قضت محكمة علي آغا الثانية للجنايات بولاية إزمير يوم أمس بإخلاء سبيل القس الأمريكي الخاضع للإقامة الجبرية في تركيا، أندرو برانسون، وذلك بعدما تم الحُكم عليه في وقتٍ سابق بالسجن ثلاثة أعوام وشهرًا.

وقد أفرجت عنه المحكمة يوم أمس الجمعة 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، وذلك بعد تغيير شهادة شاهد الإثبات في القضية المتعلقة باتهامه بالمشاركة في الانقلاب التركي في منتصف عام 2016.

السطور التالية تشرح عبر إجابة ستة أسئلة، قصة القس الأمريكي الذي تسبب في أزمة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وتركيا منذ ما يقرب من عامين.

1.كيف كانت البداية؟

لم يكن يعلم أندرو كرايج برانسون المولود في عام 1968، والذي نشأ في قرية بلاك ماونتن بولاية كارولاينا الشمالية بالولايات المتحدة الأمريكية، أنه قد ينتهي به الحال في أحد السجون التركية في يومٍ من الأيام. إذ انتقل عام 1993 من الولايات المتحدة الأمريكية إلى تركيا للقيام بأعمال التبشير في كنيسة ديريلس الإنجيلية في مدينة إزمير الساحلية، غرب تركيا، والتي يبلغ عدد أتباعها 25 شخصًا، يتقابلون بين الحين والآخر، يصلون سويًا، بالإضافة للاستماع إلى بعض الموسيقى التي يعزفها برانسون على آلة الجيتار، بعدما تفرغ برانسون لأعمال التبشير في تركيا التي يعد 98% من سكانها من المسلمين.

(القس برانسون – المصدر: رويترز)

وبالرغم من أن التبشير لم يعد محظورًا في تركيا منذ عام 2003، إلا أنه ظل غير مرحب به؛ إذ قُتل مبشر ألماني، بالإضافة إلى تركيين اعتنقا المسيحية في عام 2007، لكن برانسون لم يتخل عن عمله التبشيري، بل إنه أسس عام 2010 كنيسة القيامة في إزمير.

2- ما هي تفاصيل اعتقال برانسون؟ وكيف بدأت الأزمة بين الولايات المتحدة وتركيا؟

بدأت الأزمة بين الولايات المتحدة وتركيا باتهامات مبطنة من قبل الأخيرة بتورط الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة الانقلاب التركي التي جرت في منتصف شهر يوليو (تمّوز) عام 2016؛ إذ اتهمت تركيا في الأساس فتح الله كولن، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية وجماعته، بالتورط في محاولة الانقلاب التركي، ثم اتهمت الولايات المتحدة بالتستر عليه، والتعنت في تسلمه لتركيا.

 

بعد اتهامها بتدبير الانقلاب الفاشل.. كيف تغلغلت جماعة «كولن» في مفاصل الدولة التركية؟

وفي السابع من ديسمبر (كانون الأول) عام 2016، وبعد ما يقرب من ثلاثة أشهر من تاريخ محاولة الانقلاب الفاشلة على السلطة في تركيا، اعتُقل القس برانسون ضمن الاعتقالات التي طالت الآلاف من موظفي الدولة والقضاء والشرطة والجيش؛ علاوة على تسريح الآلاف أو إعفائهم من الخدمة أو العمل الحكومي. ولم يتوقف الأمر على القس برانسون فقط، بل اعتُقلت زوجته أيضًا لبضعة أيام قبل أن يُطلق سراحها.

(فتح الله جولن – المصدر: رويترز)

ظل القس في المعتقل التركي لمدة 63 يومًا، قبل أن تُعلن تركيا عن الاتهامات المُوجهة له؛ إذ كانت التهمة واضحة وهي أن برانسون على علاقة بـ«حزب العمال الكردستاني» و«جماعة فتح الله كولن»، اللتين تعتبرهما تركيا منظمتين إرهابيتين، وأنه متهم بالقيام بأعمال تجسس والمشاركة في التخطيط للمحاولة الانقلابية.

وذكرت تركيا أن القس تعاون مع أفراد من حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا أثناء زياراته المتعددة إلى المناطق الكردية في جنوب شرق تركيا؛ حيث يتجمع اللاجئون السوريون، وهو ما نفاه مرارًا محامي برانسون والولايات المتحدة نفيًا قاطعًا؛ إذ إن القس دافع عن نفسه مرارًا مؤكدًا أنه اعتاد الذهاب إلى هذه المناطق فقط من أجل تقديم المساعدة للاجئين السوريين.

3- كيف حاول كلٌّ من الولايات المتحدة وتركيا المساومة على برانسون؟

اعتقال القس الأمريكي أدى إلى نشوب أزمة دبلوماسية كبيرة بين الولايات المتحدة وتركيا؛ إذ طالبت الولايات المتحدة الأمريكية الإفراج عن برانسون عام 2017، فيما جاء الرد التركي على لسان رئيسها مباشرةً؛ إذ رد أردوغان بعرض في أواخر سبتمبر (أيلول) عام 2017 يقضي بالاستبدال به الداعية فتح الله كولن المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1990، والذي يتهمه أردوغان بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016، ويطالب الولايات المتحدة بترحيله إلى تركيا لاعتقاله ومحاكمته، غير أن الولايات المتحدة رفضت هذا العرض، مطالبةً تركيا بالإفراج فورًا عن القس.

 

التاريخ والواقع والمستقبل.. ملف «ساسة بوست» الشامل عن محاولة الانقلاب العسكري في تركيا

وفي أواخر يوليو 2018 أفرجت تركيا مؤقتًا عن القس المتهم بالإرهاب، ووضعته تحت الإقامة الجبرية لحين موعد محاكمته الثانية، وذلك بعد أن ساءت حالته الصحية في المعتقل التركي؛ إذ فقد 25 كيلوجرامًا خلال الفترة التي قضاها هناك، بعد أن مكث هو و21 آخرين في زنزانة تسع ثمانية أشخاص فقط، بحسب ما ذكرته صحيفة «الجارديان» البريطانية.

(القس برانسون – المصدر: إن بي سي)

يأتي هذا في الوقت الذي جاءت المساومة فيه من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية هذه المرة، وعلى لسان نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس؛ إذ أعلن أنه سيتم توقيع عقوبات على تركيا في حالة عدم الإفراج عن القس الأمريكي، قائلًا: «إذا لم تأخذ تركيا خطوة فورية لتحرير هذا الرجل البريء وإرساله إلى الولايات المتحدة، ستفرض الولايات المتحدة عقوبات كبيرة على تركيا حتى يصبح القس أندرو برانسون حرًا»،  وهو ما رفضته تركيا.

4- كيف تسبب القس الأمريكي في فرض عقوبات على تركيا؟

التهديد الأمريكي بفرض عقوبات على تركيا في حال عدم الإفراج عن القس الأمريكي تأكد سريعًا، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد ساعاتٍ قليلةٍ فقط من تهديد نائبه لتركيا، اعتزام بلاده فرض عقوبات على تركيا؛ بسبب طول فترة احتجازها لأندرو برانسون؛ طبقًا لما ورد في إحدى تغريدات الرئيس الأمريكي على حسابه الشخصي على موقع «تويتر».

 

وقال ترامب في تغريدته: إن «الولايات المتحدة ستفرض عقوبات كبيرة على تركيا بسبب اعتقالها للقس أندرو برانسون منذ وقتٍ طويل، وهو رجل مسيحي عظيم ورجل عائلي وإنسان رائع. ويعاني كثيرًا»، مطالبًا تركيا بالإفراج عنه، قائلًا: «يجب إطلاق سراح هذا الرجل البريء على الفور».

 

هل يمكن أن يخرج الاقتصاد التركي مُنتصرًا من معركة العقوبات؟

وبعد أربعة أيام فقط من تهديد ترامب، وتحديدًا في الأول من أغسطس (أب) 2018، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على وزيري العدل والأمن الداخلي التركيين؛ إذ أوضحت الوزارة أن العقوبات فرضت بطلب من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ردًا على اعتقال السلطات التركية القس الأمريكي أندرو برانسون.

وقال وزير الخزانة الأمريكي، ستيفن منوشين، إن «الاعتقال الظالم» للقس برانسون هو أمر غير مقبول، مضيفًا أن الرئيس ترامب قال بكل وضوح: إن الولايات المتحدة تطالب بالإفراج عنه فورًا، فيما أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، سارة ساندرز، أن وزير العدل التركي، عبد الحميد جل، ووزير الأمن الداخلي، سليمان صويلو، لعبا الدور البارز في توقيف القس الأمريكي في أكتوبر (تشرين الأول) 2016 واعتقاله لاحقًا.

5- ما علاقته بالاقتصاد التركي؟ وكيف تأثر بسبب قضية القس الأمريكي؟

ربما لم تتأثر تركيا كثيرًا بالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على وزيري العدل، والأمن الداخلي، التركيين، ومن هنا جاءت الولايات المتحدة ورئيسها، دونالد ترامب، بالمزيد من الضغط على الجانب التركي، من أجل الإفراج عن القس؛ إذ أعلن ترامب في 10 أغسطس الماضي فرض المزيد من العقوبات على تركيا بسبب قضية القس الأمريكي.

وقد توعَّد ترامب بمزيد من الإجراءات العقابية إذا لم تفرج تركيا عن القس الأمريكي المحتجز لديها منذ نحو عامين؛ إذ قال ترامب إن الولايات المتحدة «لن تستكين في التصدي لتركيا فيما يخص أزمة القس»، مشيرًا إلى أن تركيا لا تتصرف باعتبارها صديقًا للولايات المتحدة، واصفًا الاتهامات التي وجهتها تركيا لبرانسون بأنها زائفة.

(انهيار الليرة التركية – المصدر: الجارديان)

وأشار ترامب أيضًا في تصريحاته من البيت الأبيض، إلى أن تركيا تصرفت بشكل سيئ للغاية في إدارة هذه الأزمة، مؤكدًا أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تلتزم الصمت، قائلًا: «لا يمكن لتركيا أن تسجن أحدًا من شعبنا».

 

الانقلاب على الدولار.. هل باتت الظروف مهيأة للقضاء على هيمنة العملة الأمريكية؟

الجدير بالذكر أن العقوبات التي فرضها ترامب في 10 أغسطس الماضي شملت مضاعفة الرسوم على الواردات الأمريكية من الحديد والألومينيوم من تركيا؛ إذ غرَّد ترامب على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، قائلًا: «أصدرت أمرًا بمضاعفة رسوم الصلب والألومنيوم على تركيا، في وقتٍ تنهار فيه الليرة أمام دولارنا القوي جدًا، الضريبة على الألومنيوم سترتفع بنسبة 20% بينما سترتفع الضرائب على الصلب بنسبة 50%».

 

الخطوة التي اتخذها ترامب أدت بالفعل إلى انهيار قيمة الليرة التركية لتصل إلى أقل مستوى أمام الدولار منذ عام 2001؛ إذ وصلت إلى أكثر من 6 ليرات مقابل الدولار الواحد، بينما رد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن «الولايات المتحدة طعنت تركيا، حليفتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في الظهر»، فيما أعلن البنك المركزي التركي أنه مستعد لاتخاذ كل التدابير اللازمة لضمان الاستقرار المالي.

 

كيف دخل اقتصاد تركيا في النفق المظلم؟ ملف «ساسة بوست» عن أزمة الليرة التركية

ولوقف هذا التدهور اتخذ البنك المركزي التركي مجموعة من التدابير لدعم الاستقرار المالي، وقال وزير الخزانة والمالية التركي، صهر الرئيس أردوغان، براءت ألبيرق، أن الوزارة بدأت تطبيق خطة عملها لمواجهة تقلبات سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار، محذرًا من نشر شائعات كاذبة.

وهدد أردوغان بأنه قد يلجأ إلى خطط وتدابير حيال التجار ورجال الصناعة إذا استمروا في المسارعة إلى بيع الليرة التركية وشراء الدولار الأمريكي قائلًا: «إذا كان الغرب يملك الدولار فلدينا الله».

6- لماذا تُشكَّل قضية برانسون أهمية خاصة بالنسبة لترامب؟ وكيف وجدت طريقها للحل؟

الاهتمام المتزايد من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية، ورئيسها، دونالد ترامب، تجاه قضية القس الأمريكي ليست متعلقة فقط بمجرد كونه مواطنًا أمريكيًا، وإنما – برأي مراقبين – بسبب رغبة الرئيس الأمريكي في المحافظة على قاعدته الانتخابية، ومن أجل كسب تأييد الناخبين في الولايات المحافظة التي يطغى عليها التدين؛ إذ تعتبر هذه الولايات مهمة للغاية بالنسبة للجمهوريين في انتخابات الكونجرس النصفية المقبلة، والتي ستقام تحديدًا في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ويريد ترامب والحزب الجمهوري أن يرى هؤلاء الناخبون كيف يبذل جهوده من أجل إطلاق سراح القس برانسون.

 

انهيار الليرة وتسجيل النمو الأعلى في العالم.. اقتصاد تركيا بين الواقع والأسطورة

أمَّا بالنسبة إلى نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، فإن هذه القضية لها بعد شخصي أيضًا، إذ إنه إنجيلي متدين محافظ، وهو مصر على إطلاق سراح برانسون.

(القس الأمريكي وزوجته – المصدر: نيويورك تايمز)

وقد وجدت الأزمة طريقها للحل فجأة، بدايةً من التقارير الإخبارية التي نشرتها شبكة «إن بي سي» الأمريكية أمس الأول الخميس، استنادًا إلى مسؤولين رفيعي المستوى بالإدارة الأمريكية، مؤكدةً أن هناك اتفاقًا سريًا يمهد الطريق لعودة برانسون إلى الولايات المتحدة، دون توضيح لتفاصيل هذا الاتفاق.

ولم تمر بضعة ساعات حتى حدث بالفعل ما أكدت عليه الصحيفة، إذ أمرت المحكمة في إزمير بإخلاء سبيل القس الأمريكي، وذلك بعد أن نفى شاهد الإثبات علاقة القس الأمريكي بمسلحي حزب العمال الكردستاني، مؤكدًا أن شهادته الأولى أسيء فهمها عن طريق المترجم.

 

تراجع الليرة لا يعني سقوط اقتصاد تركيا.. 3 نماذج لدول أخرى تثبت لك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد