تحظى جولدا مائير باحتفاء في العالم الغربي نظرًا لكونها أول سيدة تعتلي منصب رئيسة وزراء إسرائيل، كما تظهرها بعض التقارير في صورة إنسانية ناصعة؛ تساعد مهاجري اليهود وتجمع التبرعات للضحايا، وهي صورة مختلفة لما نعرفه في العالم العربي عن جولدا مائير التي اقترن اسمها بقيام بحربي عامي 1967 و1973، إذ كانت واحدة من أشرس وأقوى الشخصيات الإسرائيلية حين كان النزاع العربي الإسرائيلي في ذروته.

وفي السطور التالية، نلقي نظرة أكثر عمقًا على جولدا مائير التي تولت منصب رئيسة وزراء إسرائيل في فترةٍ شائكة بين نكسة (حزيران) عام 1967 وحرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973. وعلى الدور الذي لعبته في قيام دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية.

تنفست نفيًا وشتات.. هكذا اختلقت جولدا مائير لنفسها وطنًا

التزمت جولدا مائير طوال حياتها بالقضية الصهيونية ومنذ سن صغيرة، وقد تناولت في مذكراتها التي نُشرت بعنوان «حياتي» كيف تمحورت حياتها حول إيجاد وطن موحد لليهود، حتى أصبح حلم الهجرة إلى فلسطين يداعب أفكارها، فانضمت إلى «الحزب الصهيوني العمالي» وهي ابنة السابعة عشر، على الرغم من أن شروط السن للعضوية كانت محددة بـ18 عامًا فما فوق.

«تعاظم إيماني بأنني باعتباري يهودية أنتمي إلى فلسطين، وباعتباري صهيونية عمالية أستطيع أداء واجبي في تحقيق أهداف المساواة الاجتماعية» *هذا ما قالته جولدا مائير في مذكراتها عن بداية رغبتها في الهجرة إلى فلسطين.

فقد كانت جولدا مائير ابنة لعائلة روسية فقيرة، ولدت عام 1898؛ وفي السنوات الأولى من حياتها اضطرت عائلتها للهجرة من روسيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية هربًا من الفقر عام 1906، فعاشت فيها جولدا مائير حتى موعد هجرتها إلى فلسطين عام 1921.

وعلى الرغم من أن الفترة التي عاشت فيها جولدا مائير في روسيا لم تكن كبيرة، فإنها كانت شديدة التأثير عليها، ففي روسيا أواخر القرن التاسع عشر اضطهد القيصر نيقولا الثاني اليهود، وألقى باللوم عليهم فيما تعانيه بلاده من مشكلات، وهو الأمر الذي جعله يسن قوانين قاسية تتحكم في الأماكن التي يعيشون بها وطريقة حياتهم.

فشهدت معاناة عائلتها من تلك القوانين التي اضطرت أسرتها للانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تابعت جولدا مائير دراستها في مدرسة للمعلمين، وعاشت في مدينة «دنفر» مع شقيقتها أثناء الدراسة عام 1912، وهناك تعرفت على مجموعات اليهود المهاجرين، وبدأت في التعرف عن قرب على الحركة الصهيونية، التي تحكي عنها في مذكراتها برومانسية على اعتبار أنهم «متمردون ضد منظومة قاسية» وهو ما جعلها في النهاية تتبنى رؤيتهم المتحورة حول حق اليهود في أرض فلسطين التي اعتبرتها منذ ذلك الحين وطنها الحقيقي.

Embed from Getty Images

جولدا مائير

وفي منزل شقيقتها، تعرفت جولدا مائير إلى موريس مايرسون الذي سيصبح فيما بعد زوجها، وقد نشأت بين الاثنين علاقة حب واتفقا على الزواج والهجرة إلى فلسطين، وفي عام 1915، انضمت جولدا وهي في السابعة عشر من عمرها إلى «حزب عمال صهيون»، والذي كان يشترط التزام أعضائه بالهجرة إلى أرض الميعاد. 

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت موجة العنف ضد اليهود قد وصلت إلى محطات خطيرة في أوروبا، وحينذاك عملت عائلة جولدا مائير في «جمعية الإغاثة اليهودية»، وقد أصبح منزلهم مقصدًا لتجمع الأعضاء البارزين في الجالية اليهودية؛ وشاركت جولدا مائير وقتها في جمع التبرعات لليهود الأوروبيين من ضحايا الحرب.

وقد جعلتها تلك الظروف تعتقد أن لليهود حق في أرض فلسطين حتى يتخلصوا من شتاتهم في الأوطان التي جاءت منها موجات المهاجرين اليهود إلى الأراضي الفلسطينية، كي يستعيدوا ما يسمى بـ«أرض الله الموعودة للشعب اليهودي» حسب الفكر الصهيوني.

وتشير جولدا مائير في مذكراتها إلى أن زوجها لم يكن مقتنعًا في البدء بفكرة الهجرة إلى فلسطين، لكنها هي التي ضغطت عليه من أجل اتخاذ هذه الخطوة، لبدء حياتهما معًا في وطن اليهود الجديد، وبالفعل وصلت جولدا مائير إلى فلسطين عام 1921، وهي وعمرها 23 عامًا، بصحبة زوجها موريس مايرسون.

جمعت التبرعات للقضية الصهيونية.. هكذا ساهمت جولدا مائير في بناء إسرائيل

تصف جولدا مائير الفترة المبكرة من حياتها بأنها معاناة من الشتات، إذ لم تستطع أن تجد في «الحلم الأمريكي» وطنًا بديلًا، وقد صرحت في مذكراتها بأنها اعتبرت «وعد بلفور» عام 1917 انتهاءً لمرحلة «نفي اليهود»، وبعد هجرتها إلى ما أسمتها «أرض الميعاد» عام 1921 مع موجة الهجرة الثانية لليهود؛ استقرت في إحدى مستوطنات المهاجرين في مدينة تل أبيب، وقد برز من بين هذا الجيل الثاني من مهاجري اليهود العديد من الشخصيات التاريخية الهامة التي ساهمت في بناء دولة إسرائيل، وبالطبع كانت بينهم جولدا مائير.

وانتقلت مائير وزوجها فيما بعد إلى إحدى القرى التعاونية الإسرائيلية في شمال فلسطين، والتي يطلق عليها «الكيبوتس»، وتمتاز بالعمل التعاوني بين أفراد هذا المجتمع الصغير لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وقد اعتبرت الحياة داخل هذه المزارع «شاقة للغاية» لما يتطلبه ذلك من مجهود بدني كبير.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
جاسوسات فوق العادة.. 3 نساء عربيات قدمن خدمات جليلة للموساد

في ذلك الوقت امتازت جولدا مائير بخطبها الرنانة التي ألهبت القلوب، وقد اختارها أعضاء الكيبوتس لهذا السبب كي تمثلهم في «مؤتمر الكيبوتس الأول» عام 1922، وقد كان لجولدا مائير موهبة في الخطابة وكاريزما، وهي الموهبة ذاتها التي استطاعت من خلالها جمع التبرعات لإسرائيل.

إذ لعبت جولدا مائير أدوارًا حيوية في دعم دولة إسرائيل، بما في ذلك جمع أموال التبرعات لنصرة القضية الصهيونية، وذلك حتى عام 1948، عندما أعلنت إسرائيل استقلالها عن الاحتلال البريطاني لفلسطين؛ وقد كانت جولدا مائير من بين 25 شخصية هامة في إسرائيل توقع وثيقة الاستقلال.

واستطاعت جولدا مائير في هذه الأثناء جمع ما يقرب من 500 مليون دولار من اليهود المقيمين في الولايات المتحدة لمؤازرة إسرائيل في حرب 1948 ضد العرب؛ وقد استخدمت تلك الأموال في شراء الأسلحة والمعدات الحربية، وكان هذا واحدًا من ضمن الأسباب التي جعلت اسم جولدا مائير يلمع في سماء الحياة السياسية الإسرائيلية.

Embed from Getty Images

جولدا مائير

ولم تتوقف مائير عن العمل السياسي طوال 25 عامًا منذ وصولها إلى فلسطين وحتى إعلان قيام دولة إسرائيل، إلا خلال فترة وجيزة أنجبت فيها طفليها مناحيم وسارة بين عامي 1924- 1926، وعقب ولادتهما انتقلت إلى مدينة القدس وعادت للانخراط في السياسية، وفي هذا الوقت عُرض عليها منصب سكرتيرة مجلس العمل النسائي في «اتحاد العمال اليهود بفلسطين» عام 1928.

وهناك عملت مائير على برامج لتعليم نساء اليهود زراعة الأراضي وخلق بيئة عمل مناسبة لهن، وقد تطلب هذا العمل منها سفرًا متكررًا للولايات المتحدة وبريطانيا، ولم يكن هناك سبب في تلك المرحلة بإمكانه أن يثني جولدا مائير عن العمل السياسي، حتى مرض ابنتها سارة في عام 1932، والذي احتاج منها السفر للعلاج في نيويورك اتخذته مائير فرصة للعمل في الولايات المتحدة سكرتيرة في «منظمة النساء الرائدات» بأمريكا، وهناك ألقت خطبها الرنانة لكسبِ دعم الأمريكان للقضية الصهيونية.

«توسلت للفلسطينيين على شواطئ حيفا للبقاء».. هكذا زيّفت جولدا مائير حقيقة النكبة

كانت مائير من الجيل الذين قامت على أكتافهم دولة إسرائيل، خاصةً بعد بدء الحرب العالمية الثانية التي شهدت اضطهاد هتلر لليهود ووضعهم داخل معسكرات الاعتقال والتعذيب، حينذاك تدفقت موجات الهجرة اليهودية إلى أراضي فلسطين بأعدادٍ غير محدودة، وهو ما أثار مشاعر العرب الفلسطينيين، وجعل بريطانيا تضع قيودًا على هجرة اليهود إلى هناك.

وقتها بدأت جولدا مائير وبعض القادة اليهود البارزين في تكوين حركة مقاومة سرية ضد البريطانيين في فلسطين، وهي منظمة «الهاجانا»، وقد لعبت جولدا مائير حينها دورًا في مساعدة المهاجرين اليهود غير الشرعيين وتوطينهم في أرض فلسطين، وهو ما اعتُبر حينذاك «دورًا في مقاومة الاحتلال البريطاني» وتحكي مائير في مذكراتها كيف تمكنت تلك الحركة السرية حينها من إنهاء الوجود البريطاني في فلسطين.

وفي تلك الأثناء صدر قرار اللجنة الخاصة للأمم المتحدة بمطالبة بريطانيا إنهاء وجودها في فلسطين، على أن تُقسّم البلاد إلى دولة عربية ودولة يهودية، وهو القرار الذي صادق عليه غالبية أعضاء الأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1948، وفي المقابل رفضت الدول العربية قرار الأمم المتحدة بقيام دولة إسرائيل، وشجبت «جامعة الدول العربية» القرار، وانتهى الأمر باندلاع حرب 1948 بين الجيوش العربية والحركات الصهيونية، بعدما أعلنت بريطانيا إنهاء سيطرتها على فلسطين عام 1948.

حينذاك أدركت مائير أن قيام دولة لليهود في فلسطين يحتاج إلى المال والأسلحة، وهو ما دفعها للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل جمع التبرعات بهدف إقامة دولة إسرائيل؛ وقد استطاعت بخطبها العاطفية أن تستميل قلوب اليهود الأمريكان، لتجمع 50 مليون دولار لإسرائيل في ستة أسابيع.

وفي مذكراتها، تحدثت جولدا مائير عن العرب عامةً والفلسطينيين خاصةً عندما أشارت إلى مرحلة هجرة العرب من فلسطين عقب حرب 1948؛ إذ تحكي مائير بالنبرة العاطفية، التي تميزت بها خطبها عامةً، عن توسلها على شواطئ حيفا للمهاجرين العرب للبقاء، وقد كتبت مائير تلك المذكرات وهي تستهدف القارئ الأمريكي والأوروبي على وجه التحديد، بحسب مقدمة ممدوح رضا للنسخة العربية للكتاب، وهو رئيس تحرير مؤسسة التعاون التي قامت بنشر النسخة المترجمة من مذكراتها.

وتدرجت مائير في المناصب الحكومية من سفيرة لدى الاتحاد السوفيتي إلى وزيرة في حكومة بن جوريون، وبحلول عام 1956 كانت جولدا مائير وزيرة الخارجية للدولة الإسرائيلية الناشئة، وفي ذلك الوقت كان المشهد السياسي في الدول العربية قد تغير عن السنوات الفائتة، بعدما قامت عدة ثورات ضد الاحتلال البريطاني، نتج عنها انتهاء الوجود البريطاني ببعض الدول، مثل مصر التي أصبحت جزءًا من النزاع العربي الإسرائيلي؛ ويعد قرار «تأميم قناة السويس» للرئيس المصري جمال عبد الناصر أول اشتباكٍ حقيقي لجولدا مائير في السياسة الخارجية أثناء عملها وزيرة الخارجية، لتقود بعدها أعنف المعارك الدبلوماسية ضد العرب.

وبعد العدوان الثلاثي على مصر من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا نتيجة تأميم قناة السويس، كان الفدائيون العرب يواصلون مقاومتهم للعدوان الإسرائيلي، لكن على الرغم من أن إسرائيل كانت الجانب المعتدي على مصر، تشير جولدا مائير في مذكراتها إلى الفدائيين العرب وكأنهم متربصين بدولة إسرائيل يلقون الدعم والتدريب في مصر ولديهم جبهات في مختلف الدول العربية، فتقول: «كانت هجماتهم تتعارض مع اتفاقيات الهدنة»، في إشارة إلى بدئهم بالهجوم. 

Embed from Getty Images

جولدا مائير

فقد أظهرت جولدا مائير المقاومة العربية للاعتداءات الإسرائيلية في صورة المتربص بالدولة الجديدة الناشئة، وأن إسرائيل كيان ضعيف وهزيل يحيط بها الكارهين من كل اتجاه، ولا يقبلون إلا بفناء شعبها، وكانت هذه هي النبرة المعتادة لرئيسة الوزراء الإسرائيلية في مخاطبة القارئ الغربي على طول المذكرات التي صورت فيها المستوطنين اليهود في صورة المغلوبين على أمرهم، مجرد أشخاص يريدون العيش بسلام وسط عرب فلسطين؛ في حين يحيط العرب المعادين لدولة إسرائيل بهم من كل جانب.

ربما يفسر ذلك نبرة التعاطف التي تتحدث بها التقارير الأجنبية عن شخصية جولدا مائير باعتبارها شخصية إنسانية ساعدت الكثير من المهاجرين اليهود، وجمعت التبرعات لمساعدة الضحايا طوال فترات الحرب، لكن هذا الجانب الإنساني من شخصيتها لم يتسع ليشمل انتهاكات العدوان الإسرائيلي على العرب.

إذ لم ترَ جولدا مائير للعربِ حقًا في أرض فلسطين، بل رأتها، مثل كل الحركات الصهيونية «أرض صهيون»، التي يتوق أبنائها للعودة إليها بعد الشتات الطويل، كما نجد في مذكراتها، وهو الأمر الذي جعلها تبذل كل نفيس وغالٍ من أجل تحقيق هذا الحلم.

«ليس أشق عليّ من الكتابة عن حرب أكتوبر».. من زهو الانتصار لخيبة الأمل

تناولت جولدا مائير في مذكراتها حرب أكتوبر 1973 التي انتصرت فيها مصر على إسرائيل لتستعيد بذلك أرض سيناء، فقالت: «ليس أشق على نفسي من الكتابة عن حرب أكتوبر»، فما اعتبره العرب والمصريين نصرًا مجيدًا يحتفلون به كل عام، رأته مائير «كابوسًا حقيقيًا» اضطرت إلى معايشته بنفسها، فالحرب اندلعت فيما كانت جولدا مائير تتولى رئاسة وزراء إسرائيل منذ عام 1969 عقب انتصار إسرائيل في حرب النكسة عام 1967، لكن لم تمضِ إلا سنوات قليلة حتى تحول الزهو بالانتصار إلى خيبة أمل، بحسبها.

Embed from Getty Images

حرب أكتوبر 1973

فقد وردت إلى مائير معلومات عن هجوم مصري وشيك يوم السادس من أكتوبر، إلا أنها تصورت أن الأمر عبارة عن إحدى الهجمات المعتادة على الحدود، ونتيجة لذلك لم تستدع المرأة الحديدة في إسرائيل قوات الاحتياط، ولم تأمر بالتعبئة السريعة؛ وذلك لأن تقارير المخابرات العسكرية لم تكن تشي بأي خطرٍ. 

تقول جولدا مائير عن ذلك في مذكراتها «إنه الندم الذي اضطررت للتعايش معه طوال حياتي لأني لم اتخذ قرارًا باستدعاء قوات الاحتياط»، وتحكي عن كواليس الحرب لدى القيادة العليا في إسرائيل، وما عانوه من انهيارٍ نفسي عميق عقب بدء المعارك، كما تصور الأسلحة التي استخدمتها القوات المصرية في الحربِ بالمفزعة: «صواريخ تحيل الدبابات إلى لهيب مشتعل»، مؤكدة أن الإسرائيليين لم يتمكنوا من التعرف على الجثث.

اعتزلت جولدا مائير الحياة السياسية عقب هزيمة أكتوبر المدوية، ونالت تلك الهزيمة من حالتها النفسية، وطالب أعضاء الأحزاب المعارضة في إسرائيل باستقالتها لعدم استعدادها للهجوم؛ وفي عام 1974 قدمت جولدا استقالتها يوم 10 أبريل (نيسان)، وبدأت في كتابة مذكراتها التي نُشرت عام 1975، ولم تمر سوى بضعة سنوات حتى توفت نتيجة للإصابة بمرض السرطان في ديسمبر (كانون الأول) من عام 1978.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد