مرت قرابة الثلاثة أشهر على عملية «نبع السلام» التي أطلقتها تركيا و«الجيش الوطني السوري المعارض» ضد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في شمال شرق سوريا، تمكنت من بسط سيطرتها على عشرات المدن والقرى والبلدات خلال أقل من 10 أيام من المعارك العنيفة المتواصلة، أجبرت «قسد» على الانسحاب من مناطقها بالقوة، وقد أعلنت أنقرة بحسب روايتها أن الغاية من العملية التركية هي إعادة الأمن والأمان، وإبعاد خطر ما تسميه وفق تعريفها «الإرهاب» عن حدودها، ولكن ولغاية اللحظة فإن السلام لم يحل على المنطقة بعد.

لا يكاد يمر يوم دون أن تكون هناك تفجيرات بسيارات مفخخة، أو عبوات ناسفة، وألغام متفجرة في أماكن مدنية، أو عسكرية، أو على الطرقات، خلفت العشرات من القتلى والجرحى غالبيتهم من المدنيين بينهم نساء وأطفال، وسط عجز واضح من قبل الأتراك والمعارضة السورية على وقف هذا النوع من الموت الذي أصبح سمة بارزة لمنطقة «نبع السلام»، حتى أصبحت مشاهد الموت والتفجيرات روتينية ومعتادة لدى الأهالي، وبات مجرد الخروج من المنزل يستعدي البقاء على يقظة طوال الوقت، والانتباه للسيارات المارة والمتوقفة والابتعاد عن الأماكن المزدحمة، وكذلك العسكرية، وحتى إبقاء العين مفتوحة على جانبي الطريق خوفًا من عبوة ناسفة هنا أو هناك، والرجل يخرج من بيته لا يخاف إلا العبوات والمفخخات المتفجرة.

مرحبًا بك.. أنت في نبع «التفجيرات»

تحدث «ساسة بوست» مع عدد من أهالي منطقة «نبع السلام» وعن كيفية عيشهم في ظل التفجيرات اليومية. يقول عبد الرحمن من أبناء مدينة تل أبيض «عندما كانت (داعش) تسيطر على مدينتي كنا نشعر بالخوف كثيرًا، وعندما انتقلت السيطرة إلى (قسد) كنا نعتقد أننا سنكون بأمان، ولكن التسلط وإجبار شباب المدينة على الالتحاق بصفوها جعلنا نتمنى التخلص منها، وعندما أتى الجيش التركي والجيش الوطني استبشرنا خيرًا بهم، ولكن هذه البشرى كانت أوهامًا على ما يبدو».

أما أبو ماجد ذو الخمسين عامًا الذي قال لـ«ساسة بوست» بلهجة ساخرة عندما سألناه عن حاله، وكيف يعيش في مناطق نبع السلام، فقال «قصدك نبع التفجيرات، لا أريد أن أموت بأحد المفخخات، ولا أن يقوم أولادي بلملمة أشلائي من الأرض، أريد أن أموت، وأنا على فراشي فقط»، ويضيف: «بالنسبة للوضع الحالي فالخوف هو المسيطر على أرجاء المنطقة، نقرأ الشهادتين عند الخروج من المنزل، ونشكر الله عندما نعود سالمين».

ليس هذا الحال بالتأكيد في جميع مناطق نبع السلام فهناك قرى وبلدات لم تشهد أي حوادث أو تفجيرات، خاصة في الصغيرة منها، وهذا ما قاله لنا الشاب هيثم من أبناء بلدة تل خنزير: «لم يحدث في بلدتي سوى تفجير واحد فقط خلف أضرارًا مادية دون وقوع أي إصابات، ولكن هناك تخوفًا واضحًا لدى الأهالي من اتساع رقعة التفجيرات، وأن تصل إلينا، حيث نسمع أصوات التفجيرات التي تحدث في المناطق المجاورة لنا، كما أن الطرق باتت تشكل خطرًا؛ حيث تم زرعها بالعبوات الناسفة والمفخخات، نحن لا نشعر بالأمان، ولا السلام».

على من يقع اللوم؟

من خلال تواصلنا مع الأهالي في مناطق نبع السلام، فالأغلبية يلقون باللوم بشكل كامل على المعارضة السورية الممثلة بالجيش الوطني وأيضًا الجيش التركي، اللذين تقع على عاتقيهما حماية المدنيين «حسب رأيهم»، يقول أبو ماجد لـ«ساسة بوست» «ابن أخي عمره 12 سنة فقد ساقه وأصيبت عينيه بسبب سيارة مفخخة وقعت في مدينة سلوك قبل شهرين تقريبًا، ومنذ ذلك الوقت وقع في المدينة أكثر من أربعة تفجيرات أخرى، حيث لم نلمس أي جدية من قبل الجيش الوطني للحد من هذه التفجيرات».

أما عبد الرحمن فرأى أن اللوم يقع على «قسد» التي تقوم بهذه التفجيرات في المواقع المدنية بشكل خاص بحسبه، وذلك في محاولة منها لتحويل المنطقة لحمام من الدماء بدلًا عن أن تكون نبعًا للسلام، ويضيف أن اللوم يقع أيضًا على عناصر غير منضبطين في الجيش الوطني السوري، ولا يتمتعون بأي حس للمسؤولية فيما بتعلق بحماية المدنيين. 

هناك حالة استياء كبيرة بين المدنيين من الوضع الأمني في المنطقة، حيث يقول أحد المدنيين لـ«ساسة بوست» «رفض الكشف عن اسمه»: «اللوم كل اللوم يقع على فصائل الجيش الوطني السوري التي وضعت عناصر غير أكفاء على الحواجز، حيث إنها لا تقوم بالتفتيش الدقيق»، وشرح مرة كيف أنه كان في سيارته في مدينة رأس العين، وعندما مر من أحد الحواجز لم تقم بتفتيشه، وكذلك فعلت نفس الشيء للسيارات الأخرى، وقال «من وين بدو يجي الأمان مع هيك تسيب!».

وحسب معلومات وصلت إلينا من أحد النشطاء في منطقة «نبع السلام» ذكر لنا أن الحواجز المنتشرة التابعة للجيش الوطني السوري يقل عددها في المساء، وهو ما يسمح بتحرك العربات المفخخة ليلًا بشكل سلس ويتمكنون من تجاوز الحواجز الرئيسة، ووجهنا هذا السؤال إلى الصحافي السوري صهيب الجابر والمتواجد في مناطق نبع السلام، والذي نفى هذا الأمر، وقال: «على العكس يتم تعزيز الحواجز والعناصر ليلًا؛ لأنه في هذا الوقت أصلًا تتسلل العربات المفخخة وتتحرك الخلايا النائمة من طريق إم 4 الطويل والصحراوي». 

(خريطة لشمال شرق سوريا – النهدي الفاتح منطقة نبع السلام، الأصفر مناطق «قسد»، والأحمر مناطق النظام السوري) المصدر : liveuamap

وأضاف الجابر «أن هناك خلايا نائمة وعمليات أمنية متواصلة يقوم بها الجيش الوطني لاعتقالهم، والخلايا هم من مقاتلي «قسد» من المكون العربي والكردي الذين لبسوا اللباس المدني وما زالوا يحتفظون بأسلحتهم ومواد متفجرة تدخل في صناعة العبوات والمفخخات، وأن هذه المجموعات نشطة كثيرًا وتقوم بعمليات اغتيال بحق عناصر من الجيش الوطني». 

وضرب الجابر مثلًا على مدينة سلوك التي تعرضت لتفجيرات متواصلة على الرغم من إغلاقها من جميع الجهات بسواتر أسمنتية وعدم السماح للعربات بدخولها، إلا بعد تفتيش دقيق؛ ما يعني أن بعض المفخخات يتم تجهيزها من داخل المدينة، وليس من خارجها. 

دولي

منذ 10 شهور
«إم 4» و«إم 5».. سر الطريقين اللذين نفذت روسيا 5 مذابح الشهر الماضي لأجلهما

إذًا من يقف وراء التفجيرات؟

عند كل تفجير يقع في مناطق النفوذ التركي بـ«نبع السلام، غصن الزيتون ودرع الفرات»، يسارع الأتراك والجيش الوطني السوري لاتهام «قسد» بتنفيذها، بدروها تنفي الأخيرة هذه التهم وتوجه اتهام معاكس، بينما يشير أغلب المدنيين الذين تواصل «ساسة بوست» معهم بأصابع الاتهام لقسد ويتهمونها بتنفيذ العمليات التفجيرية، فظنونهم تتوافق مع ما قاله المتحدث الرسمي باسم «الجيش الوطني السوري» يوسف حمود: «إن التحقيقات التي أجريت مع الأشخاص الذين تم توقيفهم أثبتت أن من يقف وراءها هي قسد»، يضيف حمود: «بحكم أن المنطقة كانت واقعة تحت سيطرة (قسد) سابقًا لذلك لا يوجد فيها عملاء وخلايا نائمة لجهات أخرى، كما أن أسلوب التفجيرات متشابه مع التفجيرات التي أعلنت (قسد) مسؤوليتها عنها في وقت سابق».

بينما تنفي «قسد» هذه التهم عنها وتوجه اتهامها للأتراك بتنفيذ هذه التفجيرات، حيث قال مدير المركز الإعلامي لقسد مصطفى بالي في تغريدة له على صفحته على موقع «تويتر» أن «التفجيرات جزء من مخططات تركيا الممنهجة لإفراغ المدن وإجبار الناس للهروب وإحداث التغيير الديمغرافي، وكل المناطق المحتلة من قبل تركيا تشهد مفخخات يوميًا، وتركيا تتحمل مسؤوليتها وعلى العالم أن يقتنع بأن ممارسات تركيا لا تختلف عن (داعش)»، وأضاف في تغريدة أخرى أن التفجيرات العشوائية تستهدف السكان الأكراد لتشريدهم من منازلهم، وذلك بعد نهب محالهم التجارية ومنازلهم.

وتواصل «ساسة بوست» مع أحد إعلاميي «قسد» والذي رفض الكشف عن اسمه وطلبنا رأيه في التهم الموجهة لهم قال «التفجيرات تحدث في مناطقنا أيضًا وتستهدف عناصرنا والمدنيين ويقف وراءها تنظيم «داعش»، فلماذا يتم اتهامنا بتفجيرات نبع السلام، حيث أن من يعيش في المنطقة غالبيتهم من الأكراد الذين لن نؤذيهم بأي شكل من الأشكال»، وأضاف: «يقف وراء هذه العمليات إما تنظيم (داعش)، أو الأتراك أنفسهم؛ في سبيل تهجير من تبقى من أهالي هذه المنطقة؛ لتسهيل عميلة التغيير الديمغرافي».

ولسؤال السكان عما يعرفونه من معلومات تؤكد صحة اتهامات «قسد» من عدمها، سألنا أبو ماجد من مدينة سلوك وقال لنا: «غالبية سكان مدينتي هم من العرب والتركمان فقط، كما أن مدينة تل أبيض غالبية سكانها من العرب أيضا ونعم هناك أكراد، ولكنهم أقلية فيها، والاتهام بأن السبب وراء التفجيرات لتهجير الأكراد هو سخيف جدًا؛ لأن غالبية من يسقط هم من العرب، كما أن التفجيرات لا تميز بين كردي وعربي، وصغير وكبير، ومدني وعسكري، الكل مستهدف».

ولم يعترض الصحافي صهيب الجابر على مبدأ ان يكون تنظيم «داعش» وراء تنفيذ هذه العمليات ولكن تساءل: «من يقف خلف إطلاق سراح الدواعش من السجون وفتح لهم الأبواب وهم بالعشرات، وإذا كان النظام السوري من يقف وراء هذه التفجيرات فمن سمح لهم ولروسيا بالقدوم إلى مناطقها، أليست (قسد)؟ إذًا هم يتحملون كامل المسؤولية وراء هذه التفجيرات».

صورة من قرب للوضع.. تحديات وعقبات وتخبط

إذًا ما الذي يدفع أي جهة كانت لتنفيذ هذه التفجيرات في منطقة يفترض أن تكون اسمها منطقة آمنة، يقول الجابر في ذلك «الحرب التي تشنها «قسد» مبنية على فكرة إنهاء الأمن والاستقرار، وقلب اسم المنطقة الى غير آمنة ويسودها الذعر، ورسالة (قسد) لا تختلف عن الرسالة التي يرسلها النظام وروسيا و(داعش)، هم لا يريدون الأمن والأمان للمدنيين».

وفي سبيل الحد من التفجيرات وإنهائها بشكل كامل يؤكد الناطق الرسمي لـ«الجيش الوطني السوري» لـ«ساسة بوست» تشكيل جهازي شرطة مدني وعسكري بعد خضوع العناصر للتدريبات المكثفة على يد ضباط أتراك، مشيرًا أنه تم نشر عناصر الجهازين في مدينتي تل أبيض ورأس العين، هذا بالإضافة للمفارز الأمنية التي ستعمل معًا لضبط الأمن في المنطقة، في حين أشار الجابر أن الحواجز التابعة للجيش الوطني ضبطت العديد من العربات المفخخة كانت قادمة من مناطق «قسد».

وكانت وزارة الدفاع التركية قد أعلنت نشر 41 نقطة مراقبة وتفتيش على الطريق بين منطقتي تل أبيض بريف الرقة ورأس العين بريف الحسكة، ضمن منطقة عملية «نبع السلام»، وقالت: إن قوات من الكوماندوز التركية تشرف على عمليات التفتيش في النقاط بهدف ضمان سلام وأمن المدنيين من أي هجمات بسيارات مفخخة من قبل «قسد»، حيث سيتم استخدام الأجهزة الإلكترونية المتطورة، وأكثر من 47 كلبًا بوليسيًا، موضحةً أنها تسعى إلى زيادة عدد نقاط التفتيش إلى 66 نقطة في المرحلة المقبلة.

وأشار حمود إلى الصعوبات الأمنية التي يواجهها الجيش الوطني وتتمثل بعودة النازحين الى مدنهم وقراهم، وهذا الأمر تسبب بإضعاف الناحية الأمنية بشكل كبير؛ إذ سهل هذا الأمر الاختراقات، حيث يعود الأهالي بسيارتهم وعرباتهم المحملة بالأثاث، وهذه الاختراقات تكون على شكل مفخخات وعبوات لتفجيرها داخل منطقة نبع السلام، حسب حمود.

يضيف حمود «منطقة نبع السلام مستهدفة؛ لأن هناك حدود مفتوحة واسعة وأيضًا هناك نية من الجهات المعادية بضرب استقرار المنطقة، كما أن المنطقة خارجة من صراع عسكري عنيف فمن الطبيعي أن تحتاج بعض الوقت حتى يتم تنظيمها عسكريًا وأمنيًا».

وكانت حادثة التفجير الأخيرة التي وقعت في مدينة سلوك وأدت لمقتل ثلاثة من الجيش التركي، وخمسة من عناصر الجيش الوطني السوري، والتي أظهرت حجم التخبط بين مكونات الأخير وعدم التنسيق فيما بينهم، فقد قام فصيل «أحرار الشرقية» عقب التفجير بمحاصرة مقرات الفرقة 20 الذي اتهمته بأنه أوصل المفخختين إلى مقره في المدينة، الأمر الذي نفته الفرقة في بيان نشرته على صفحتها على موقع «تويتر»، وقالت إن العربتين دخلتا من حواجز الأحرار أنفسهم.

وأكد بيان الفرقة أن من تقف وراء إرسال العربتين هي «وحدات حماية الشعب الكردية»، والتي تمثل العمود الفقري لـ«قسد»، وتمت مرافقة العربتين من قبل سيارات أحد التشكيلات العسكرية المقاتلة في نبع السلام، إلى أن وصلت إلى الموقع الذي انفجرت فيه.

  بيان الفرقة 20 أحد مكونات الجيش الوطني السوري.. المصدر: twitter

وأوضح الحارث رباح، المدير الإعلامي لفصيل «أحرار الشرقية»، في تصريح له على إحدى وسائل الإعلام السورية ما جرى، والذي أظهر عدم التنسيق والتخبط بين مكونات «الجيش الوطني»: «أن سيارتين وصلتا أمس من الرقة الخاضعة لسيطرة (قسد) إلى حاجز التفاحية، والذي يحرسه عناصر من الأحرار عند مدخل مدينة سلوك، حيث شك عناصر الحاجز بالسيارتين وطلبوا من السائقين التوجه معهم إلى مقر القيادة في البلدة، حيث انفجرت السيارتان فور وصولهما إلى المقر، وكان السائقان قد أخبرا عناصر الحاجز أنهما من المكتب الأمني للفرقة 20».

وقال الجابر في هذه الحادثة: إن الشائعة التي انتشرت هي ما تسبب في حالة الانفعال، خاصًة بعد مقتل قيادات وعناصر، وذكر أن الإشكالية انتهت بعد أن استخدام الأتراك كاميرات المراقبة لكشف من المتسبب في هذه الحادثة، وتم معاقبة واعتقال المتساهلين، وتبين أن لا أحد من الفصائل كان ضالعًا في هذه التفجيرات. هذه الحادثة أكدت ما قاله غالبية المدنيين الذين تحدثنا إليهم بأن الملام الأكبر في هذه التفجيرات هو «الجيش الوطني السوري» الذي لم يرتق بعد لحجم المسؤولية المناطة به؛ ما يجعل المنطقة مهددة بمزيد من الموت والدماء. 

وفي المحصلة يقال في المثل الشائع: «إذا أردت أن تعرف من الفاعل فابحث عن المستفيد»، وفي الحقيقة فإن الفاعل معروف، ومن الصعب تغطيته بغربال، ولكن هل «قسد» حقًا مستفيدة منها، أم أن هناك مستفيدين ومحركين آخرين لأحجار الشطرنج كانوا رافضين، وضد التدخل التركي في سوريا، ولا يريدون للمشروع التركي أن ينجح بأية وسيلة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد