لم يكرم الإسرائيليون قائدًا لهم مثلما فعلوا مع ديفيد بن غوريون، فقد أطلقوا اسمه على أهم مطارات العاصمة، وهناك جامعة كبرى باسمه في النقب، كما أطلقت إسرائيل قبل أسابيع اسمه على مشروع قومي لإنشاء قناة مائية تصل بين البحرين الأبيض والمتوسط، فما سر كل هذا التقدير والتبجيل الذي يبديه الإسرائيليون لديفيد بن غوريون؟ ولماذا يحتل مكانة متميزة في قلوب الإسرائيليين أكثر من أي قائد إسرائيلي آخر؟

ديفيد بن غوريون.. «صهيوني» منذ الصبا

ولد ديفيد غرين، الذي سيعرف بعد ذلك ببن غوريون في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1886 في بولندا، التي كانت في ذلك الوقت خاضعة للإمبراطورية الروسية، كان أبوه أحد قادة حركة «عشاق صهيون»، وهي حركة كانت تنشط بين أوساط يهود أوروبا الشرقية الذين كانوا في ذلك الحين يعانون ويلات الاضطهاد في بلدانهم، وتنتشر بينهم الأفكار الداعية للهجرة إلى «وطنهم الأم» بحسب تصورهم في فلسطين.

تشرب بن غوريون الأفكار الصهيونية منذ الصغر، وحين كان في الرابعة عشرة من عمره، أسس مع بعض أصدقائه جمعية تحمل اسم «عزرا» (نسبة إلى زعيم العائدين من السبي البابلي في العصور اليهودية القديمة حيث عاد عزرا إلى أورشليم لإعادة بناء الهيكل حسب التصور اليهودي) كانت تهدف إلى نشر التربية الصهيونية واللغة العبرية بين الشباب اليهود، وحثهم على الهجرة إلى فلسطين.

تأثر بن غوريون بالأفكار الصهيونية التي دشنها ثيودور هرتزل في كتابه «الدولة اليهودية»، وكانت تلهمه مقولة هرتزل «إنك حين تريد فلن يصبح هذا الأمل حلمًا من الأحلام»، وقد عمل بن غوريون على تحويل الأحلام اليهودية التي كانت تطرحها المؤتمرات الصهيونية المتعاقبة إلى حقائق، فانضم إلى الحركة الاشتراكية الصهيونية «عمال صهيون» في سن السابعة عشرة.

وفي عام 1906، قرر ديفيد بن غوريون تحقيق أول أحلامه بالهجرة إلى فلسطين. عمل في البداية مزارعًا في المستوطنات الصهيونية، وقد عانى في البداية من عدة مصاعب، مثل الملاريا والفقر، لكن ذلك لم يثنه عن هدفه، فلم يلبث أن أخذ يدعو العمال إلى تنظيم صفوفهم، ويبث الأفكار الاشتراكية بينهم، ثم ساهم في إنشاء قوة مسلحة أطلق عليها اسم «الحارس» كانت تتولى مهمة الدفاع عن المستوطنات اليهودية، ونشر أبجديات العمل المسلح بين المستوطنين.

انتقل بن غوريون لاحقًا إلى القدس للعمل محررًا في صحيفة «أحدوت»، وبدأ ينشر مقالاته تحت اسم «بن غوريون» وهو اللقب الذي يعني في اللغة العبرية «ابن الأسد»، وقد سافر إلى إسطنبول رفقة صديقين له لدراسة الحقوق، حيث كان يرى أن اليهود بحاجة إلى محامين مؤهلين للدفاع عن حقوقهم والمرافعة عنهم في المحاكم.

عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، نفته الدولة العثمانية مع بعض اليهود الذين تشك في ولائهم عن فلسطين، لكنه تمكن من العودة إليها مرة أخرى بعد انتهاء الحرب. كانت موازين القوى حينئذٍ قد تغيرت في الشرق الأوسط نتيجة الحرب؛ حيث حلت بريطانيا محل الدولة العثمانية، وقررت الحركة الصهيونية الاعتماد على بريطانيا من أجل دعم جهود الهجرة اليهودية إلى فلسطين تمهيدًا لتأسيس الدولة العبرية.

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، أصدرت الحكومة البريطانية «إعلان بلفور» الذي تضمن وعدًا رسميًّا من حكومة صاحبة الجلالة بدعم إنشاء «وطن قومي لليهود في فلسطين»، بعد ذلك بأسابيع قليلة احتل الجيش البريطاني القدس، وكان يرافقه في ذلك فيلق يهودي جرى تدريبه على أيدي الحكومة البريطانية، ومن بين أعضاء هذا الفيلق كان ديفيد بن غوريون.

«عرَّاب» الحركة الصهيونية

بعد عودته إلى فلسطين، بدأ ديفيد بن غوريون العمل الدؤوب على تأسيس نواة تكون الأساس الذي تقوم عليه الدولة اليهودية المنتظرة، فأسس «اتحادات عمال اليهود (الهستدروت)» التي شكلت مركز ثقل اجتماعي واقتصادي وحتى أمني في ذلك الوقت، وقد شغل منصب السكرتير العام له حتى 1935.

كما لعب دورًا في تنظيم الفصائل العمالية المختلفة لتأسيس «حزب العمال الإسرائيلي» عام 1930، ونظرًا إلى نشاطه الملحوظ، فقد اختارته «المنظمة الصهيونية العالمية» مسؤولًا عن النشاطات الصهيونية في فلسطين، ثم بعد ذلك ترأس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، والتي كانت أشبه بحكومة يهودية تتولى تنظيم شؤون اليهود في فلسطين، وتعمل مع الحكومة البريطانية على تنفيذ وعد بلفور، وتنشيط حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستيعاب المهاجرين، وقد احتفظ بن غوريون بهذا المنصب حتى إعلان قيام دولة إسرائيل.

في عام 1939، وتحت ضغط «الثورة الكبرى» التي قام بها العرب ضد إدارة الانتداب البريطاني في فلسطين، وفيما كانت الحرب العالمية الثانية على الأبواب، أصدرت الحكومة البريطانية ما عرف بـ«الكتاب الأبيض» الذي حدَّ من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومن قدرة اليهود على شراء الأراضي.

أثار الإعلان البريطاني الأوساط اليهودية في فلسطين، ونشط بن غوريون يعارض الخطوة البريطانية، لكنه ومع اندلاع الحرب، لم ينجرف إلى العداء لبريطانيا، مثلما فعلت بعض الفصائل اليهودية، بل استمر في دعمه لبريطانيا رغم تحفظه على الكتاب الأبيض، وأعلن استعداده لخوض الحرب إلى جانبها، معلنًا قولته الشهيرة «سنحارب النازيين كما لو لم يكن الكتاب الأبيض موجودًا، وسنحارب الكتاب الأبيض كما لو تكن الحرب مع النازيين موجودة».

يصف ديفيد بن غوريون نفسه بأنه غير متدين، ويعترف بأنه كان ملحدًا في سن الشباب، ولم يكن في أعماقه يبدِي تعاطفًا إطلاقًا مع مظاهر الديانة اليهودية وطقوسها التقليدية، إلا أنه على الرغم من ذلك كان يكثر من استخدام «الحائط المقدس» في كتاباته وأحاديثه، وكانت أول زيارة له إلى ما يسميه اليهود «حائط المبكي» مليئة بالشجون والعواطف، حتى إنه احتاج إلى الراحة بعدها لأسبوع كامل.

 

كان قوميًّا متعصبًا، وكان حلم إنشاء دولة لليهود هو شغله الشاغل، حتى إنه لخص حياته قائلًا: «لا يمكنني تذكر أي فترة في حياتي لم تكن فيها فكرة إقامة أرض إسرائيل هي شغلي الشاغل»، وبحلول نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1947 كان حلم بن غوريون على وشك التحول إلى حقيقة ماثلة للعيان.

أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين واحدة للعرب وأخرى لليهود، مع وضع القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية، جاء ذلك في أعقاب الحرب العالمية الثانية واستعداد بريطانيا لإنهاء انتدابها في مستعمراتها السابقة، ومنها فلسطين التي كانت على فوهة بركان لسنوات طويلة سابقة، بسبب استمرار اليهود في الهجرة بأعداد كبيرة إلى فلسطين في حين كان العرب يرفضون ذلك ويقفون له بالمرصاد.

رفض الفلسطينيون والدول العربية قرار التقسيم، فيما رحب به اليهود، واندفعت العصابات اليهودية إلى فرض قرار التقسيم بالقوة، حيث شنت هجومًا على القرى والمدن الفلسطينية وهجَّرت أعدادًا كبيرة من السكان، وفي مايو (أيار) 1948 وضع ديفيد بن غوريون بنفسه نص إعلان استقلال إسرائيل وأعلن قيام الدولة العبرية التي تمتعت منذ اللحظات الأولى باعتراف القوى العظمى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

ديفيد بن غوريون رئيسًا لوزراء إسرائيل

ديفيد بن غوريون، الذي اختار لقبه تيمنًا باسم جوزيف بن غوريون أحد القادة العسكريين لليهود إبان الحرب اليهودية الرومانية في العصور القديمة، كان القائد العسكري للدولة اليهودية الوليدة في أصعب لحظاتها، حينما خاضت حربًا متعددة الجبهات ضد الجيوش العربية التي اندفعت لتحرير فلسطين عام 1948، لكن القوات اليهودية بزعامة بن غوريون تمكنت من هزيمة العرب وتثبيت أقدام الدولة الجديدة.

اختير ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل، ووزيرًا للدفاع، حيث يرجع إليه توحيد وتنظيم الفصائل والعصابات اليهودية المسلحة ضمن إطار جيش واحد سمي بـ«قوات الدفاع الإسرائيلية»، كما تغلبت حكومته على الكثير من العقبات أهمها استيعاب هجرة أعداد كبيرة من اليهود من شتى أنحاء العالم وتوطينهم في إسرائيل، فضلًا عن وضعه أسس النظام التعليمي والإداري والاقتصادي للدولة الجديدة.

ظل بن غوريون رئيسًا للوزراء حتى أعلن نيته اعتزال الحياة السياسية عام 1953 «بسبب شعوره بالإرهاق بعد سنوات طويلة من العمل العام»، لكنه عاد إلى الحكومة عام 1955 عبر منصب وزير الدفاع، ثم ما لبث أن أعيد انتخابه رئيسًا للوزراء، في تلك الأثناء عمل بن غوريون على التقرب من فرنسا التي كانت علاقاتها مع مصر متوترة بسبب دعم الرئيس المصري جمال عبد الناصر للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، وحين أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس عام 1956 أمر بن غوريون الجيش الإسرائيلي بالاشتراك في حملة ثلاثية مع بريطانيا وفرنسا للهجوم على مصر.

استقال بن غوريون من الحكومة مجددًا من الحكومة عام 1963 بسبب تداعيات فضيحة لافون (وهي عملية استخباراتية إسرائيلية فاشلة تضمنت محاولات لتنفيذ أعمال تخريبية ضد المصالح الأمريكية والبريطانية في مصر، من أجل تدمير العلاقات بين مصر والقوى الدولية، وتمت خلال شهور اعتزال بن غوريون الأولى)، رغب بن غوريون في لجنة تحقيق قضائية حول الفضيحة، وهو ما كان يرفضه حزب مباي، وقد حاول ديفيد بن غوريون العودة مجددًا إلى الحياة السياسية عبر تأسيسه حزبًا معارضًا أطلق عليه اسم «رافي»، ولكنه فشل في تحقيق نتائج مرجوة في الانتخابات، فيما بقي بن غوريون نفسه عضوًا بالكنيست حتى عام 1970 حين اعتزال الحياة العامة، وعكف على كتابة مذكراته حتى وفاته عام 1973.

حاول بن غوريون خلال فترات رئاسته للوزراء فتح قنوات للتواصل مع الدول العربية خاصة التي تتمتع بحدود مجاورة لإسرائيل، لكنه لم يفلح في ذلك، ولعله كان يريد «سلامًا مجانيًّا»، فقد تبنى آراء متشددة تجاه العرب، فكان يرفض الانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل، وبعد أن قامت القوات الإسرائيلية باحتلال مدينة القدس عام 1967 عبر بن غوريون عن فرحته بالقول: «هذه أعظم لحظة في حياتي منذ أن جئت إلى إسرائيل».

كان بن غوريون، وهو يسعى إلى تنمية وتقوية دولته الوليدة، لا ينسى أن مشروع إسرائيل لا يعتمد فقط على جهود اليهود وتوحدهم، بل يتطلب أيضًا ضعف الهمم العربية وتشرذمها، ومن أقواله إن «عظمة إسرائيل تكمن في انهيار ثلاث دول، مصر والعراق وسوريا». كما كان يقول أيضًا: «إننا نعيش في محيط سُنِّي؛ ولذلك على إسرائيل أن تجند الأقليات العرقية والمذهبية في المنطقة المحيطة لخدمة المصالح الإسرائيلية»، وقد ظلت «عقيدة التحالف مع الأطراف» التي طورها بن غوريون أحد محددات السياسة الخارجية الإسرائيلية لعقود طويلة.

تاريخ

منذ شهر
من رمز في المعابد المصرية القديمة إلى علم لإسرائيل.. ماذا تعرف عن «نجمة داود»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد