«إن علينا نحن عرب فلسطين الاعتماد على أنفسنا، وعلى إمكاناتنا الذاتية، لا ننتظر حتى تهبط علينا النجدات من السماء، ولا حتى تصلنا من وراء الحدود»

* الشيخ عز الدين القسام

إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والتي عُرفت باسم «انتفاضة الحجارة»، وزعت «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» بيان تأسيسها الأول عام 1987، ولم تمضِ سنوات قليلة حتى احتلت الحركة مكانة بارزة في المشهد الفلسطيني، واليوم صار جناحها العسكري أكثر الفصائل الفلسطينية قوة وتسليحًا وتأثيرًا، ويسيطر على قطاع غزة بالآلاف من المقاتلين الذين يؤرّقون إسرائيل بهجماتهم وصواريخهم في كل جولة من العدوان.

واختارت حركة «حماس» لذراعها العسكري اسمًا خالدًا في الذاكرة الفلسطينية، هو «كتائب الشهيد عز الدين القسام»، فالشيخ القسام كان أول من رفع السلاح بوجه الانتداب البريطاني، وأبرز من حذَّر من خطر الهجرة اليهودية والاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وبرغم أن الشيخ لم يعمّر طويلًا، إلا أن شبحه لا يزال يطارد الإسرائيليين حتى اليوم عبر الذراع العسكري لـ«حماس»، كتائبُ القسام التي لا تكف عن مفاجئة قادة تل أبيب.

القسام في الأزهر الشريف

على متن قارب صيدٍ انطلق من جزيرة أرواد على الساحل السوري، إلى مدينة الإسكندرية المصرية، وقفَ الفتى عز الدين ليودع والده الشيخ عبد القادر مصطفى القسام، فبعد 14 عامًا قضاها الفتى في بلدة جبلة، التابعة لمدينة اللاذقية السورية، وترعرع فيها في أحضان أسرة تفتقر إلى المال ولكن لا تفتقر إلى المكانة التي استمدتها من اشتغال أبنائها بالفقه والعلم الشرعي، حانَ الوقت ليبدأ عز الدين مرحلة جديدة من حياته، فنسّق له أبوه السفر إلى مصر ليلتحق بالأزهر الشريف لتلقي العلم.

مكثَ عز الدين في مصر 10 سنوات، عكف فيها على طلب العلم من شيوخها، وفي مقدمتهم الشيخ محمد عبده، والشيخ رشيد رضا، وتفتّح وعيه على العالم الخارجي الأوسع من القرية، وتأثر بالأصوات المقاوِمة للاحتلال البريطاني الذي كان قد استعمرَ مصر آنذاك، ومن المرجح أن الشيخ السوري تأثّر بأفكار الشيخ رضا في فترة إقامته في مصر، ومن الجدير بالذكر أن رشيد رضا أيضًا من الشام، تحديدًا من القلمون في لبنان.

الشيخ عز الدين القسام

عادَ الشيخ القسام بعد ذلك إلى قريته السورية، مسلحًا بالعلم والحماسة، ومشبعًا بالروح التحررية ورفض الاستعمار، وتولى الشيخ خطبة الجمعة في أكبر مساجد البلدة وذاع صيته ولم يمض وقت طويل حتى وصلت أنباء احتلال إيطاليا لليبيا، ورغم بعد المسافة بين البلدين إلا أن الشيخ الذي تعلم في الأزهر أن «الأمة كالجسد الواحد»، مضى ينشر في أهل قريته روح المقاومة، وأخذ يحث الناس على مقاومة المحتلين للبلاد الإسلامية، حتى أنه جهز 250 متطوعًا من أهل القرية، حاول أن ينتقل بهم إلى ليبيا ليشارك في حركة المقاومة ضد المحتل الإيطالي، ولكن السلطات العثمانية منعته من المضي قدمًا في ذلك.

شهدَ العالم العربي في تلك الفترة تحولات كبيرة، من أبرزها الانتفاضة التي قادها شريف مكة، الشريف الحسين بن علي، بتنسيق ودعم بريطانيّ، ضدّ العثمانيين في الحجاز والشام، فيما أسماه الشريف بـ«الثورة العربية الكبرى»، وجاء هذا التحرك في خضم الحرب العالمية الأولى في عام 1916، بين دول الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وروسيا) من جهة، ودول المركز (ألمانيا والنمسا وبلغاريا والدولة العثمانية) من جهة أخرى، وبانتهائها انهارت الدولة العثمانية وفرضت قوى الاستعمار حكمها على معظم العالم العربي.

عز الدين القسام يلبي نداء «الجهاد» ضد الفرنسيين

استعمر البريطانيون العراق وفلسطين و«إمارة شرق الأردن»، وأجزاءً واسعة من الخليج العربي، واستعمر الفرنسيون لبنان وسوريا منذ 1920، وبعد أن أخمدت محاولات تأسيس دولة عربية مستقلة تحت حُكم الأمير فيصل ابن الشريف الحسين، أراد الاستعمار الفرنسي أن تكون سيطرته على سورية سلسة بلا متاعب، وحاول الضغط على الملك فيصل للقبول بذلك، ولكن السوريين كان لهم رأي آخر، ومن بينهم عز الدين القسام.

تألفت في أنحاء البلاد المختلفة عدة جماعات شعبية «للجهاد»، سميت هذه الانتفاضة بـ«ثورة الشمال السوري»، وكان أبرز وجوهها الزعيم إبراهيم هنانو، أحد زعماء الثورة، وكان ينسق مع مجموعة من المشايخ والثوار في مناطق مختلفة من البلاد، ومن بين هؤلاء كان المجاهد عمر البيطار، الذي كان يقود سرية من الثوار في منطقة الحفة الجبلية ذات الموقع الحصين قرب اللاذقية.

ولم يتأخر القسام عن تلبية نداء الواجب، بل كان في طليعة الثوار، وباع بيته وممتلكاته واشترى 24 بندقية، ذهب بها مع مجموعة من أتباعه للانضمام إلى جماعة عمر البيطار، وحاول الفرنسيون إغراء الشيخ فبعثوا إليه يعدونه بإسناد منصب القضاء إليه إن تخلى عن الثورة والثوار، فكان رده الرفض القاطع، ونتيجة لإصراره وتحديه، حكم عليه الفرنسيون مع مجموعة من رجاله بالإعدام.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
«الملثَّم أبو الكوفية».. أبو عبيدة لسانُ كتائب القسام ووجه المقاومة الفلسطينية

وفي يوليو (تموز) 1920 وقعت معركة «ميسلون» الحاسمة، التقى فيها الجيش السوري بقيادة وزير الحربية يوسف العظمة مع قوات الاستعمار الفرنسي بقيادة الجنرال هنري كورو، ورفضَ العظمة الإذعان للطلب الفرنسي بالتسلبم والقبول بالانتداب لتمضي المعركة قدمًا، وكان عدد الجنود السوريين ثلاثة آلاف، في مقابل تسعة آلاف جندي فرنسي، مزودين بأحدث الدبابات والطائرات والمدافع الثقيلة، فكان النصر من نصيب الفرنسيين ودخلوا دمشق في اليوم التالي.

تمكَّن الفرنسيون من إخماد الثورة الشعبية المُندلعة في مناطق متفرقة من البلاد، فقُبض على إبراهيم هنانو وأحيل للمحاكمة، وخرجَ عمر البيطار إلى تركيا مع من تبقى من مقاتليه، أما الشيخ القسام فانتقل إلى دمشق ومنها إلى فلسطين، بعد أن ظل يقاتل الفرنسيين نحو عام كامل، تعلم فيه الكثير عن الثورة وكيف يجب أن تكون، وأهمية التخطيط والتدبير السياسي والعسكري لها، وضرورة تعبئة الجماهير واستثارتها لتكون عمقًا شعبيًا لها، وأدرك الحاجة إلى وجود تنظيم قوى لإعداد المقاتل روحيًا وجسديًا عسكريًا.

القسام يحط رحاله في فلسطين

قبل عامٍ من انتهاء الحرب العالمية الأولى، كتب وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور في نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 رسالةً لأحد زعماء الحركة الصهيونية في بريطانيا، البارون إدموند روتشيلد، جاء فيها أن «حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية»، وقد عرفت هذه الرسالة باسم «وعد بلفور».

جاءت خطوة الوزير البريطاني استجابةً للضغوط الصهيونية، بالإضافة لرغبة الحكومة الإنجليزية في الحصول على دعم الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة للضغط على أمريكا لدخول الحرب إلى جانب بريطانيا، وقد كان هذا التعهد البريطاني أحد المحطات المهمة في طريق خلق «دولة إسرائيل»، وكان واحدةً من الوثائق السياسية التي استندت إليها شرعية الهجرة اليهودية والمساعي الصهيونية لاحقًا، ووضعت الخط العام لسياسات الاستعمار في فلسطين، ليكون هدفها النهائي إنشاء دولةٍ لليهود.

صدرَ وعد بلفور أثناء قتال البريطانيين للسيطرة على فلسطين، ونجحوا باحتلال القدس، ودخلها الجنرال الإنجليزي إدموند ألنبي في ديسمبر (كانون الأول) 1917، لتصبح فلسطين منذ ذلك الحين تحت الاستعمار البريطاني، وجاء في صكّ الانتداب صراحةً أن بريطانيا ستكون مسؤولة عن وضع البلاد «في أحوال اقتصادية وإدارية وسياسية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي».

وفي سبيل إنفاذ وعدها، شجعت سلطات الانتداب البريطانية هجرة اليهود إلى فلسطين، وقدمت تسهيلات لليهود لامتلاك الأراضي ورفعت من قيمة الضرائب على الأراضي العربية للضغط على أصحابها ليضطروا لبيعها، وساعدت سياسات الهجرة على زيادة عدد اليهود في فلسطين بشكل مطرد لم تشهد له البلاد مثيلًا، إذ بلغ عدد المهاجرين بين عامي 1933 و1938 نحو 174 ألفًا، واتسع نطاق الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها بدعم بريطاني.

في هذا السياق انتقل الشيخ عز الدين القسام إلى مدينة حيفا احتماءً من الاستعمار الفرنسيّ، وقوبل بترحيب من أهل حيفا الذين عرفوا سيرته في النضال ضد المحتل الفرنسي، وبدأ عمله بالتدريس والخطابة، وساهم في تأسيس «جمعية الشبان المسلمين» هناك، وحظي الشيخ بشعبية كبيرة اتسعت يومًا بعد يوم، بسبب أسلوبه الخطابي وحديثه مع العمّال والفلاحين الفلسطينيين بشكل خاص، وهم أكبر شرائح المجتمع الفلسطيني آنذاك، وبدأ الناس من مناطق مختلفة في فلسطين يأتون لـ«جامع الاستقلال» الذي يخطب فيه الشيخ للاستماع لأفكاره، وأهمها: السلاح هو الحل لطرد المستعمر البريطاني.

لا صوت يعلو فوق صوت المقاومة

أدرك القسام منذ نزوله أرض فلسطين عظم الخطر الصهيوني، والدور الذي تلعبه سلطات الانتداب البريطاني في تعزيزه، ودعا في خطبه إلى استقبال اليهود المستوطنين «كعدو لا كمهاجر أو ضيف»، وهاجم السماسرة والقلة التي تبيع الأراضي لليهود، وخلف الخُطب والمنابر، حضّر القسام نفسه لقيادة «عمل سري» أكثر أهمية وخطورة، فقد كان يدرك من تجربة الثورة السورية أهمية التخطيط والتنظيم المحكم، وأهمية عنصر السرية في ذلك كله حتى لا يغتال الاستعمارُ الثورة مبكرًا.

عمدَ القسام إلى تكوين خلايا ممن التفوا حوله وأيّدوا أفكاره ووجد فيهم القدرة على العمل، وزار عددًا من القرى والمدن الفلسطينية للحشد، وقسّم تنظيمه إلى وحدات، فجعل وظيفة البعض شراء السلاح، ووظيفة آخرين جمع المال، وآخرين للاستطلاع ومراقبة العَدُوَّين البريطاني والصهيوني.

وقد وصل عدد أعضاء عصبة الشيخ القسام إلى 250 عنصرًا، وأطلق على العصبة اسم «الجهادية»، وجعل لها مجلسًا قياديًا من 12 عضوًا، ومن كل ذلك نستكشف العقلية الاحترافية للشيخ الذي تعلم من تجربة الثورة السورية المُجهضة، وأراد لتجربته الجديدة أن تتفادى الأخطاء السابقة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
«رجل المستحيل».. لماذا أطلقت حماس اسم يحيى عياش على أخطر صواريخها؟

وكانت باكورة العمليات الفدائية للقساميين في عام 1931، بدؤوها بمهاجمة المستوطنات الصهيونية، ونصب الكمائن للمستوطنين، والهدف الأساسي وقف الهجرة اليهودية، ولاحقت العصبة «العملاء» الذين يتجسسون لصالح المخابرات البريطانية للانتقام منهم، ولكن نشاط المجموعة توقف بعد فترة قصيرة، بعد أن تسرب للبريطانيين بعض أسرار التنظيم، واستمرت حالة التجميد هذه حتى قرب نهاية عام 1935.

وبحلول عام 1935، كانت أسباب الثورة قد اكتملت، بعد أن بلغ الغضب الشعبي الفلسطيني ذروته على إثر تزايد موجات الهجرة اليهود، وساهم حدثٌ صغير في إشعال الغضب العربيّ: اكتشف في ميناء يافا شحنةُ أسلحة ضخمة لإمداد العصابات الصهيونية، وكشفت هذه الشحنة عن حجم الاستعدادات الصهيونية وطبيعتها وحفّزت الناس لجمع السلاح، ومع خوف الشيخ عز الدين القسام من هجمة بريطانية – صهيونية ضد تنظيمه، قرّر الخروج بثواره إلى النور، بعد أن طاف عددًا من المدن والقرى ليهيئ البلاد للانتفاضة.

القسام يزعج الإنجليز حيًّا وميتًا

خرج الشيخ عز الدين القسام مع مجموعة من مقاتليه من مدينة حيفا، متوجهًا إلى جنين، وأقاموا في مغارة تقع في أحد جبال قرية نورس، وأثناء تواجدهم هناك اغتال أحد عناصر القسام حارسًا بريطانيًا يهوديًا يُدعى روزفلت، وهو الحادث الذي كشف أمر الجماعة، واستطاعت قوات الاستعمار تحديد مكان المجموعة ليبدأ حصارها بعدد قوات كبير في منطقة أحراش يعبد.

وزّع القسام جنوده في مواقع حصينة بين الصخور العالية والأشجار الكثيفة، وأمر رجاله بإطلاق النار على الإنجليز وتجنب استهداف أفراد الشرطة العرب الذين جعلهم الإنجليز في مقدمة القوة المهاجمة، وانتقل الشيخ بجنوده من موضع إلى موضع بين الأشجار الكثيفة، واستبسل القسام في القتال، فكان يستخدم مسدسًا وبندقية بالتناوب، كما رفض الدعوات التي وجهها له قائد القوة البريطانية المهاجمة بالاستسلام.

صورة لقبر الشيخ عز الدين القسام. مصدر الصورة: ويكي

انتهت معركة يعبد باستشهاد القسام، وسقوط جنوده بين قتلى وجرحى، كانت تلك أول معركة عسكرية مباشرة يخوضها العرب ضد الإنجليز منذ إعلان الانتداب البريطاني على فلسطين، وقد دقَّت نواقيس الخطر لدى السلطات البريطانية، وكتبت الصحف الإنجليزية أن «كفاح العرب الحقيقي في سبيل التحرير قد بدأ فعليًا بقيام حركة القسام».

ولكن استشهاده دقّ نواقيس الخطر عن العرب أيضًا، وسبّب ما حصل معه صدمةً نفسية في عموم فلسطين، وضّحت للناس أن دعوى القسام للقتال المسلّح تُخيف الاستعمار البريطانيّ، ولم تمض شهور قليلة حتى انطلقت «الثورة الفلسطينية الكبرى» عام 1936، والتي انتفض فيها العرب ضد الإدارة الاستعمارية البريطانية، وطالبوا بوقف حركة موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ما اضطر الإنجليز تحت الضغوط العربية إلى إصدار «الكتاب الأبيض» عام 1939، محددًا للسياسة البريطانية في فلسطين الانتدابية، وفيه تم تقليص أعداد الهجرة اليهودية لفترة قصيرة.

وعن تأثير القسام في تلك الثورة يقول المؤرخ عمر أبو النصر: «إن الثورة لم تبدأ في أبريل (نيسان) 1936، بل بدأت يوم تشييع القسام، يوم رأينا حيفا تضطرب في موجة حزن، وتجتمع في عرش ميت، وتخرج بأعلامها وراياتها وأحزانها، ونسائها وشيوخها وشبابها، وتضع هذا كله على بضعة أشبار من الأرض استراح إليها بطل (هو عز الدين القسام)».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد