وجد اللواء سعيد شنقريحة، الذي صار فريقًا منذ مطلع الشهر الجاري، نفسه أمام طريقٍ مفتوح ليكون أحد أهم اللاعبين في الساحة الوطنية بالجزائر بعد أن عُيِّن مؤخرًا قائدَا للأركان.

في يناير (كانون الثاني) 2018، خرج للعلن الصراع الدائر والمستمر بين جناحي الرئاسة والجيش بالجزائر، استطاع حينها الفريق الراحل أحمد قايد صالح تثبيت أركان نفوذه المطلق على الجيش وكسب نقاطٍ إضافية في معركته ضد جناح الرئاسة، وذلك عبر منع شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة – القابع اليوم في السجن – من تمرير تغيرات بالجيش كانت من الممكن أن تُقوض تحركات القايد الصالح ونفوذه، وهو ما أورده وقتها تقرير «ساسة بوست» عن صراع السلطة داخل مؤسسة الجيش بالجزائر.

بعد تسعة أشهر من ذلك الحدث، أجرى قائد الأركان في ذلك الوقت تغييراتٍ واسعةٍ في قيادة المؤسسة العسكرية، شملت قيادة القوات البرية والجوية وقادة النواحي العسكرية، ومثلت الضربة القاضية لتحالف الرئاسة وبقايا قيادات المخابرات، ضدّ المؤسسة العسكرية بقيادة الجنرال صالح.

من بين الأسماء التي حملتها تلك التغييرات التي عصفت بمؤسسة الجيش، وثبّت من خلالها جناح الراحل صالح رجليه في الصراع على حكم الجزائر وتغنى بها أنصار المؤسسة العسكرية، ظهر اسم اللواء سعيد شنقريحة الذي عُيّن في منصب قائد القوات البرية، ثاني أبرز المناصب في المؤسسة العسكرية الجزائرية.

والآن بعد أن زال الغبار عن الصراع الدائر حينها، وتمكن الحراك الشعبي من إسقاط بوتفليقة، ثم رحل قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح، وجد اللواء سعيد شنقريحة، الذي صار فريقًا منذ مطلع الشهر الجاري، نفسه أمام طريقٍ مفتوح ليكون أحد أهم اللاعبين في الساحة الوطنية بالجزائر بعد أن عُيِّن مؤخرًا قائدَا للأركان، واستطاع أن يبعد الأسماء الثقيلة التي تركها القايد صالح والتي كان يتوقع أن يكون لها دور في خلافته.

سعيد شنقريحة.. خبير دبابات حارب ضد إسرائيل

نشأ سعيد شنقريحة في عائلة محافظة كشأن عائلاتٍ كثيرة تسكن الصحراء الجزائرية، ولد في أغسطس (آب) عام 1945 في مدينة القنطرة بولاية بسكرة جنوب شرق الجزائر، وهي المدينة التي تلقى فيها تعليمه الابتدائي قبل التحاقه بالعمل العسكري في السنوات الأخيرة لثورة التحرير الجزائرية.

عربي

منذ 4 شهور
هل انتصر التيار الفرنكفوني في مشروع بناء الجزائر الجديدة؟

عقب استقلال الجزائر عن فرنسا سنة 1962، خاضت الجزائر حربَا مع المغرب دفاعا على حدودها، وهي الحرب التي أبلى فيها سعيد شنقريحة البلاء الحسن، ممّا جعل الرئيس الجزائري هواري بومدين يكرّمه بإرساله إلى روسيا رفقة المئات من قادة جيش التحرير الوطني لتلقي دورات وتدريبات عسكرية، حصل فيها على شهادة سلاح المدرعات وتدريب قائد سرية دبابات ودروس في قيادة الأركان.

بعد العودة من موسكو، قامت الخبرة العسكرية التي نالها شنقريحة بتأهيله ليكون أحد قيادات الجيش، التي ساعدت مصر في حرب الاستنزاف بعد نكسة 1967، ثم شارك في حرب 1973 كأحد قادة اللواء الثامن مدرع، وهو لواء قتالي يضم نحو 5 آلاف مقاتل من أكفأ المقاتلين في حروب الدبابات والمدرعات، وكان مزودا بكافة العتاد والأسلحة اللازمة، ويضم جنودًا وضباط مشاة، ووسائل إسناد وإشارة ودعم، واستطاع الجيش الجزائري بقيادة كلٍ من شنقريحة وصالح تكبيد جيش الاحتلال الإسرائيلي خسائر فادحة في تلك الحرب.

تولى شنقريحة بعدها قيادة الفرقة الثامنة المدرعة في ولاية سيدي بلعباس غرب الجزائر، كما أظهر كفاءة كبيرة في الحرب ضد الحركات المسلحة إبان الحرب الأهلية التي عاشتها الجزائر في تسعينات القرن الماضي، وذلك أثناء قيادته إحدى وحدات الفرقة الثامنة المدرعة، وهي من أقوى تشكيلات الجيش الجزائري.

بعيدًا عن أضواء السياسة والإعلام.. شنقريحة يصنع مجده العسكري

خاض قائد الجيش الجزائري الجديد مسارًا عسكريًّا طويلًا، ودخل العديد من الحروب، فكانت تلك السمة البارزة في الاسيرة الذاتية للفريق سعيد شنقريحة، التي لم تخل من المسؤوليات والمهام الأخرى العديدة التي تقلّدها الفريق الجديد في الجيش الجزائري.

حصل الفريق سعيد شنقريحة طيلة مسيرته على عدة أوسمة، منها وسام الجيش الوطني الشعبي من الشارة الثالثة، ووسام مشاركة الجيش الوطني الشعبي في حروب الشرق الأوسط 1967 و1973 ووسام الاستحقاق العسكري ووسام الشرف.

كانت بداية صعوده بتعيينه في وظيفة قائد كتيبة دبابات القتال بلواء الثامن المدرع بالناحية العسكرية الثالثة، ثمّ تعيينه رئيس أركان لواء مدرع بالناحية العسكرية الثالثة، قبل أن يشغل منصب قائد لواء مدرع بالناحية العسكرية الثالثة، فرئيسًا لأركان فرقة مدرعة بالناحية العسكرية الخامسة.

أسندت له أيضًا مهام قائد المدرسة التطبيقية لسلاح المدرعات بالناحية العسكرية الخامسة، من بعدها عُين قائد فرقة مدرعة بالناحية العسكرية الثانية ونائب قائد الناحية العسكرية الثالثة. وفي الوقت الذي كانت فيه العشرية السوداء، التي أسفرت عن مقتل أزيد من 200 ألف جزائري تعيش ساعاتها الأخيرة، كان شنقريحة على موعدٍ مع أوّل ترقيةٍ له بتقلّده رتبة عميد عام 1998، تكريمًا له على جهوده طيلة الحرب التي خاضها الجيش الجزائري ضدّ المسلحين الإسلاميين.

بمجيء بوتفليقة سنة 1999، بدأ حملة على قادة الجيش الذين كانوا يسيرون البلاد من وراء الستار، بدأت بتعيين الفريق أحمد قائد صالح قائدًا للأركان، الذي قام بترقية سعيد شنقريحة إلى رتبة لواء في عام 2003، وعينه بعد سنةٍ من ذلك قائدًا على الناحية العسكرية الثالثة.

أشرف شنقريحة خلال توليه قيادة الناحية العسكرية الثالثة على إعداد استراتيجية تأمين الحدود الشاسعة، على مسافة تفوق الألف كم في الجهة الجنوبية الغربية للبلاد، كما كانت له تصريحات جريئة بخصوص قضية الصحراء الغربية، إذ دعم سنة 2016 علانية «حق جبهة البوليساريو في تأسيس دولة مستقلة على أرض الصحراء»، متهمًا المملكة المغربية بالسعي وراء إجهاض المحاولات التي يقوم بها الصحراويون للاستقلال «من خلال مناورات دنيئة»، على حد تعبيره.

وفي سبتمبر (أيلول) عام 2018، وفي قلب صراع الأجنحة على السلطة عُيّن شنقريحة قائدًا للقوات البرية الجزائرية، وهو ثاني أسمى المناصب العسكرية بالجزائر، على غرار سلفه أحمد قايد صالح الذي شغل نفس المنصب قبل توليه رئاسة الأركان بين عامي 2004 و2006.

وبعد وفاة الفريق أحمد قايد صالح، وتماشيًا مع التقاليد العسكرية التي تمنح قائد القوات البرية الأولوية لقيادة الأركان، عيّن الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون الفريق شنقريحة قائدًا للأركان بالنيابة، قبل أن يثبته في المنصب الخميس الماضي 2 يوليو (تموز) الجاري.

قصقصة تركة القايد صالح.. أولى خطوات شنقريحة في قيادة الأركان

بالرغم من ابتعاد الرجل نسبيًا عن السياسة، لم يتوان شنقريحة عن إعلان دعمه للمسار الذي أعلنه الفريق أحمد قايد صالح لإخراج الجزائر من الأزمة السياسية التي عصفت بها بعد استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وهو المسار الذي رفضه قطاعٌ واسعٌ من وسط الحراك، الأمر الذي أدى إلى وقوع صدامٍ بين الجيش والحراك، ولو في صورة تصريحاتٍ وشعاراتٍ متبادلة طالت قادة الجيش الجزائري والمتظاهرين.

وفور توليه منصب قيادة الأركان خلفًا للراحل صالح لم يسلم سعيد شنقريحة من هجوم الحراك الشعبي الذي هتف بسقوط اسمه من أوّل يوم.

كانت التكهنات تشير إلى النهج الذي أسس له الفريق الراحل أحمد قايد صالح سيستمر في عهدة شنقريحة، وأنّ الصورة الناصعة التي رسمت للجيش الجزائري بعد الحراك الشعبي وانحيازه للشعب ضد بوتفليقة ستزداد نصوعًا، غير أنّ ما أحدثته الأشهر السبعة الأخيرة لتولي شنقريحة قيادة الأركان أوحت، حسب الكثير من المتابعين، أنّ سفينة شنقريحة تسبح عكس تيار صالح.

كانت البداية بإقالة المدير العام للأمن الداخلي في الجزائر، اللواء واسيني بوعزة من منصبه، ومن ثمّ اعتقاله بتهم «ارتكاب تجاوزات خطيرة» وكان بوعزة واسيني يوصف بالذراع المسلحة للقايد صالح.

خلفًا لبوعزة واسيني، جرى تعيين العميد عبد الغني راشدي مديرًا للمخابرات الداخلية بالنيابة، وتتهمه الدوائر المتابعة للشأن العسكري الجزائري بموالاة جناح الفريق محمد مدين القابع في السجن، بينما جرى تعيين اللواء محمد قايدي، أكثر القيادات قربًا من الفريق الراحل القايد صالح، رئيسًا جديدًا لـ«دائرة الاستعمال والتحضير»، بعد أن كان المرشح الأبرز لتولي منصب رئاسة دائرة المخابرات.

بتثبيته قائدًا للأركان وترقيته إلى رتبة فريق، وتخلصه من تركة سلفه القايد صالح، لم يتبق أي اسمٍ قد يهدد مسار الفريق سعيد شنقريحة داخل مؤسسة الجيش، سوى وزير الدفاع الفريق الأول بن علي بن علي، الذي أشارت مصادر مطلعة تحدثت لها «ساسة بوست» إلى عزم تبون إحالته على التقاعد في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

بالرغم من تعهده أسوةً بالراحل قايد صالح، «بعدم إراقة قطرة دم واحدة» للجزائريين مهما كانت الظروف، كان تعامل الجيش الجزائري مع المتظاهرين في مدينة تينزاواتين الحدودية مع مالي مثار التساؤل، بعد استخدام قوات الدرك والعسكر للقوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين؛ ما أسفر عن سقوط ثلاثة ضحايا وعشرات المصابين.

أمّا أخر خرجات السعيد شنقريحة عن النهج الذي عرف به سلفه صالح، فكانت في احتفالات الجيش بذكرى استقلال البلاد، أمسٍ الأحد، فكان تواجد الجنرال بن حديد، الذي سجنه الفريق صالح قبل أن يطلق سراحه بعد وفاته، في الحفل الذي نظمته وزارة الدفاع، والاحتفاء الذي حظي به من طرف قائد الأركان الفريق سعيد شنقريحة؛ مثيرًا للكثير من الجدل.

ناهيك عن عدم إعلان وزارة الدفاع الحدادٍ الوطني بعد وفاة قائد الناحية العسكرية الرابعة، اللواء حسان لعلايمية، يوم أمس، وكان يعدّ هو الآخر أحد المقربين من الفريق الراحل أحمد قايد صالح؛ مما فتح المجال للتساؤل حول حقيقة العلاقة التي كانت تربط بين شنقريحة وسلفه الراحل القايد صالح، وحول احتمالية انقلاب القائد الجديد للجيش الجزائري على النهج الذي سلكه صالح فيما مضى.

سياسة الاحتواء.. طيف صالح الذي يخشاه تبون

انتهى فصلٌ جديدٌ في تاريخ الجزائر الحديث بوفاة الفريق أحمد قايد صالح نهاية العام الماضي، والذي لا يزال الغموض يكتنف قراره بالانحياز إلى الحراك الشعبي ضد نظام بوتفليقة، بالرغم من كون الرجل أحد رجالات ذلك النظام، وهو الأمر الذي جعل خليفته الفريق سعيد شنقريحة، الذي لا يزال غامضًا لدى الكثيرين، محط الأنظار، خشية أن يخطو شنقريحة نفس خطوات سلفه صالح في أي تطوراتٍ سياسية ربما تشهدها البلاد.

قطع قرار تبون تثبيت شنقريحة في منصبه قائدًا للأركان وترقيته إلى رتبة فريق كل الشكوك حول نية تبون التخلص من شنقريحة، وعلى عكس ما كان يروج في الأوساط الإعلامية القريبة من الرئيس تبون بأن اسمًا آخر ربما يحلّ محل شنقريحة.

حقوق إنسان

منذ 4 شهور
متحف الإنسان.. حيث تتباهى فرنسا بعرض جماجم ثوار مستعمراتها السابقة

ورى بعض المراقبين للشأن الجزائري في خطوة الرئيس الجزائري ضمان لاستقرار أهم مؤسسة عسكرية، وفي هذا الصدد يشير الناشط في الحراك ز. ش. أثناء حديثه مع «ساسة بوست» إلى أن «تبون بتثبته للفريق سعيد شنقريحة قطع كل الإشاعات حول خليفة القايد صالح، كما أنه حافظ على استقرار المؤسسة العسكرية التي هي أهم رافد للدولة الجزائرية».

وأضاف الناشط، الذي طلب استخدام الحروف الأولى من اسمه، أنّ «الجيش الجزائري ابتعد عن السياسة، والدليل أن الفرصة كانت أمامه في الفترة الماضية واختار أن يحمي الوطن، والآن لا يخفى على أحد أن المخاطر الأمنية التي تعيشها الحدود الجنوبية والشرقية، وحتى الغربية، من شأنها أن تبعد أي تفكير للقيادة العسكرية في السياسة».

ويعتزم الدستور الجديد الذي ينوي الرئيس تبون طرحه في استفتاء شعبي، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، السماح للجيش الجزائري بالمشاركة في العمليات العسكرية بالخارج، وهو الأمر الذي يزيد من مسؤوليات القائد الجديد للجيش ويكبح طموحه السياسي حسب متابعين.

المصادر

تحميل المزيد