هل تساءلت يوماً لماذا تقوم حركات التمرد؟ بالطبع لأنّ لديها أهدافاً ومشروعاً سياسياً أو “عرقياً” تريد تحقيقه. ولكي يتحقق لا بدّ إذن من تمويل ضخم، مالي وعسكري. هل تساءلت إذن لماذا تدعم أطراف معينة أحد حركات التمرد؟ لماذا تدعم أطراف أخرى الحكومات التي تحارب هذه الحركات العسكرية؟ بالطبع هناك إجابة وحيدة: المصلحة.

في هذا التقرير عدة نماذج لأطراف دعمت حركات تمرد، وأطراف أخرى دعمت الحكومات التي تحارب هذه التمردات.

 

الهوتو والتوتسي: بين فرنسا وبلجيكا وأوغندا

الرئيس الرواندي الحالي كاغامي ينتمي لعرق التوتسي

في أبريل الماضي سحبت فرنسا مشاركتها في ذكرى الإبادة الجماعية التي وقعت في رواندا عام 1994، وراح ضحيتها قرابة المليون رواندي. سحب فرنسا مشاركتها جاء بعد اتهام الرئيس الرواندي كاغامي فرنسا بالتورط في الإبادة الجماعية. وخلفَ هذه الاتهامات أكثر من قصة.

رواندا نالت استقلالها فقط عام 1962، من الاحتلال البلجيكي، وخلال الثلاثين سنة القادمة قامت أكثر من موجة من موجات العنف بين قبيلتي الهوتو والتوتسي في رواندا، خلال الثلاثين سنة راح ضحايا العنف ما يقارب المليون ونصف، فمن وراء كل هذه الأعداد من الضحايا؟

ضحايا الإبادة الجماعية في رواندا

 

على خلاف ما هو مشهور، فإن قبيلة التوتسي ـ المضطهدة أثناء الإبادة الجماعية ـ قد ارتكبت هي أيضاً خلال الثلاثين سنة عمليات قتل وعنف راح ضحيتها مئات الآلاف. كانت قبيلة الهوتو إذن مسيطرة على مفاصل الحكم في رواندا، قامت بطرد بعض المعارضين من التوتسي، المعارضين من التوتسي قاموا بإعلان تأسيس الجبهة الوطنية الرواندية، ثمّ أعلن عن ولادة جناح عسكري لها.

قوات الجبهة الوطنية الرواندية ساعدت الرئيس الكونغولي لوران كابيلا بالانقلاب على سلفه والوصول للحكم، بعدما وصل كابيلا للحكم قام بالانقلاب على الجبهة ومقاتليها وطردهم من البلاد، في هذه الأثناء كانت أراضي أوغندا تستقبلهم والرئيس يوري موسيفيني يقدم لهم الملاذ والسلاح.

الحكومة “الهوتو” إذن تدعمها فرنسا وبلجيكا، والمتمردين “التوتسي” تدعمها أوغندا بالملاذ والسلاح. بعد تحرك الجبهة الوطنية في شمال رواندا قامت القوات الرئاسية بضرب هذا التحرك وتم اعتقال عشرة آلاف من التوتسي عام 1990، بالطبع كان هذا بمساعدة المظليين الفرنسيين.إذا تساءلنا عن الدعم، فإن فرنسا بالطبع ـ وبلجيكا أيضاً ـ لا تدعم الهوتو إلا لتدعيم سيطرتها ونفوذها هي في منطقة البحيرات العظمى.

“قدمت شحنات سلاح فرنسية للجيش الرواندي أعوام 1991، 92، 93 وأثناء الإبادة الجماعية تم إيصال ست شحنات من السلاح بقيمة 5454395 دولاراً” *باتريك دو سانت أكزيبيري في كتابه “ما لا يصرّح به”.

كما سمحت المساعدات الفرنسية في رفع عدد قوات الجيش الرواندي “الهوتو” من 5300 إلى قرابة الخمسين ألف، تولت فرنسا تدريبهم وتسليحهم. وفي يوليو 1994 سقطت العاصمة الرواندية بيد الجبهة الوطنية الرواندية وتفكك جيش الهوتو وهربت الميليشيات المساعدة للنظام إلى الدول المجاورة.

قوات فرنسية في رواندا 1994

 

 

انتهت الحرب الأهلية الرواندية، وسيطر التوتسي من جديد على الحكم في رواندا، ورغم كل ما سبق فإن الرئيس الحالي لرواندا، لا يفتأ يتدخل في شئون جيرانه بالتحديد الكونغو التي احتوتهُ يوماً ما، ربما لمصالح سياسية، وربما ترتبط هذه المصالح بأن لقبيلته فروع في منطقة البحيرات العظمى في افريقيا بشكل مجمل.

 

 

جبهة البوليساريو: شوكة في ظهر النظام المغربي تدعمها الجزائر

 

نالت الجزائر الاستقلال بداية الستينيات، ومع انتصارها على الاستعمار الفرنسي بدأت المشكلات مع المملكة المغربية حول الصحراء المغربية. اعتبرت الجزائر والمغرب الصحراء من ضمن أراضيها، لم تسيطر الجزائر على الصحراء بينما تخضع 80% من الصحراء لسلطة المغرب، 20 بالمائة فقط من الصحراء تقع تحت سلطة جبهة البوليساريو.

عرض عسكري للبوليساريو عام 1980

 

تأسست جبهة البوليساريو وأعلنت أول حكومة لما أسمته “الجمهورية العربية الصحراوية” عام 1976. اعترفت بعض الدول بالجبهة بينما لم يعترف بها عدد كبير آخر، بينما سحبت دول أخرى اعترافها بهذه “الدولة” في الثمانينيات.

بشكلٍ مباشر دعمت الجزائر جبهة البوليساريو عسكرياً، استمرت الحرب بين البوليساريو والمغرب 16عاماً، حتى أعلنت البوليساريو وقف السلاح من طرف واحد وقبلت باستفتاء تنظمه الأمم المتحدة، لكنّ الاستفتاء لم يتمّ حتى الآن. ولا زال الوضع على ما هو عليه.

 

 

السودان وأوغندا: دعم التمرد بالمبادلة!

 

الحرب الأهلية في السودان راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف قتيل سوداني، الحرب كانت بين حكومة الشمال المركزية والأقلية المضطهدة في الجنوب من المسيحيين واللادينيين، أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير السودان في الثمانينيات وبدأت صراعاً مسلحاً مع الحكومة السودانية في الشمال، لم تكن الجبهة في البداية تسعى للانفصال، لكنّ الانفصال صار هدفها بعد ذلك ثمَّ تم الانفصال عام 2001.

دعمت الولايات المتحدة التحرك الجنوبي ضد حكومة الشمال، حسب تقارير أوصلت أمريكا للمتمردين في الجنوب 20مليون دولار من المعدات العسكرية وغيرها عبر اثيوبيا وأوغندا، ولأن مشكلات سياسية وعرقية و “طائفية” تحاصر الدول الافريقية فإنَّ أوغندا كانت أكثر الداعمين للجنوب في تمرده ضد الشمال، وبسبب هذا الموقف الأوغندي جاءَ الردّ السوداني.

سلفاكير ميارديت الرئيس الحالي لجنوب السودان بعد التمرد والانفصال

 

 

السودان يدعم ميليشيا جيش الربّ!

 

أكثر من مليون ونصف هم ضحايا حرب الحكومة الأوغندية على متمردي ميليشيا جيش الرب، كما سبق فإن أوغندا تدعم الحركة الشعبية لتحرير السودان بينما ـ ورداً عليها ـ دعمت حكومة السودان ميليشيا جيش الربّ بشكل مباشر.

للقراءة عن ميليشيا جيش الربّ، من هنا

 


المصادر

تحميل المزيد