مع استمرار الحراك الشعبي في الجزائر الذي يدخل أسبوعه الـ14، وتواصل المسيرات الشعبيّة الأسبوعية المطالبة برحيل الرئيس المؤقت بن صالح وحكومة بدوي، وتعويضهم بشخصيّات مستقلّة، ارتفعت عدّة أصوات في مناطق مختلفة في الجزائر مطالبة بقيادة الوزير السابق والمرشّح للرئاسيّات أحمد طالب الإبراهيمي للمرحلة الانتقاليّة، وذلك من خلال رفع صوره في العديد من المسيرات، من بينها مسيرة الكبرى لمدينة برج بوعريريج التي وضعت صورته في «تيفو» عملاق في المبنى الذي يسمّى «قصر الشعب».

وبعد انتظار طويل حول ردّه على هذه المطالبات، أصدر الإبراهيمي رسالة مطوّلة يوضّح فيها موقفه من الحراك الشعبي ودور المؤسسة العسكرية في المرحلة المُقبلة، فمن يكون أحمد طالب الإبراهيمي، وما هي دوافع هذه المطالبات الشعبيّة بتولّيه دورًا في المرحلة الانتقاليّة؟

طالب الإبراهيمي.. ابن «الجمعية» ومناضل حرب التحرير ووزير عهد

انتشرت في العديد من المحافظات خلال مسيرات يوم الجمعة صُور وشعارات تُطالب بترأّس أحمد طالب الإبراهيمي لمرحلة انتقالية إلى حين انتخاب رئيس جديد للبلاد، رُغم بلوغه 87 سنة. أحمد طالب الإبراهيمي هو وزير سابق في عهد الرئيسين بومدين والشاذلي بن جديد، ومناضل في الحركة الوطنية أثناء الاحتلال الفرنسي والحرب التحريريّة، إذ ترأس الاتحاد الوطني للطلبة المسلمين الجزائريين، كما أسّس جريدة «الشاب المسلم» المنتقدة للاستعمار الفرنسي والمدافعة عن الوطنيّة الجزائرية.

عمل طالب الإبراهيمي في إطار فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني، وجرى اعتقاله بسبب نشاطه في سنة 1957 إلى غاية 1961، وهناك التقى وتعرّف إلى الوفد الخارجي لجبهة التحرير في السجن المتمثّلة في كل من بوضياف، وبن بلة، وآيت أحمد، ومحمد خيضر، ومصطفى الأشرف.

متظاهرون يرفعون صورة أحمد طالب الإبراهيمي – مصدر الصورة: مواقع التواصل

طالب الإبراهيمي هو ابن الشيخ البشير الإبراهيمي، أحد كبار علماء الدين الجزائريين الذي يملك رمزيّة كبيرة في المخيال الشعبي الجزائري باعتباره أحد مؤسّسي «جمعية العلماء المسلمين» ورفيق الشيخ ابن باديس؛ مما يجعل الإبراهيمي أحد أبناء مدرسة «جمعية العلماء» وهو الأمر الذي يعدّ ميزة عند قطاعات شعبيّة واسعة، في نفس الوقت كان هذا الانتماء مطيّةً للهجوم عليه من بعض الأطراف العلمانية.

وقد شكّلت «جمعية العلماء المسلمين» منذ تأسيسها سنة 1931 جزءًا مهمًّا من الحركة الوطنية مناضلة ضد الاحتلال الفرنسي من خلال مجهوداتها الإصلاحيّة الدينية والثقافية وعملها في الصحافة وإنشائها المدارس لتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي في عدّة مناطق داخل الجزائر.

ولد طالب الإبراهيمي في منطقة سطيف شرق الجزائر وكبر في مدينة تلمسان بالغرب الجزائري، والتحق بكليّة الطب بجامعة الجزائر ثم انتقل إلى فرنسا في السنة الجامعية الخامسة عام 1949 ليواصل دراسته هناك في جامعة باريس، ومنها واصل نضاله السياسي من خلال اتحاد الطلاب المسلمين الجزائريين.

وبعد الاستقلال تقلّد الإبراهيمي في عهد الرئيس بومدين كلًا من وزارة الإعلام والتربية، ووزارة الخارجية في عهد الرئيس الشاذلي، ثم تقدّم سنة 1999 للانتخابات الرئاسيّة المسبقة التي دعا لها الرئيس زروال حينها في سياق العشرية السوداء، لكنّه انسحب رفقة باقي المترشّحين عندما تأكّد وقوف المؤسسة العسكرية إلى جانب المترشّح عبد العزيز بوتفليقة، وكان الإبراهيمي خلال حملته الانتخابيّة قد دعا إلى المصالحة الوطنية الشاملة من أجل إيقاف الحرب الأهليّة بين الإسلاميين والدولة.

20 سنة بعد «العشرية السوداء».. هل تغيّر الجيش الجزائري منذ التسعينيات إلى اليوم؟

كما أشار الصحافي والمؤرّخ عبد العزيز بوباكير إلى أنّ الجنرال توفيق رئيس المخابرات السابق كان قد عرض عليه ترشيحه لرئاسة الجمهورية سنة 2014، إلاّ أنه رفض العرض. وقد ألّف الإبراهيمي عدّة كتب، من بينها مذكّراته الشخصية «مذكّرات جزائري» و«المعضلة الجزائرية» و«رسائل من السجن».

صورة من مسيرات الجمعة في الجزائر – مواقع التواصل

الرمزيّة التاريخية التي يمتلكها الإبراهيمي باعتباره أحد مناضلي حرب التحرير، بالاضافة إلى انتمائه إلى جمعية العلماء المسلمين التي ترأسها والده، ومواقفه السياسية التي توصف بالمعتدلة والبعيدة عن الاستقطاب الأيديولوجي، بالإضافة إلى تجربته السياسية داخل السلطة باعتباره كان في فترة مضت جُزءًا من النظام السياسي من خلال تقلّده مناصب وزارية – وهو الأمر الذي قد يبدّد مخاوف النظام الحالي – جعلته يحقّق إجماعًا لدى قطاعات شعبية معتبرة، وأحد أبرز الوجوه التي يطالب جزء من الحراك الشعبي بأن تلعب دورًا في المرحلة المقبلة، إذ طالب البعض بترأسه للدولة بصفة مؤقّتة إلى غاية انتخاب رئيس جديد.

وبعد الكثير من الترقّب حول موقف الإبراهيمي من الأصوات التي طالبته بلعب دور سياسي في المرحلة القادمة، أصدر السبت الماضي، رُفقة كلّ من المناضل الحقوقي علي يحي عبد النور، والجنرال المتقاعد بن يلّس، رسالة مختصرة أعلنوا فيها تأييدهم للمسيرات الشعبية ورفضهم لانتخابات الرابع من يوليو (تموز) التي تتمسّك بها المؤسسة العسكرية على لسان قائدها أحمد قايد صالح، بالإضافة إلى دعوة القيادة العسكرية إلى فتح حوار مع ممثلي الحراك والأحزاب السياسية من أجل إيجاد حل سياسي يستجيب للمطالب الشعبية.

وكان هذا الثلاثي قد بعث برسالة في سنة 2017 أكدوا فيها عدم قدرة بوتفليقة على ممارسة مهامه بسبب وضعيته الصحية، ودعوه إلى الاستقالة.

صورة من مسيرات الجمعة في الجزائر- مواقع التواصل

وقد حازت هذه الرسالة على تأييد العديد من القوى السياسية من مختلف الاتجاهات الفكريّة؛ إذ رحّب المحامي والنائب البرلماني السابق مصطفى بوشاشي بهذه المبادرة قائلًا: «المبادرة التي دعوا لها إيجابية وتصبّ في مطالب الحراك ومطالب الطبقة السياسية والمجتمع المدني وهي الذهاب إلى مرحلة انتقالية»، كما أيّد هذا المسعى جيلالي سفيان رئيس حزب «جيل جديد» ذي التوجه الليبرالي، وحزب «جبهة العدالة والتنمية» الإسلامي الذي اعتبر أن هذه المبادرة مطابقة لما تطرحه الحركة.

وانتقدت جريدة «القلم» التابعة لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ذو التوجه العلماني مبادرة الإبراهيمي، إذ أكّدت على خطورة التفاوض مع المؤسسة العسكرية وضرورة إبعادها عن التجاذبات السياسية، فيما دعا دعت «جبهة القوى الاشتراكية» لقعد ندوة حوار وتشاور من أجل المرور إلى مرحلة انتقالية «تحميها المؤسسة العسكرية»، وهو ما يتّفق مع مبادرة الثلاثي.

كيف تنظر إسرائيل إلى الحراك الشعبي في الجزائر؟

الإبراهيمي VS قايد صالح

بعد الرسالة التي وقّعها الثلاثي بأيّام قليلة، أصدر أحمد طالب الإبراهيمي رسالة جديدة، هذه المرّة وحده، وقد كانت أكثر تفصيلًا واحتوت على العديد من الرسائل الضمنيّة للمؤسسة العسكريّة، ورغم لغة الرسالة الدبلوماسيّة الهادئة التي حرصت على إرضاء الجماهير الشعبية وعدم مُصادمة السلطة في نفس الوقت، إلاّ أنها احتوت على إشارات واضحة تدعو إلى تسليم الجيش للسلطة والاستجابة لمطالب الشارع.

«تيفو» لمتظاهرين من مدينة برج بوعريريج

وتضمّنت الرسالة التي عُنونت بـ«إلى شباب الحراك» دعمًا للمسيرات الشعبيّة، وأكد خلالها أحمد طالب الإبراهيمي أنه ليس لديه أطماعًا سياسية شخصية بحكم السنّ، كما حيّا المؤسسة العسكرية على عدم انجرارها إلى العنف، لكنه أكّد على ضرورة استجابتها للمطالب الشعبية، وعلى ضرورة تجنّب قيادتها الانجرار أمام أيّة «مطامع سلطوية» حسب وصفه.

وفي تعليقه حول التخوّفات من الخروج عن الإطار الدستوري والفراغ الذي قد يسبّبه، أكد أن السلطة تتعامل مع الدستور «كوسيلة للحكم وليس مرجعًا يحتكم إليه»، وأكد أيضًا أن «الكثير من الجزائريين لا يرون حرجًا في تجاوز هذا العقد الاجتماعي، غير مبالين بمخاطر الفراغ الدستوري». وجدّد استعداده للعب دور سياسي إذا اقتقضى الأمر، إذ قال في الرسالة: «لن أدخر جهدًا في وضع تجربتي المتواضعة تحت تصرف كل من جعل شعاره حب الوطن وخدمة الشعب».

هل القايد صالح «قائد صالح» فعلًا؟

وفي الأسابيع الأخيرة يمارس الحراك ضغطًا شعبيًّا من أجل الدفع بالإبراهيمي ليكون بديلًا مدنيًا مطروحًا في الساحة لقيادة المرحلة الانتقالية بدلًا عن الرئيس المؤقّت بن صالح وحكومة بدوي التي بقيت منذ عهد بوتفليقة، والتي تحظى لحدّ الآن بتأييد المؤسسة العسكرية بقيادة قايد صالح من اقتراحه تطبيق المادة 102، وذلك بحجّة عدم الخروج على الإطار الدستوري وخوفًا من الوقوع في الفراغ الدستوري حسب ما جاء في بيانات قايد صالح.

وكان قائد الأركان قد انتقد في رسالته الأخيرة «غياب النُخب والشخصيات الوطنية»، وبالتالي فإن مبادرة الإبراهيمي الأخيرة قد تضع قائد الأركان المتمسّك بانتخابات الرابع من يوليو (تموز) في حرج، خصوصًا مع استمرار المسيرات الشعبيّة التي ترفض بشكل قاطع الانخراط في انتخابات من المفترض أن تأتي بأوّل رئيس جمهورية يُنهي تمامًا عهد بوتفليقة، بإشراف نفس مسؤولي وقوانين وآليّات الرئيس المستقيل بوتفليقة.

المصادر

تحميل المزيد