انتشر مؤخرًا فيديو على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، لتلاميذ من تنزانيا تعرضوا للضرب بالعصا على مؤخراتهم، على يد مفوض الشرطة بمنطقة مبايا؛ بعد أن اتهموا بحرق عنبر سكنهم في المدرسة. كان الفيديو صادمًا لرواد مواقع التواصل، خاصةً بعد أن نشرت وكالة «رويترز» خبرًا عن تأييد الرئيس التنزاني جون بومبيه ماغوفولي الملقب بـ«البلدوزر»، لمفوض الشرطة الذي ضرب أكثر من 10 طلاب بوحشية، داعيًا الآباء والمعلمين لفعل الشيء نفسه من أجل  بناء دولة قوية ومنضبطة. فما الذي لا نعرفه عن ماغوفولي؟

«البلدوزر».. قرارات غريبة ومتسرعة

منذ أن تولى الرئيس التنزاني جون بومبيه ماغوفولي البالغ من العمر 60 عامًا الحكم في أواخر عام 2015، اشتهرت حكومته بالقرارات الغريبة والتوجيهات المتسرعة. الأمر الذي أدى لانقسام الرأي العام المحلي والدولي حول أداء حكومته. «يسخر البعض منه، في حين يسعى البعض الآخر لمحاكاة تجربته». وصل الأمر إلى تدشين وسم «WhatWouldMagufuliDo»، بمعنى «ما الذي كان سيفعله ماغوفولي؟» ليتصدر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، ويستخدمه المواطنون منذ عام 2016 للتعليق على قرارات الرئيس التنزاني، والني من بينها هذه القرارات:

  • إلغاء عيد الاستقلال

كانت أولى قرارات الرئيس المثيرة للاهتمام بعد توليه الرئاسة بوقتٍ قصير في أواخر 2015؛ إلغاء الاحتفال بيوم الاستقلال، وتوجيه جميع الأموال المدرجة لهذا الحدث نحو تطوير طريق سريع تشتهر به مدينة دار السلام.

  • منع السفر خارج البلاد

 لم يكن هذا هو القرار الوحيد غير المتوقع من ماغوفولي؛ إذ وفي الأيام الأولى من توليه المنصب نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، أصدر الرئيس قرارًا بمنع الموظفين الحكوميين من السفر خارج البلاد توفيرًا للنفقات. وقد لاقى هذا القرار ترحيبًا جماهيريًا؛ إذ كان المواطنون يتذمرون من نفقات سفر الموظفين الحكوميين، نظرًا لاقتطاعها من الضرائب الحكومية، خاصةً لضرورة سفرهم عبر الدرجة الأولى أو درجة رجال الأعمال. وكان على الراغب في السفر أن يطلب تصريحًا رسميًا يوقع عليه رئيس الجمهورية نفسه، أو رئيس الحكومة، وفي حالات الطوارئ فقط.

ماغوفولي نفسه لم يسافر خارج شرق أفريقيا منذ أن أصبح رئيسًا، والجولة الوحيدة التي قام بها كانت للبلاد المجاورة أوغندا وكينيا ورواندا، وأطول رحلة قام بها حتى الآن كانت إلى إثيوبيا لحضور اجتماع الاتحاد الأفريقي عام 2017. ويشير تقرير البنك المركزي عام 2017 إلى أن الحكومة قد وفرت ما يقرب من 430 مليون، عن طريق الحد من السفر للخارج من 2015 وحتى نهاية  2016.

Embed from Getty Images

(الرئيس جون ماغوفولي)

  • البث البرلماني المباشر

في الفترة الأولى من تولي ماغوفولي الحكم، كانت تنزانيا تشهد واحدة من أكبر جرائم الفساد في تاريخها، والتي عرفت بـ«فضيحة ريتشموند». وترتبط تلك القضية بالولايات المتحدة، إذ قدم رئيس وزراء تنزانيا استقالته على الهواء مباشرةً، بعدما تورطت حكومته في إحدى قضايا الفساد المتعلقة بالطاقة، عن طريق منح الشركة الأمريكية «ريتشموند» عقدًا غير شرعي. كانت محاكمات تلك القضية، وغيرها من قضايا الفساد الأخرى، تذاع مباشرةً على الهواء، وتحقق أعلى المشاهدات، إلا أن جلسات النقاش البرلمانية، فيما بعد 2016 حظر عرضها مباشرةً وذلك توفيرًا للنفقات. وكانت التغطية المباشرة للجلسات البرلمانية تكلف الدولة 1.8 مليون دولار شهريًا.

  • منع الفتيات الحوامل من الدراسة

كان هذا القرار قائمًا، ما قبل الرئيس جون ماغوفولي؛ إذ كانت تطرد الفتيات الصغيرات من المدارس إذا حملن، ولا يسمح لهن باستكمال تعليمهن حتى بعد الولادة. وعلى الرغم من اعتراض جماعات حقوق الإنسان، إلا أن ماغوفولي أعلن أكثر من مرة أنه لن يسمح للأمهات الصغيرات بالعودة  للتعليم العام.

  • منع الحشد السياسي وحرية التعبير

«أود أن أقول لوسائل الإعلام، كونوا حذرين. لا تملكون هذا القدر -الذي تظنونه- من الحرية». *ماغوفولي 2017

كانت قرارات ماغوفولي صارمة بخصوص أحزاب المعارضة وحرية الصحافة؛ إذ أصبحت تراخيص النشر في عهده باهظة الثمن، كما أصدر عددًا من القوانين الجديدة تشرف عليها وزارة الإعلام مباشرةً لتقييم سلوك وسائل الإعلام. أدى ذلك إلى تقييد حرية الصحافة والتعبير، وأغلق عددًا من الصحف والإذاعات بتهمة «التحريض».

عانت المعارضة السياسية أيضًا جراء القوانين الجديدة؛ إذ مُنع الحشد السياسي الذي كانت تتخذه أحزاب المعارضة درعًا لها في معاركها الانتخابية. وأعلن الرئيس أنه على السياسيين الانتظار حتى موعد الانتخابات الرئاسية القادمة 2020 لإجراء اجتماعات حاشدة. نتيجة لذلك، عقدت المحاكمات عام 2016 لبعض القوى المعارضة؛ إذ اتهموا بتحدي النظام.

  • أنجبوا مزيدًا من الأطفال

في يوليو (تموز) الماضي، نشرت «الإندبندنت» دعوة هي الأغرب من نوعها؛ إذ حثَّ الرئيس التنزاني جون ماغوفولي نساء بلاده على «تحرير أرحامهن»، من أجل إنجاب مزيدًا من الأطفال. قائلًا: «إن زيادة عدد السكان قد تحول تلك البلد الواقع في شرق أفريقيا إلى قوة إقليمية، في الوقت ذاته، خشي المنتقدون من ارتفاع عدد السكان وما قد ينجم عنه من تفاقم مشكلات مثل الفقر وعدم المساواة».

كيف ترسخ النظم القمعية أفكارها؟.. الأساطير السبعة المؤسسة لدولة القمع

ماغوفولي.. رئيس بسيط يغني في جوقة الكنيسة

«كان من الممكن أن يصبح أغنى سياسي في البلاد». *قيل عن ماغوفولي

كان جون بومبيه ماغوفولي ابن مزارع بسيط، وفي عيد ميلاده السادس والخمسين، فاز بالانتخابات الرئاسية، ليصبح رئيسًا لتنزانيا. قبل ذلك كان وزيرًا للعمل، وعضوًا في البرلمان. اشتهر بسمعته الطيبة البعيدة كل البعد عن الفساد، إذ أشرف على تنفيذ عشرات المشروعات الكبرى، أثناء توليه وزارة العمل، ورغم ذلك لم يتورط في فضائح فساد النظام السابق لتنزانيا، والتي كانت حديث الصحف. عن ذلك يقول جوزيف واريوبا: «كان من الممكن أن يصبح أغنى سياسي  في البلاد». عوضًا عن ذلك اختار بومبيه حياةً تقليدية، تزوج وأنجب خمسة أطفال، واتبع نمط الحياة البسيطة. يغني في جوقة الكنيسة، ويقسم على خدمة مصالح البلاد.

(الرئيس التنزاني جون ماغوفولي)

عن نفسه يقول: «أعرف معنى أن تكون فقيرًا». يتعهد بومبيه بتحسين الحالة الاقتصادية للعائلات الأكثر فقرًا، مشيرًا أنه أتى من عائلة بسيطة وعاش في منزلٍ مسقوف بالعشب، واضطر في شبابه لبيع الحليب والأسماك لدعم عائلته ماديًا. وعندما لُقب ماغوفولي بـ«البلدوزر»، كان لتبنيه خطة عمل قائمة على التوسع في إنشاء الطرق. وتعهد في برنامجه الرئاسي، على أن ينهي أزمة نقص الطاقة في بلاده. يراه مؤيديه رجلًا حريصًا على البلاد، ينهي مهامه في توقيتها المناسب ومهما تطلب الأمر. وقد شهدت تنزانيا في عهده نموًا اقتصاديًا ناتجًا عن حملة التصنيع التي تبناها منذ توليه الرئاسة.

الوجه الآخر لهذا الراعي الصالح

إذا كانت التقارير الحكومية التنزانية تشير إلى الرخاء والتقدم والنمو الاقتصادي في عهد ماغوفولي، فإن التقارير الدولية كان لها رأي آخر؛ يشير إلى انتهاء عصر الديمقراطية في تنزانيا بوصوله إلى سدة الحكم.

عن ذلك تقول مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية: «في بداية حكم الرئيس التنزاني، شرع في حملة على الفساد وضعف الأداء؛ مما أدى إلى إقالة العديد من كبار المسؤولين». إذ كان عصره إيذانًا بانتهاء فترة التراخي التي شهدتها حكومة سابقيه، وفي العشرة أشهر الأولى، أيد التنزانيون أداءه بأكثر من 98%، وهي نسبة كبيرة حينذاك، إلا أن سياسته قد اتخذت فيما بعد نمطًا مثيرًا للقلق، بحسب المجلة.

خلال ثلاث سنوات ونصف سجن العديد من السياسيين المنافسين، والصحافيين، ومغنيين موسيقى البوب، ومنعت الأمهات اللواتي لم يبلغن بعد سن الرشد من استكمال دراساتهن. كان ذلك في إطار حملة ممنهجة تفرض لوائح جديدة للدولة، وتضع قيودًا تنهي الديمقراطية الفائتة. لم يعد بإمكان أي شخص نشر انتقاداته لأداء الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي، خوفًا من التنكيل به، كما لم يعد بإمكان وسائل الإعلام نشر أية بيانات لم تصادق عليها الحكومة أولًا.

بحسب «ذي أتلانتك»، كان للبلدوزر وجهًا آخر لا يعرف رفاهية الرحمة، وذلك بعدما نجا توندو ليسو، المعارض بالبرلمان التنزاني، من محاولة اغتيال صريحة عام 2017. لم تكن تلك هي الحادثة الوحيدة؛ إذ اتجهت أصابع الاتهام نحو الرئيس «الصالح» في اختطاف محمد ديوجي، الملياردير التنزاني مدة 10 أيام. هذا إضافةً إلى حادثة اختطاف مادود نياغالي، الناشط السياسي الذي وجدوه ملقيًا في الغابات، يعاني من آثار التعذيب، وعلى الرغم من كثرة الحوادث الشبيهة، إلا أن السلطات التنزانية لم تجرؤ على فتح تحقيقًا واحدًا.

الآن بدأ سكان تنزانيا يدركون أن فترة النعيم قد انتهت، وبدأت البلاد فترةً أخرى أشد قمعًا وأكثر تقييدًا. يشير أيدان إياكوز، المدير التنفيذي لشركة «TWAWEZA»، إلى مصادرة جواز السفر الخاص به، بعدما أصدرت منظمته بيانًا بانخفاض الدعم الشعبي لماغوفولي إلى 55%، عن ذلك يقول: «الناس الآن خائفون من قول ما اعتادوا أن يقولوه بحرية».

Embed from Getty Images

لم تكن حالات الاختطاف ومحاولات الاغتيال في عهد ماغوفولي مجرد حالات فردية؛ إذ استخدم النظام القضائي لاستهداف أي شخص يعارض حكومة ماغوفولي؛ فاعتقل الكثيرين واحتجزوا دون محاكمة. وكانت قوانين القضايا المالية، تلك التي سُنت من أجل محاربة الفساد في بداية عهده، هي المستخدمة أيضًا في التنكيل بمعارضيه؛ فألصقت بهم تهم غسيل الأموال والفساد؛ لأنها الوحيدة التي لا تضمن كفالة المتهم.

أما الاختفاء القسري، فكان له النصيب الأكبر في التخلص من المعارضين، دون  ترتيبات قانونية. عن ذلك تقول شقيقة إريك كابينديرا، صحافي تنزاني قبض عليه في يوليو (تموز) الماضي: إن مجرد معرفتها بمكان تواجده يمثل معجزة. تشير الشقيقة إلى أنها كانت تتوقع الأسوأ، قائلة: «كثير من الأشخاص اختفوا بالطريقة نفسها، ولم نسمع عنهم حتى اليوم شيئًا».

كان كابينديرا قد احتجز مدة 48 ساعة بعدما ألقت قوات الأمن القبض عليه من منزله. كان ذلك قبل أن تعترف الشرطة باحتجازه. وهو الأمر الذي تعتبره شقيقته دليلًا على أنه لا زال حيًا يتنفس. وشاهدًا آخر على مدى تدهور المناخ السياسي في تنزانيا، والتي اعتبرت لفترة طويلة أكثر ديمقراطيات أفريقيا استقرارًا.

تشير «فاينانشيال تايمز» إلى أن الرئيس التنزاني قد انصرف منذ فترة عن محاربة الفساد واتجه نحو تصفية الحسابات مع منتقديه ومن يشككون في أدائه. وتضيف أن أحلام النمو الاقتصادي في تنزانيا، ليست وردية كما يتوقعها البعض؛ إذ توقف الاستثمار في مجال التعدين، على سبيل المثال، بعد صراع ضريبي دام عامين، كما تراجعت المفاوضات حول إبرام اتفاقيات مع شركات النفط الكبرى لتطوير الغاز البحري. «السيد كابينديرا لم يكتب سوى الحقيقة، في وقتٍ تخشى فيه الحكومة التنزانية من الانتقاد»، بحسب الصحيفة البريطانية.

«يصطادونهم مثل الحيوانات».. ماذا يعني أن تكون مصابًا بالمهق في تنزانيا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد