألفي مجموعة عرقية، بل وسيلة لبذر الشكوك ودس المكائد وتنفير الدول الأعضاء من إملاءات الاتحاد.

في يوليو (تموز) 2018، وافقت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على تقديم ميزانية لحفظ السلام تقارب 6.7 مليار دولار. أكبر المساهمين في تمويل عمليات حفظ السلام هي الولايات المتحدة بنسبة 28.5%، والصين بنسبة 10.3%، واليابان بنسبة 9.7%، وألمانيا وفرنسا بنسبة 6.3% لكل منهما، والمملكة المتحدة بنسبة 5.8%.

على الرغم من أن الولايات المتحدة أكبر مساهم مالي، إلا أنها تتخلف عن المساهمة بقوات في عمليات حفظ السلام إلى المرتبة 75 من أصل 122 دولة مساهمة، وكان نصيبها 55 فردًا فقط من بين حوالي 90 ألف فرد نُشِروا في سبتمبر الماضي. فيما توفر الدول الأفريقية حوالي نصف قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة المنتشرة في جميع أنحاء العالم.

كما عرقلت الولايات المتحدة المقترحات الخاصة بالتمويل الأممي المباشر لقوة مجموعة الساحل الخمس لمكافحة الإرهاب. وعلى الرغم من مضاعفة المساعدات الأمريكية تقريبًا للدول الأعضاء في القوة المشتركة لمنطقة الساحل إلى حوالي 111 مليون دولار، فإن هذا الدعم الموجه لبوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر يقدم في ثوب «جهود التعاون الأمني الثنائي» بدلًا من التمويل المباشر للقوة المشتركة، حسبما أوضح متحدث باسم القيادة الأمريكية في أفريقيا لموقع «ديفينس بوست» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

صحيحٌ أن الدول الأعضاء تعهدت بتمويل 100% من ميزانية الاتحاد التشغيلية، و 75% من البرمجة، و25% من عمليات حفظ السلام، بحلول عام 2021. لكن الأحلام الأفريقية أثبتت دومًا أنها بعيدة المنال.

كيف وقد بلغت الميزانية التي أقرها الاتحاد الأفريقي لعام 2019؛ 681.5 مليون دولار أمريكي. 273.3 مليون دولار لتمويل ميزانية حفظ السلام، و249.8 مليون دولار لميزانية برنامج الاتحاد الأفريقي، و158.5 مليون دولار للميزانية التشغيلية. وهذا مبلغ متواضع مقارنة بالتكلفة الإجمالية لأنشطة السلام والأمن التابعة للاتحاد الأفريقي للفترة 2016-2017 التي قدرت بـ1.2 مليار دولار.

ولأن دور القوى الأجنبية لا يمكن أن يقتصر على التمويل الخيريّ منزوع المصلحة؛ كانت النتيجة المثبتة عمليًا هي عرقلة فعالية الاتحاد الأفريقي في الاستجابة للتحديات الأمنية الناشئة في القارة. ففي حالتي مالي ونيجيريا، شجع التأثير الكاسح لفرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا إلى إشعال جذوة النزاع. وفي الآونة الأخيرة، اعترف القادة الأفارقة بالأدوار السلبية للأمم المتحدة والقوى الأجنبية في تأجيج الصراع في أفريقيا.

كيف سيصبح شكل العالم حين تصبح الصين القوة الأولى؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد