على وقع معارك ضارية ممتدة منذ أسبوعين بين قوات الحوثي والتحالف العربي، في محافظة الحديدة اليمنية – شمال غرب اليمن -، وصل المبعوث الأممي مارتن جريفيث في زيارة عاجلة إلى الرياض، لمحاولة إنقاذ اتفاق «ستوكهولم»، التسوية السياسية الأهم في الأزمة اليمنية، والتي وقعها الطرفان أواخر عام 2018، بعد حربٍ ضروس في المحافظة الساحلية استُخدمت فيها سياسة «الأرض المحترقة»، قبل التوصل إلى هدنةٍ أُممية هشّةٍ، باتت اليوم تشهد اختبارًا لسقوطها.

وفق رواية الحوثيين، فالهدنة كانت تقضي بانسحاب قوات التحالف العربي من مديريات محافظة الحديدية في ديسمبر (كانون الأول) عام 2018، وفق «اتفاق ستوكهولم»، إلا أنّ السعودية أطبقت منذ ذلك التاريخ حصارًا طويلًا على المقاتلين الحوثيين في مديرية «الدريهمي»، وبعد مرور عامين، دفعت جماعة الحوثي المئات من مقاتليها لكسر الحصار، دون أن تفلح أية جهودٍ إلى الآن لإنقاذ الاتفاق الذي كان من المفترض أن يمهد لوقف الحرب المُستعرة منذ ست سنوات. التقرير التالي يشرح لك بعيدًا عن التحيزات من يعرقل السلام في اليمن، السعودية أم الحوثيون، وما هي مكاسب كل طرف.

انتصار عسكري قاد إلى هزيمة سياسية.. ما هي قصة «اتفاق ستوكهولم»؟

في يونيو (حزيران) عام 2018، تجاهلت السعودية والإمارات تحذيرات الأمم المتحدة، وبدأت العملية العسكرية الأكبر في اليمن آنذاك، حين تقدمت مئات الدبابات والمدرعات العسكرية المدعومة بغطاءٍ جوي مكثف، وقوات من الجيش اليمني وعدد من فصائل ما يعرف بالمقاومة اليمنية بهدف إسقاط محافظة الحديدة التي تبعد عن صنعاء مسافة 226 كيلو مترًا من الغرب، والتي أكسبت الحوثيين بُعدًا آخرًا في الحرب منذ سيطرتهم عليها أواخر عام 2014.

Embed from Getty Images

(لحظة توقيع اتفاق ستوكهولم بين مندوب الحوثيين (يمين) ووزير الخارجية اليمني خالد اليماني في حضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيري)

هدفت السعودية عسكريًا من تلك المعركة إلى حرمان الحوثيين من الرقعة الجغرافية المُطلة على ساحل البحر الأحمر والتي تضم ثاني أكبر ميناء يمني، وبسبب إطلالتها فرض الحوثيون سيطرتهم على الملاحة البحرية في باب المندب وقناة السويس، وعرقلوا حركة الملاحة البحرية من خلال زرع الألغام البحرية وقصف السفن واستهدافها.

ولأنّ المسار التفاوضي ارتبط دائمًا في اليمن بالتقدم الميداني، لذا هدفت المعركة سياسيًا إلى انتزاع الحديدة بأي ثمن، كونها تبدو أكثر أهمية من العاصمة صنعاء نفسها، لأنّ سقوطها لا يعني سوى أنّ الحرب انتهت، لأنها معبر الحوثيين الوحيد إلى البحر، وهو ما سيترتب عليه فقدان الجماعة حضورها السياسي في المشهد اليمني للأبد، وتقهقرها إلى صنعاء، التي ستسقط بسهولة بعد خنقهم في المساحات البرية والجبلية وقطع الإمدادات عنهم، لأن كل الوقود والمواد التموينية التي تصل للعاصمة تأتي من الميناء.

حصدت السعودية في بداية المعركة انتصاراتٍ ميدانية بعدما قطعت عشرات الكيلو مترات في ظل انسحاب الحوثيين – أو فرارهم في بعض الروايات – قبل أن تسيطر في النهاية على الشريط الساحلي من الجنوب وحتى مشارف الحُديدة، وصولًا إلى بوابة المطار، الهدف الرئيس في المعركة، لكن الانتصارات السريعة على الأرض سرعان ما تحولت إلى خنادق حصار واسعة، فالألغام أجبرت التحالف على عدم إكمال تقدمه وصولًا إلى المطار والميناء.

فشلت السعودية في حسم الحرب – رغم انتصاراتها الميدانية التي دخلت حالة الجمود -، التي قادت في النهاية إلى انتصار سياسي للحوثيين بدعوتهم إلى طاولة المفاوضات، وخلال زيارة للمبعوث الأممي، استطاع التوصل لاتفاق نادر حول ثلاثة إنجازات: «التفاوض، والموافقة على تسليم الميناء تحت إشراف أممي، وتوقف العملية العسكرية»، وهو ما بات يعُرف اختصارًا باسم «اتفاق ستوكهولم».

 عامان على الهدنة الهَشَّة.. من التزم باتفاق السلام؟

كان الاتفاق الذي توصل له طرفا الصراع في السويد يقضي بإنهاء العملية العسكرية في الحديدة، إضافة إلى تبادل الأسرى والمعتقلين لدى الجانبين، الذين يزيد عددهم عن 15 ألفًا، وفتح ممرات إنسانية لتحسين وصول المساعدات، وتسهيل حركة المدنيين، وفك حصار مدينة تعز – جنوب غرب اليمن -، إضافة إلى كافة مديريات محافظة الحديدة.

Embed from Getty Images

ألزمت الهدنة الطرفين بإنجاز بنودها كاملة في أيام، قبل نهاية العام 2018، وتشكلت لجنة مكونة من الأمم المتحدة والحكومة اليمنية والحوثيين كانت تعقد اجتماعات دورية في سفينة أممية متواجدة في المياه الدولية في البحر الأحمر، بهدف إنجاح الهدنة الهشة التي لم يلتزم أي الطرفين بها.

من وجهة نظرٍ عسكرية، نجحت الهدنة وقتها في تجميد العمل العسكري، دون أن يُجبر الحوثيون على الانسحاب لا من الموانئ أو المدينة، وهو ما كان في صالح الحوثيين الذين ضمنوا بقاء سيطرتهم على المدينة من جهة، وانتزاعهم اعترافًا أمميًا نجحوا تحت ظلاله في ترتيب صفوفهم في الجبهات الأخرى، وهو ما دفع السعودية للالتفاف على الهدنة بشن حصار خانق على المقاتلين الحوثيين، خاصة مديرية الدريهمي التي استوعبت العدد الأكبر منهم، والتي اندلعت بسببها الاشتباكات الأخيرة الدائرة.

بالنسبة لملف الأسرى؛ فمنذ توقيع الهدنة خاض الطرفان أربع جولات تفاوض خاسرة، حتى ربح الحوثيون مؤخرًا اتفاق جنيف الذي عُقد برعاية أممية في سبتمبر (أيلول) الماضي، ووُصف بأنه «الأهم في تاريخ النزاع»؛ وقضى باستعادة الحوثيين جيشًا صغيرًا مكونًا من 681 أسيرًا مقابل 400 أسير من قوات التحالف العربي بينهم 19 عسكريًا سعوديًا، بينما رفضت الجماعة إدراج القياديين الحكوميين الأربعة المشمولين بقرار مجلس الأمن الدولي ضمن المرحلة الأولى، وهم وزير الدفاع اليمني، وشقيق رئيس الجمهورية، ولواء بارزٌ في الجيش، وقيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح.

وحتى اللحظة يتمسك كل طرف بما لديه من أسرى، يعتبرهم أوراق ضغط لديه، وتتهم السعودية الحوثيين بأنهم ماطلوا في تسليم المعتقلين، وقالوا إنّ التحالف قدّم أسماء غير موجودة، بينما اتهم عضو وفد جماعة الحوثي المفاوض، حميد عاصم، في تصريح لوكالة «الأناضول» السعودية بأنها سلمتهم بيانات ألف أسير فقط من أصل 8 آلاف.

على الجانب الآخر، يتهم التحالف العربي جماعة الحوثي بعدم تسليم ميناء الحديدة كما نص الاتفاق الأممي، وتقول الحكومة اليمنية الشرعية إن الحوثيين سلموا الميناء لقوات تابعة له، فيما يقول الحوثيون إنهم سلموا ميناء الحديدة إلى السلطة المحلية في المحافظة، لكن السعودية تريد أن تكون شريكة في إدارة الميناء.

عربي

منذ 3 شهور
تجربة حفتر تتكرر في اليمن.. ماذا لو سيطر الحوثيون على النفط؟

وفيما ترى السعودية والرياض أنّ «اتفاق ستوكهولم» صنع انتصارًا سياسيًا للحوثيين لم يحظوا به بقوة السلاح، وهو الدافع الرئيس لعدم الدخول في مفاوضات جديدة، يتفق الحوثيون في وجهة النظر ذاتها حول ضرورة استمرار الحرب دون غيرها؛ فالحرب التي دخلت عامها السادس قلبت كل الموازين؛ فلا الجيش اليمني استطاع دخول صنعاء، ولا التحالف العربي تمكن من حسم الحرب، ولا السعودية والإمارات حافظا على أهدافهما متماسكة من القتال؛ فالأولى ترفض الانفصال، والثانية تدعم مصالحها في الجنوب، لذا وجد كل طرف مصلحته في عرقلة السلام.

أبعد من نظرة مُحارب.. لماذا قد تعرقل السعودية السلام في اليمن؟

رغم مرور أكثر من خمس سنوات على حرب اليمن، ترفضُ السعودية الاعتراف النهائي بالحوثيين وترى فيهم خطرًا إقليميًّا على حدودها، لكنها ترفع راية الحسم العسكري في وقتٍ تنامت فيه القدرات العسكرية للحوثي؛ بما يشكلُ نوعًا من الصعوبة في المفاوضات التي لم تخرج منها الرياض بأي مكسب استراتيجي.

من جانب آخر يرى البعض أن السعودية لا تهدف من حرب اليمن إلى إسقاط الحوثي وحسب، فقد رفضت مرارًا التقدم بجيشها داخل صنعاء، لأنها ترى أنّ كافة انتصاراتها في اليمن سيحصدها حزب الإصلاح في النهاية الذي ظل طيلة تلك السنوات متحكمًا في قرارات الحكومة اليمنية، لذا عمدت السعودية أولًا إلى إطالة زمن الحرب وخسائرها معه، إلى حين الوصول إلى صيغة تضمن للرياض نفوذ ما بعد الحرب.

حتى اللحظة، استفادت السعودية من الفوضى اليمنية بتوقيع ثلاث اتفاقيات سياسية واقتصادية، تمثل أخطرها في اتفاق الرياض الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي – هيئة غير سياسية تشكلت عام 2017 – والذي يقضي بتقاسم الجانبين السلطة وإعادة الحكومة لعدن، وإعادة تنظيم القوات العسكرية تحت قيادة وزارة الدفاع.

والاتفافية منحت السعودية بصفتها سلطة الإشراف على تشكيل حكومة كفاءات سياسية بالمناصفة بين المحافظات الجنوبية والشمالية، بالإضافة لاعتبار المجلس الانتقالي شريكًا ممثلًا للجنوب في مفاوضات السلام، وأن تتولى النخب المدعومة إماراتيًّا الأمن في الجنوب، هو ما يعني وفق مُعارضين الاتفاق أن الانفصاليين سيضعون شروطهم في الحل النهائي، ومنها ضرورة فصل الشمال عن الجنوب، لذا يرى مراقبون يمنيون أن اتفاق الرياض يُكرّس لما هو أبعد من مجرد اتفاق سلام.

بالنسبة للحوثيين، فهم يُراهنون على إطالة أمد الحرب، واستمرار تفاقم الفوضى حتى لو استنزفت قواتهم، وأفقدتهم مزيدًا من الأراضي التي حصلوا عليها، لكنها من جانب آخر تقودُ في النهاية إلى تسويةٍ سياسية ستعتمد على ما يمتلكه كل طرفٍ من موازين القوى، لذا يبحث الحوثيون من خلال إطالة المعارك، وفتح جبهات جديدة عن حلٍّ نهائي لوجودهم وتمثيلهم السياسي في زمن ما بعد الحرب، وهو الشرط الذي ترفضه السعودية التي تعترف بتنامي القدرات العسكرية للحوثيين.

واللافت أنَّ التقدم العسكري اللافت للحوثيين المستمر منذ بداية العام، لم تقابله السعودية عسكريًا بقدر ما عمدت إلى تحريك المياه الراكدة في اتفاق الرياض، وفي سبيل ذلك، قادت السعودية مؤخرًا مشاوراتٍ مكثفة بهدف بحث تشكيل حكومة يمنية مرتقبة ضمن أبرز بنود اتفاق الرياض منعًا لتأثير سير العمليات العسكرية في مأرب على المجريات السياسية في الجنوب، وهي الإشارة التي التقطها الحوثيون لبدء هجوم واسع للسيطرة بأي ثمن على ما تبقى من محافظات الشمال، قبل أن تنتهي السعودية من ترتيب أوراقها.

عربي

منذ 6 شهور
نفط اليمن.. ما لا يحكى عادةً عن أسباب استمرار حرب السعودية هناك

وتسيطر الجماعة حاليًا على المناطق الأهم والأكثر كثافة سكانية داخل اليمن، وأبرزها العاصمة صنعاء ومدينة الحديدة الساحلية غربًا، التي تضم مينائين دوليين، بالإضافة لسيطرة مطلقة على محافظات عمران، وذمار، وإب، والبيضاء، ومديرية نهم الإستراتيجية، شرقي صنعاء وغالبية مناطق محافظة الجوف. لكنّ سيناريو عرقلة السلام بالنسبة للحوثيين كانت له دومًا أهدافٌ أخرى بعيدة تقاطعت نتائجها مع خصمها الممثل في الرياض.

 3 أمثلة عسكرية.. كيف يستفيد الحوثيون من الفوضى اليمنية؟

في كل معركة سواء كانت ببادرة من التحالف العربي، أو بتخطيط مسبق من الحوثي، لا يفعل الحوثيون سوى أن يُظهروا صمودًا لعدة أسابيع، حتى تتفاقم الأزمة الأزمة الإنسانية التي تخلفها المعركة نتيجة توقف المساعدات فتكون كفيلة بأن ينقلب المشهد رأسًا على عقب لصالح الحوثيين، الذين يعودون بعدها إلى طاولة المفاوضات بضغطٍ من الأمم المتحدة من أجل الوصول لاتفاق سياسي في صالحهم.

Embed from Getty Images

وعلى غرار ما حدث في معركة الحديدة التي أفرزت اتفاق «ستوكهولم»، تكرر السيناريو نفسه في معارك الجوف ومأرب، ففي فبراير (ِشباط) الماضي، شنّ الحوثيون المعركة الأعنف منذ عام 2015، بهدف استعادة مواقع استراتيجية بدأت بالتقدم داخل محافظة الجوف النفطية (شمال اليمن) التي تشترك مع السعودية في أكثر من 266 كليومترًا من حدودها الجنوبية-، والمعركة التي سبقتها السيطرة على جبال ومواقع استراتيجية في مديرية نهم، البوابة الشرقية لصنعاء، التي لطالما نُظر إليها بوصفها أضعف ثغرة للحوثيين، وأهم جبهة يمتلكها التحالف العربي.

 ونتيجة للتطورات التي قلب موازين المعركة، تدخلت أطراف أممية ودولية ممثلة في السفير البريطاني الذي تمثل دوره في تقريب وجهات النظر بين السعودية والحوثيين بهدف إجراء مباحثات مباشرة في الأردن، انتهت بإعلان التحالف العربي في أبريل (نيسان) الماضي وقفًا شاملًا لإطلاق النار لمدة أسبوعين، تبعه تقديم الحوثيين مقترحهم للسلام.

استفاد الحوثيون من تصعيدهم العسكري في محافظة الجوف في طرح «وثيقة الحل»، وتضمنت الوثيقة التي حملت شروط الحوثيين لوقف حرب اليمن مطالب ممثلة في الانسحاب الكامل للتحالف العربي من اليمن، وتشكيل لجنة عسكرية رفيعة المستوى من طرفي النزاع اليمنيين ترأسها الأمم المتحدة، وهو الطلب الذي يُحقق رؤية الحوثيين بالوصول إلى تسوية سياسية اعتمادًا على ما يمتلكه كل طرف من موازين القوى على الأرض، وما رفضته السعودية، وهو ما دفع الحوثيون للتصعيد الأخير في محافظة مأرب، ضمن استراتيجيتهم العسكرية المُعلنة.

وفي الشهر الماضي، حشد الحوثيون كل قواهم لإسقاط محافظة مأرب النفطية، والتي تعد المقر الرئيس للحكومة، حيث تحتضن مقر وزارة الدفاع والكليات الحربية، وتتمركز فيها أكبر الألوية العسكرية منذ اندلاع الحرب، بالإضافة لكونها معقل حزب الإصلاح اليمني المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، ما يعني أنّ سقوطها يكتب بامتياز الفصل الأخير في القصة.

عربي

منذ أسبوعين
مأرب على وشك السقوط.. هل انتهت حرب اليمن بالنسبة للحوثيين؟

اشترط الحوثيون مُجددًا لإيقاف الحرب رحيل الرئيس هادي عن السُلطة بحسب تسريبات، بينما كانت السعودية أكثر انتباهًا لأهداف التصعيد العسكري الأخير رغم خطورته ميدانيًا، لذا طالبت الرياض الأمم المتحدة بإلغاء اتفاق ستوكهولم، بهدف تجريد الحوثيين من كافة مكتسباتهم السياسية، وهو ما دفع الجماعة للتصعيد مُجددًا في محافظة الحديدة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد