بعد أنْ نشرت صحيفة “شارلي إيبدو” رسومًا كاريكاتورية مسيئة، تمت حمايتها بصورة مشددة، إلا أنّ ذلك لم يمنع اثنين من الإرهابيين الملثمين من الوصول إليها، وهما يحملان أسلحة ثقيلة، فيدخلان إلى مبناها، ويرتكبان مجزرة، ثم يخرجان، ويطلقان النار على شرطي حاول أنْ يمنعهما من الهرب، ويصيبانه بجروح، قبل أنْ يقترب منه أحدهما ويعدمه بإطلاق النار على رأسه بصورة محترفة وبدم بارد.

أحد الرسوم الساخرة في صحيفة شارلي إيبدو

باريس، ذات الكاميرات التي تسجل كل شيء، لم تستطع القبض على منفذي الهجوم إلا مؤخرًا بعد تنفيذ العملية بالكامل، ففرنسا التي قامت بعملية ناجحة واحترافية في مالي في أقصى أفريقيا، لم تستطع منع دخول مسلحين إلى المبنى، ولم تستطع منع الجريمة برغم الأدلة والكاميرات، وإذا كانت الشرطة الفرنسية فشلت فعلاً في منع الجريمة أو حتى محاولة تخفيف حدتها بالتدخل السريع وأتم المجرمون عمليتهم كاملةً، فعليهم حل جهاز الشرطة.

والملفت في الأمر احترافية المنفذين، حيث إنهما لو لم يتابعا ذلك المكان منذ زمن بعيد لما نجحا في هذه العملية بالصورة التي ظهرت عليها، لكن الغريب كيف لم تستطع الشرطة التعامل الفوري والسريع مع المجرمين، وتركتهما يستقلان سيارة أمام مرأى الجميع ولاذا بالفرار؟ لا شك أنْ ذلك مشابه تمامًا لما حصل في عملية اغتيال “ساكنة جانسيزلار”، التي حصلت في باريس أيضًا، حيث لم تتضح تفاصيل تلك العملية حتى الآن.

وبحسب لقطات الفيديو الملتقطة من موقع الحادثة والأشبه بالأفلام البوليسية، اقتحم مسلحون ملثمون يحملون أسلحة كلاشنيكوف وقاذفة صواريخ صباحًا، مقر الصحيفة الفرنسية الأسبوعية “شارلي إيبدو” في شارع نيكولا أبير في الدائرة الحادية عشرة في باريس، حيث جرى إطلاق نار داخل مكتب كان يعقد فيه اجتماع تحريري وقع منه معظم ضحايا الاعتداء، وهم من أبرز وجوه الصحيفة (بينهم جان كابو المشارك في تأسيسها ورئيس التحرير ستيفان شاربونييه)، ولدى مغادرتهم اصطدموا برجال الشرطة، فجرى تبادل إطلاق نار راح ضحيته ضابطا شرطة، قبل أن يرغم المسلحون سائقًا على الخروج من سيارته عند باب “بانتان” ويصدمون بها أحد المارة.


وبحسب صحيفة “لوفيغارو”، فإن المهاجمين، تركوا السيارة التي استولوا عليها (من نوع “سيتروين”) عند شارع “لو مو” في الدائرة التاسعة عشرة، ليختفي أثرهم بعد ذلك.
وأظهرت لقطات فيديو صورها الصحفي “مارتان بودو” من سطح مبنى مواجه لمكاتب “شارلي إيبدو”، رجلاً يصيح “الله أكبر”، ثم أعقب ذلك صوت ثلاث أو أربع طلقات، ويقول أيضًا صوت في الفيديو مع ظهور رجلين في الإطار قبل أن يرفعا سلاحيهما في وضع إطلاق النار: “إنهم يخرجون. يوجد اثنان منهم”، وحتى بعد أن عرفت فرنسا الآن طبيعة وهوية المهاجمين، وقامت بقتلهم بعد أن أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية أنهم كانوا ثلاثة، يبقى السؤال هل هم فعلاً المهاجمون الحقيقيون للصحيفة؟! حتى وإن كانوا هم الجناة الحقيقيين للواقعة، من يقف وراءهم؟! ومن المستفيد الأول من هذا النوع من العمليات الإرهابية بهذا الشكل وفي هذا التوقيت؟! وهل هي محاولة لزرع فوضى جديدة في العالم في هذا الوقت؟! أم هي محاولة لإلهاء الرأي العام عن أحداث وقرارات جديدة ستمررها القوى العظمى في العالم؟! ولماذا لم تعلن أية جهة عن مسؤوليتها عن الهجوم كما يحدث في معظم الأحيان!


هذه الأحداث تستدعي مباشرةً إلى أذهاننا أحداث الصحيفة الدنماركية “هايلوند بوستان”، التي أشعلت غضب المسلمين في العالم لتكرارها نشر صور مسيئة لرسول الإسلام محمد -صلى الله عليه وسلم-، ووصلت الاحتجاجات ضدها إلى إلقاء قنابل المولوتوف على مكاتب الجريدة آنذاك، ونشر هذه الصور لم يكن يهدف للتلاعب بالمشاعر الدينية الإسلامية فقط؛ بل كانت تهدف إلى زرع الفوضى في العالم أجمع، ورغم تلقي الصحيفة الفرنسية عدة تحذيرات من المحكمة المختصة، لكن هذا لا يبرر هذا الهجوم الوحشي عليها أيضًا.

ليس في فرنسا فقط، بل يمتد الأمر إلى ألمانيا أيضًا، حيث ينقسم الرأي العام الألماني بشأن هذه المسألة، وذلك بعد ظهور تنظيم “بيغيدا” وهي حركة سياسية ألمانية جديدة تطلق على نفسها اسم (أوروبيون قوميون ضد أسلمة الغرب) أو ما يعرف اختصارًا بحركة (بيغيدا( pegida، هي حركة متطرفة ضد المسلمين نشأت في مدينة درسدن، وفي المقابل لم تلقَ بيغيدا ترحيبًا كبيرًا، ولكنها جذبت ما يقارب 10 آلاف متظاهر وسط تصريحات متعددة من مسؤولين ألمان يدينون فيها الحركة، وفي مدينة كولونيا تم إطفاء الأنوار في الكاتدرائية يوم 5 يناير 2015 احتجاجًا على تجمع أعضاء الحركة وتظاهرهم في المدينة، في رسالة واضحة من الكنيسة ضد العنصرية والتعصب.

ورغم ذلك لا تخفي أنقرة مخاوفها من التقارير والإحصائيات التي تشير إلى تعرض الجالية التركية في أوروبا خلال السنوات الأربعة الماضية لـ 313 اعتداءً عنصريًّا، وأن بين تلك الاعتداءات 56 عملية حرق ممتلكات، و106 اعتداء جسدي، و46 رسالة تهديد، ومن أشكال الاعتداءات العنصرية تجد عبارات مكتوبة على الجدران والمدارس والشوارع باللغة الألمانية “يجب أن يُقتل الأتراك” و”الأتراك لن يستطيعوا أن يصبحوا ألمانًا”. كما أعلن رئيس الوزراء البريطاني “ديفيد كاميرون” عن المخاوف الأمنية من تزايد الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

وأسوأ سيناريو هو أن يكون وراء هذا العمل البشع، أي تنفيذ هذا الهجوم الدموي على الصحافة، من كانوا في العراق وسوريا؛ أي “المقاتلين الأجانب” الذين كانوا يقومون بأعمال عسكرية في تلك الدول، حيث إنه تنتشر الثقافة الإسلامية المتطرفة بين الجالية الأفريقية في فرنسا، وهي تنتشر كالنار في الهشيم بين الشباب الفرنسي، وهم يأتون على رأس القائمة في انتمائهم لتنظيم داعش وجبهة النصرة التي تقاتل في سوريا والعراق.

** نقلًا عن صحيفة راديكال

عرض التعليقات
تحميل المزيد