تكثر الكلمات الرنانة في عالم جماعات الضغط السياسي، فكثير من العاملين في المجال يصفون أنفسهم بأنهم «خبراء استراتيجيون»، أو خبراء في «التواصل الدولي» وفي «إدارة الأزمات». وبعيدًا عن كل هذه التوصيفات والكلمات الجذابة، ففي واشنطن؛ المنجزات والملفات التي تنفذها شركات الضغط هي رأس مالها الحقيقي وأساس سمعتها.

أُسِّست لجنة شؤون العلاقات العامة الأمريكية السعودية «سابراك» في مارس (آذار) 2016، وفي هذا التقرير سنتعرف إلى سابراك وأنشطتها في واشنطن.

سابراك vs أيباك: قصة التأسيس الأولى

بحسب الفيديو التعريفي لسابراك، فإنَّ اللجنة تهدف إلى «تعزيز العلاقات التاريخية بين السعودية والولايات المتحدة» من خلال «التثقيف والشفافية والدبلوماسية الشعبية»، وتسعى سابراك لتحقيق الأهداف من خلال الآليات التالية: نشر محتوى إلكتروني مرئي ومقروء، وتنفيذ فعاليات ومؤتمرات متبادلة بين الدولتين، والتنسيق مع وسائل الإعلام الأمريكية لتوصيل معلومات موثوقة وصحيحة، والعمل في مبادرات ثقافية ومجتمعية.

يُظهر شعار اللجنة نخلةً تتوسط خطوطًا باللونين الأزرق والأحمر، ألوان العلم الأمريكي، والنخلة في إشارة إلى المملكة السعودية، وتشابه فكرة الشعار تصميم شعار لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك»، أهم أذرع اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، وشعارها مؤلف من نجمة إسرائيل مرسومةً بخطوط حمراء وزرقاء.

شعار لجنة شؤون العلاقات العامة الأمريكية السعودية «سابراك»، كُتب تحته: «معًا نمضي إلى الأمام» – مصدر الصورة

مؤسس اللجنة ورئيسها هو سلمان الأنصاري، اشتهر بظهوره على القنوات الإخبارية للتعليق على المستجدات السياسية التي تخص السعودية. ونائبته ريم دفع، سعودية تحمل الجنسية الأمريكية، وتروِّج وتبرر لمواقف السعودية تجاه حقوق المرأة وحقوق الإنسان والناشطين السياسيين. وبحسب ملف تسجيل اللجنة على موقع وزارة العدل الأمريكية، فإنَّ الأنصاري يستخدم اللجنة منصةً لترويج آرائه في شؤون الولايات المتحدة والشرق الأوسط.

ووفقًا لحساب «تويتر» الخاص بسابراك؛ تعمل اللجنة على أنشطة تطوعية بالشراكة مع منظمات أمريكية محليَّة، وتُرسل متطوعين للمشاركة في هذه الفعاليات التطوعية «الإنسانية». بالإضافة إلى ترويج السياحة في السعودية، وتعريف الثقافة السعودية للمجتمعات الأمريكية.

وراء معظم الأنشطة الثقافية للجنة في واشنطن أهدافها السياسية الخالصة. فلم يشتهر اسم سابراك حين تأسيسها إلا بعد أن نفذت حملة إعلامية تشويهية لدولة قطر، بعد الحصار الرباعي عليها في يونيو (حزيران) 2017؛ إذ عملت سابراك دون الإفصاح عن تفاصيل أنشطتها السياسية، في مخالفة لقوانين الضغط السياسي لصالح جهات أجنبية (غير أمريكية). وردًّا على الحملة، أرسلت شركة «أفينيو للاستراتيجيات – Avenue Strategies» رسالة لوزارة العدل الأمريكية لإشعارها بأنشطة سابراك وضرورة تسجيلها، وفقًا لقانون «فارا»، على أنها ممثلة لمصالح جهة أجنبية، السعودية في هذه الحالة. ويُذكر أن شركة «أفينيو» تعمل لصالح قطر، وتتمتع بعلاقات وثيقة بدوائر ترامب.

وبعدما نظرت وزارة العدل في طلب شركة «أفينيو» وجدته مشروعًا لأن الحملة التشويهية تخدم مصالح السعودية بالدرجة الأولى، طالبت الوزارة سابراك بالتسجيل والإفصاح عن مصادر أموالها المصروفة في آخر 60 يومًا، ولكن الأنصاري قال بأنه موَّل اللجنة لمدة شهرين بأمواله الخاصة بمبلغ مليونين و900 ألف دولار أمريكي.

في النهاية سجَّلت سابراك على موقع وزارة العدل نهاية أغسطس (آب) 2017، بعد 10 أيام من إرسال الرسالة.

وتذكر الوثيقة التي أفصحت عنها سابراك بعد طلب وزارة العدل، وجود أربع شركات يملكها الأنصاري في السعودية وهي: شركة «سلمان عبد الرحمن الأنصاري للتجارة»، وشركة «مارجين سكوب»، وهي شركة أعدت وثائقيًّا عن إيران ودعايةً لوثائقي عن قطر ودورهما في «دعم الإرهاب»، ويملك أيضًا شركة سمارت فيجن لتكنولوجيا المعلومات، وشركة البيازين، تُدير منتجعًا فاخرًا وفقًا لحساب الأنصاري على منصة «لينكدإن».

حملات تشويهية بمبالغ طائلة

وبحسب الوثائق على موقع وزارة العدل الأمريكية، سجَّل الأنصاري عقدًا مع مجموعة بوديستا للضغط السياسي بواسطة سابراك في 21 يونيو (حزيران) 2017، المجموعة التابعة للأخوين جون وطوني بوديستا المقربين من دوائر هيلاري كلينتون. ونفذت المجموعة خلال فترة العقد الذي استمر لمدة ثلاثة شهور، حملات إعلامية تشويهية لدولة قطر، وبلغ مجموع المدفوعات 3 ملايين و262 ألف دولار.

من تعاقد سابراك مع مجموعة بوديستا

من تعاقد الأنصاري، وسابراك، مع «مجموعة بوديستا» للضغط السياسي، والعقد مركزٌ بشكل أساسي استراتيجية الشركة لتنفيذ حملات ضدّ قطر. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

لم تذكر بوديستا تفاصيل الأنشطة في وثائقها، ولكن موقع «ذا ديلي بيست» نشر بعض التفاصيل في تقرير إعلامي، وبحسب التقرير عملت الشركة في تصميم دعايات إعلامية ونشرها باسم سابراك، تناشد الرئيس دونالد ترامب لقطع علاقاته مع دولة قطر، وتروج الدعايات دعم قطر «للإرهاب وإيران»، وبُثت خلال البرامج الإخبارية على قنوات فضائية، وخلال بطولة الجولف البريطانية المفتوحة، وصرحت ريم دفع بأنّ اختيار البطولة سببه كون «ترامب لاعبًا ومتابعًا شغوفًا برياضة الجولف».

جدير بالذكر أن مجموعة بوديستا كانت متعاقدة في الفترة نفسها مع مركز الدراسات والشؤون الإعلامية بالديوان الملكي، الذي يترأسه سعود القحطاني، مستشار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وأحد المتهمين الرئيسين في التنسيق لجريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

من وثائق سابراك، توضح دفعها لـ3 ملايين و262 ألف دولار لـ«مجموعة بوديستا»، المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

وبعد الضغط على سابراك للإفصاح عن أنشطتها، نشرت ملفات تكشف عن تنفيذها حملة إعلانية بأموال بحرينية «لتثقيف العامة»، عن العلاقات بين دولة قطر وكوريا الشمالية، وتصويرهما على أنَّهما شريكتان في «الإرهاب». ونفذت الحملة شركة «كرافت للإعلام الرقمي – Craft Digital Media»، ونشرت ضمن وثائقها على وزارة العدل الأمريكية، تصاميم تتحدث عن العلاقات بين قطر وكوريا الشمالية، ودفع للشركة مقابل خدماتها مليون و123 ألف دولار.

وأنشأت سابراك حسابات تواصل اجتماعي على كلٍ من «تويتر» و«فيسبوك» تحت مسمى «The Qatar Insider»، وكُتب في وصف الحسابات: «المصدر الشامل للمعلومات عن تمويل قطر لأنشطة الجماعات الإرهابية والإسلامية المتطرفة». وتوقفت الحسابات عن العمل في الفترة الحالية.

شالوم إسرائيل.. الأنصاري يدقُّ أبواب تل أبيب

في أكتوبر (تشرين الأول) 2016، نشر الأنصاري مقالة بعنوان «كيف يمكن لإسرائيل أن تساهم في رؤية السعودية 2030»، تحدث فيها عن أهمية دور إسرائيل في تعزيز السلام في المنطقة، ودورها في تحقيق الرؤية السعودية، وجاء بعد نشرها الثناء الإسرائيلي من صحف إسرائيلية مثل «تايمز أوف إسرائيل» التي أكدت أهمية ما ذكره الأنصاري في مقاله.

وقبل ذلك في سبتمبر (أيلول) 2015، نشر الأنصاري مقالة يتحدث فيها عن طموح تأسيس لوبي عربي ولكن على الطريقة الإسرائيلية، ولربما من هنا جاء التشابه في تسمية سابراك مع أيباك.

للأنصاري يده في مساعي التطبيع السعودي مع إسرائيل؛ إذ سجَّلت سابراك عقدًا مع رابطة العالم الإسلامي في مايو (أيَّار) 2018، مقابل خدمات تنسيق اجتماعات أثناء زيارة وفد الرابطة لواشنطن، ويترأسها الأمين العام محمد العيسى. ونسقت سابراك زيارة للوفد لمتحف الآثار اليهودية في نيويورك باستضافة من مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى، واحدة من أهم مؤسسات اللوبي الإسرائيلي، وبحسب وثائق سابراك في وزارة العدل الأمريكية، كان هدف الزيارة إحياء ذكرى الهولوكوست، وتأكيد أهمية حوار الأديان في زمن انتشار معاداة السامية.

معالي الشيخ عبد الله بن بيه مخاطباً مؤتمر التواصل الحضاري: “الأديان في جوهرها لاتدعوا إلى الفوضى والعبث؛ إنها مشروع تعمير لا تدمير، وطاقة للخير والحياة وليست طاقةً للشر والدمار”

الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، محمد العيسى (يمين الصورة)، وعبد الله بن بيه (يسار الصورة) في مؤتمر التقارب الثقافي الثاني – نيويورك 2018 – مصدر الصورة

ونسقت سابراك لقاء للوفد مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية، مثل سام براون باك، سفير الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية، وناقش الطرفان أثناء الاجتماع جهود «محاربة التطرف ونموذج الإسلام المعتدل». وقد اشتهر سام براون باك بموقفه الداعم لضم إسرائيل الضفة الغربية وغزة، وتبنيه أفكار اليمين الإسرائيلي المتطرف.

السعودية

منذ شهر
كيف تقود رابطة العالم الإسلامي التطبيع السعودي مع إسرائيل؟

ولاحقًا بين سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) 2018، قدمت سابراك خدمات إعلامية وتواصل لمؤتمر التقارب الثقافي الثاني الذي عقدته رابطة العالم الإسلامي في نيويورك. واستأجرت الرابطة بعقد فرعي من خلال سابراك شركة «ساوث فايف – Southfive Strategies» التي دعت العديد من المنظمات والشخصيات الصهيونية لحضور المؤتمر مثل: اللجنة اليهودية الأمريكية، ومنتدى السياسات الإسرائيلية.

ومؤسس الشركة جاسون إبستين، عمل سابقًا مديرًا للشؤون التشريعية في منظمة «بناي بريث» اليهودية، أقدم منظمة تاريخية تعمل لـ«مناهضة معاداة السامية واستمرارية دولة إسرائيل». ودفع للشركة مقابل خدماتها للمؤتمر 38 ألف دولار.

ووفقًا لوثائق اللجنة على موقع وزارة العدل الأمريكية، فإنَّ تكاليف تشغيل اللجنة وأنشطتها بلغت 3 ملايين و305 آلاف دولار أمريكي، يقول الأنصاري إنه يدفعها من أمواله الخاصة. وقد ألغت سابراك تعاقدها مع الأنصاري في 15 فبراير (شباط) 2019، ولكنَّ ذلك لا يعني توقف الأنصاري عن العمل لسابراك، ولكن قد يعني أن اللجنة أمَّنت طرقًا أخرى أكثر توافقًا مع القوانين الأمريكية للإفصاح عن تمويل أنشطتها.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد