لم ينفك «اليمن السعيد» عن سياسة الاغتيالات التي عانى منها على مر التاريخ بسبب الصراع اليمني الداخلي، فقد عادت تلك السياسة تستخدم الآن لتنال من كوادر يمنية مؤثرة،لكن تغيرت أهدافها والأيدي التي تقف وراءها، فقد نفذ «كاتم الصوت» وغيره أكثر من 400 اغتيال خلال ثلاث سنوات، فتناقل اليمنيون صورًا موجعة لقادة ودعاة وعسكريين ونشطاء يقتلون في الشوراع دون رادع أو معاقبة، فالاغتيالات التي تتم في أوقات صلوات المدينة الخمس وفي غيرها عادت بكثافة مع عودة رئيس الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة، معلنًا عن استقراره فيها وعن خطة أمنية لمواجهة الانفلات الأمني، في حين لم ترق لدولة الإمارات العربية، فهي تريد أن تحقق المزيد من النفوذ والمصالح على الأرض اليمنية دون إعاقة من خطط عبدربه منصور  هادي.

مسلسل الاغتيالات يعود بكثافة إلى عدن

«ناصر مقيرح»، هو آخر رجال محافظة عدن الذين سقطوا في سجل الاغتيالات حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لكن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية بالمنطقة العسكرية الرابعة الذي اغتيل قبلها بأيام قد لا يكون الأخير بسبب استمرار عمليات الاغتيال في تلك المنطقة الساحلية.

العميد ناصر مقيرح في مديرية خور مكسر بعدن (المصدر : الجزيرة)

منذ يوليو (تموز) 2015 حين طرد الحوثيون من عدن، والمدينة غارقة في عمليات الاغتيال التي تستهدف خطباء وأئمة مساجد وضباط في الأمن ورجال قضاء، وقد عادت سلسلة الاغتيالات إلى الواجهة في الأسابيع الأخيرة، وقد اغتيل مقيرح بالقرب من منزله بمدينة خور مكسر أثناء ذهابه لأداء صلاة مغرب في مسجد باجنيد في «حي أكتوبر»، حيث تعقبه رجل يحمل مسدسًا كاتمًا للصوت وأطلق النار عليه ثم فر دون أن تعرف هويته، أما قبل 10 أيام من اغتيال مقيرح فقد اغتيل مدير البحث الجنائي بسجن المنصورة سيف الضالعي أيضًا بواسطة مسلحين مجهولين، كما اغتيل مسؤول أمني هو عبدالرزاق الحاج بالرصاص الحي في حديقة جامع النور بمنطقة الشيخ عثمان التابعة لمدينة عدن.

محاولات الاغتيال نجا منها بعض اليمنيين، فقد تمكن العضو في حزب الإصلاح اليمني عارف أحمد علي من النجاة في 31 من يوليو الماضي، بعد وضع عبوة ناسفة في سيارته، لكن الرجل أصيب بجروح وفقد ابنه إحدى ساقيه في الانفجار، كذلك نجا القيادي في حزب الإصلاح بعدن صادق أحمد، الذي أصيب بثلاث طلقات في البطن والصدر والرقبة، ونجا رئيس جمعية الحكمة الخيرية، القيادي السلفي عادل الجعدي، حين تفجرت سيارته بعد مغادرته بلحظات محدودة في شارع المعلا بعدن.

وفيما تنتشر القوات اليمنية الشرعية في جميع أنحاء المحافظة، تزاحمها في هذا التواجد القوات الإماراتية التي أسست مراكز قوى في المحافظة، حيث يسيطر ما يعرف بـ«الحزام الأمني» المدعوم من الإمارات، والمعادي للحكومة اليمنية الشرعية على مناطق في عدن ومحافظات يمنية أخرى، ويسجل على عمليات الاغتيال تلك، أنها تستهدف المقربين من الرئيس عبد ربه منصور هادي، والأخص من حزب الإصلاح، أحد أكبر الأحزاب اليمينة الإسلامية المحسوب على تنظيم الإخوان المسلمين، والداعم الرئيسي لحكومة هادي، مما فرض خشية لدى الكثير من رجال الدين في عدن من الحديث عن دعم هادي والقضايا السياسية الأخرى التي لا تحبذها الإمارات، خاصة أن غالبية هؤلاء تعرضوا لتهديدات مجهولة بحسبهم، طالبتهم بوقف دعم هادي.

إمارتيًّا.. عودة هادي لا مرحبًا بها 

«العالم من حولنا ينظر إلى واقع المحافظات المحررة باعتبارها نموذجًا لاستعادة الدولة وبناء وطن تسوده العدالة والمساواة والحكم الرشيد، والاستقرار المنشود كفيل بعودة عجلة التنمية لتلامس احتياجات المواطن في تذليل سبل معيشته وتوفير متطلباته»، قال ذلك الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وهو يعلن عن تشكيل غرفة عمليات مشتركة لربط الأجهزة الأمنية اليمنية في محافظات عدن يوم التاسع والعشرين من يوليو الماضي، بهدف مواجهة الانفلات الأمني في المحافظة.

قوات يمنية (المصدر: العالمية)

هادي المضطر للمضي بخطوات فعلية بعد أن عاد إلى عدن وقرر الاستقرار فيها منذ يونيو (حزيران) الماضي، يدرك أن الانفلات الأمني في العاصمة المؤقتة عدن هو أهم التهديدات التي تواجه سلطته بعد انقلاب الحوثيين، لكن هذا التوجه لا يروق للإمارات التي لا يخفى التوتر  السياسي بينها وبين هادي الذي يرفض التدخلات الإماراتية الكبيرة في الشأن الحكومي اليمني، ولذلك فإن أبو ظبي، التي تهيمن قواتها المسلحة على عدن والعديد من المدن الواقعة تحت سلطة الحكومة اليمنية، لن تحبذ عودة هادي إلى المحافظة، وذلك يأتي بعد أن استقر الوضع قليلًا إثر تفاهمات سياسية بين دولة الإمارات وهادي، عاد بموجبها هادي من السعودية إلى الاستقرار في عدن، فما إن خرج هادي من اجتماعه الأمني بالقصر الرئاسي مع القيادات الأمنية في عدن، مقرًا بأهمية تضميد جراح المدينة، عجل بعد يوم واحد نائب رئيس ما يعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» هاني بن بريك بإظهار اعتراضه بشكل صاخب على توجهات هادي.

كتب هاني مستخدمًا كعادته حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» لتوصيل رسائله السياسية: «نحترم التوجهات الجديدة للتحالف، ولكن لا اعتبار لها إذا تعارضت مع إرادة الشعب الجنوبي»، وقرأ موقف رجل الإمارات في اليمن بأنه رفض لما قرره هادي من إنشاء غرفة عمليات وعمل نحو ضبط الأمن في عدن، ويستبعد المحللون أن يقدم بن بريك على رفض قبول هذه الإجراءات التي بدأت أبو ظبي تقبلها ظاهريًا ضمن التفاهمات، على غير هوى الإمارات، واعتبر البعض أن موقفه تم بضوء أخضر إماراتي غير معلن، ففيما تظهر الإمارات وهي لا تعيق تحركات هادي، تقوم سريًا بالإيعاز للتشكيلات العسكرية المتعددة التي تمولها بالاعتراض وإعاقة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بغية النأي بنفسها عن الظهور باعتبارها طرفًا مباشرًا في النزاع مع هادي.

وتقضي المصلحة الإماراتية عرقلة عمل هادي وكبار المسؤولين في حكومته في عدن وممارسة مهامهم الحكومية منها، إذ يقلل هذا من النفوذ السياسي للإمارات ويحول دون تحقيق أطماعها في اليمن، حيث يتواكب مع حالات الاغتيال انهيار ملحوظ للمنظومة الأمنية في مناطق سيطرة هادي، مقابل تعزيز القوى العسكرية التابعة لدولة الإمارات باليمن بشكل مضطرد.

من الذي يصنع الفوضى في اليمن؟

تقف مليشيا الحوثي المدعومة من إيران وراء عمليات استهداف ضباط الجيش اليمني والأمن، وذلك لتشويه أجهزة الأمن داخل مناطق سيطرة الشرعية. *موقع «العين» الإخباري الإماراتي مبررًا وقوع عمليات الاغتيال في عدن.

الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي (المصدر: القدس العربي)

في وقت لا ينكر فيه وجود عناصر من القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد تقف وراء تنفيذ الاغتيالات والتفجيرات التي تقع في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية الشرعية، تذهب بشكل دائم مصادر إعلامية موالية للإمارات للقول بوجود جهات نافذة في الحكومة اليمنية استغلت عمليات الإفراج عن سجناء منتمين إلى تنظيمي القاعدة و«داعش» لتمرير مشاريع مشبوهة لزعزعة الأمن والاستقرار بدعم مما أسمته «تحالف صناعة الفوضى والانفلات الأمني تركيا – قطر – إخوان اليمن»، وحسب هذه المصادر فإن هذا التحالف تحرك للكيد من الانتصارات التي حققها التحالف العربي في اليمن.

يقول مقاتل يمني في قوة «الحزام الأمني»: «بعض الناس يتهمون الإمارات بأي جريمة في عدن، لكن الحقيقة تقول إن الإمارات تفعل كل شيء إيجابي تجاه عدن وأعادت بناء المؤسسات العامة في المدينة»، ويضيف: «قد يكون هناك بعض أعضاء القاعدة الذين يحاولون خلق الفوضى في عدن، بعد أن طردها الجيش اليمني، بدعم من التحالف الذي تقوده السعودية منذ عام 2016».

أصل الحكاية: من ارتكب جرائم أكثر بحق اليمن.. قوات التحالف أم الحوثيون؟ 

على الوجهة المغايرة، يرى المراقبون المنتمون للصف المقابل أن الامارات التي تعادي بشكل واضح حزب الإصلاح اليمني، لم تكتف بحرق ونهب مقار الحزب في عدن، بل إنها هي من تستمر في عمليات الاغتيال التي نادرًا ما يتم القبض على مرتكبيها بحسبهم، إذ ينتهي أمر المشتبه بهم في أيدي الإماراتيين ثم يختفون، كما حدث مع قتلة الشيخ عبد الرحمن العدّاني الذي اغتيل في فبراير (شباط) 2016، فحين أرسل المشتبه بهم للسجون التي تسيطر عليها الإمارات اختفوا.

على جانب آخر، تستهدف الإمارات رجال حزب الإصلاح بشكل واضح، فقد قادت قواتها حملة اعتقالات ضد قادة الحزب في عدن، في إطار تغيرات العلاقة بين أبو ظبي والرياض، فالأخيرة تدعم الحكومة اليمنية على إنشاء عاصمة مؤقتة في عدن، والإصلاح هم أهم داعمي هذه الحكومة، لذلك تصر أطراف سياسية يمنية على اتهام أذرع أمنية أنشأتها أبو ظبي وراء الاغتيالات، في إطار محاولات الإمارات إفراغ عدن من الأجهزة الأمنية، لكي يتسنى لها السيطرة على الموانئ والمطارات بعد إضعاف هادي وتقويض قاعدته الجماهيرية والقضاء على مؤسسات الدولة بحسبهم.

وبحسب بعض السياسيين اليمنيين فإن هذه الموجة: «توحي بأن الورقة الأمنية في عدن لا زالت إحدى أدوات الضغط التي تمارسها أبوظبي على الرئيس اليمني، في محاولة منها لابتزازه وإجباره على الانصياع لسياساتها والاستجابة لمطالبها في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية»، وتابعوا القول لـ«القدس العربي»: «أبو ظبي استخدمت الرئيس هادي كـ(محلّل) لشرعنة انطلاق معركة مدينة الحديدة الشهر الماضي، حيث خففت أبوظبي اللعبة مع هادي وتقاربت معه حين احتاجته باعتباره غطاء سياسيًّا لمعركة الحديدة التي قادتها القوات الإماراتية تحت غطاء التحالف العربي بقيادة السعودية».

انفلات الوضع الأمن في عدن (المصدر : أ ف ب)

يقول الناشط الحقوقي اليمني توفيق الحميدي أن الاغتيالات الأخيرة في مدينة عدن هي صناعة فوضى منظمة، تنفذها خلايا مدربة، لصالح أطراف خارجية، مسيطرة على الأرض أهمها دولة الإمارات التي أشرفت على الأجهزة الأمنية والعسكرية الموجودة على الأرض في عدن، ويضيف: «فوضى الاغتيالات الأمنية في عدن يرافقها فوضى اقتصادية متنقلة بانهيار العملة اليمنية التي وصلت إلى 530 مقابل الدولار وما رافقها من زيادة أسعار واتساع رقعة الفقر وتوقف تسليم الرواتب».

وفيما يتعلق بدلالات ورسائل هذه الاغتيالات، يقول الحميدي إنها في المقدمة تهدف إلى: «إظهار الشرعية عامة والرئيس هادي في عدن بمظهر الفاشل الضعيف وعدم قدرته على السيطرة على مدينة واحدة فكيف ببقية المحافظات، مما يهز القصة به ويجعل خيارات تحركه محدودة»، أما الرسالة الثانية من وجهة نظره فهي لاتباع الشرعية ومناصريها من القوى المدنية والأمنية وفيها تخويف واضح لجعل الرئيس وحيدًا وضيفًا غير قادر على حماية نفسه وأنصاره، حسب الحميدي الذي تحدث له «ساسة بوست»، أما الرسالة الأخيرة فهي خاصة بالعالم الخارجي؛ يقول الحميدي: «العالم بدأ ينظر إلى الحوثي في صنعاء باعتباره قوة أمر واقع متماسكة وقادرة على لعب دور إقليمي، بينما الشرعية ديكورية تعمها الفوضى ما يجعل من المستحيل للمنظمات الدولية نقل مكاتبها إلى عدن لممارسة دورها»، ويختم بالقول: «فوضى عدن ذات طابع سياسي سوف تستمر ما دام الخلاف بين الشرعية والإمارات قائم، ولن يتوقف ما لم تنقل الملف الأمني بكل تفاصيله الحكومة الشرعية وإنهاء كافة التضاربات مع التشكيلات غير القانونية».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد