جيلُ اللاجئين الفلسطينيين الذي عاش شبابه في الأربعينيات شاهدًا على الأحداث في أوج ظلامها، توشك شمسه أن تغيب للأبد، واللاجئون الذين تشتتوا في الأرض عشرات السنين على أمل العودة يومًا ما حاملين مفاتيح بيوت أجدادهم القديمة، يخشون الآن أن يقبعوا في التيه طوال عمرهم، أو أن يُدفن أحفادهم في أوطانٍ غريبةٍ بعدما شاهدوا من فصول الرواية الأخيرة أنّ القصة أوشكت على الانتهاء بتوقيع صفقة القرن كما يُروّج أبطالها. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خطته للسلام بين إسرائيل وفلسطين المعروفة باسم «صفقة القرن»، التي أقر بها بنودًا جديدة، صنعت واقعًا مُغايرًا للقضية الفلسطينية، أبرزها «إسقاط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين».

التقرير التالي يشرح لك قصة اللاجئ الفلسطيني الذي تحاربه صفقة القرن وتخشاه إسرائيل.

«يوم النكبة».. شتات فلسطيني مقابل وطن يهودي

في يوم 15 مايو (أيار) عام 1948، أعلن الاحتلال الإسرئيلي قيام دولته على أرض فلسطين، بعد إحالة القضية إلى الأمم المتحدة، التي أصدرت قرار تقسيم فلسطين عام 1947 إلى دولتين يهودية وعربية.

(مخيم لللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية)

قبل قرار التقسيم بعامين، كانت جامعة الدول العربية قد تشكلت بدعمٍ بريطاني، لكنها ظلّت عاجزة عن اتخاذ أي قرار؛ نظرًا إلى أن قراراتها غير ملزمة للدول الأعضاء، وعقب انسحاب بريطانيا من فلسطين عام 1948، أعلنت إسرائيل قيام دولتها في القدس الغربية، لكنّ قواتها نجحت في احتلال مساحات تفوق ما حصلت عليه في قرار التقسيم، وخرجت أعداد كبيرة من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم خوفًا من المذابح تزامنًا مع دخول ست دول عربية (الأردن، والعراق، وسوريا، والسعودية، ومصر) الحرب التي كان شعارها «تحرير فلسطين».

ووفقًا لتعريف الأمم المتحدة لمفهوم اللاجئين الفلسطينيين، فهم «أولئك الأشخاص الذين كانوا يقيمون في فلسطين خلال الفترة ما بين يونيو (حزيران) 1946 وحتى مايو (أيار) 1948، والذين فقدوا بيوتهم ومورد رزقهم نتيجة الحرب».

اعترفت الأمم المتحدة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين في القرار 194 الذي صدر في ديسمبر (كانون الأول) عام 1948، وينص على أنه « يجب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم مع دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وفقًا لمبادئ القانون أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة»، ووقعت إسرائيل مضطرة على القرار الأممي الذي لم يُنفذ إلى اليوم.

دولي

منذ 7 شهور
«الباشا».. رجل المخابرات الأول في فلسطين الذي قد يُمرر «صفقة القرن»

أين ذهب اللاجئون بعد احتلال وطنهم؟

انتهت حرب 1948 بتوقيع الدول العربية المنهزمة هُدنة «رودس»، والتي كان نتيجتها استسلام عربي واعتراف دولي بالحدود الجديدة، لكنها من جانب آخر ولدت موجة من اللاجئين الفلسطينيين انقسموا إلى قسمين؛ فبعضهم رحل إلى الدول العربية المجاورة في المخيمات التي أقامتها الأمم المتحدة، والبعض نزح إلى الداخل الإسرائيلي، أو بقوا في قراهم وبلداتهم بعد أن سيطرت إسرائيل على الأقاليم التي يعيشون بها، فأصبحوا يُلقبون بـ«لاجئي الداخل» أو عرب 48، وبلغ عددهم عام 1950 نحو 914 ألفًا اعترفت بهم الأمم المتحدة.

حصل عرب إسرائيل على الجنسية الإسرائيلة، ويبلغ عدد السكان اليهود ستة ملايين و744 ألفًا، يشكلون 74.2% من إجمالي السكان، بينما يبلغ عرب الداخل نحو مليون و907 آلاف نسمة، ونسبتهم 21%، وهو ما يعادل ربع السكان في إسرائيل، وفقًا لبيان إحصاء رسمي صادر العام الماضي. وخلال حرب 1967، زاد عدد اللاجئين نتيجة موجات نزوح ثانية، حتى إنّ بعض اللاجئين الذين أقاموا في الضفة الغربية وقطاع غزة اضطروا إلى الهجرة مرة أخرى.

وتعترف هيئة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة (أونروا) بنحو 1.4 مليون لاجئ يعيشون في 58 مخيمًا معترفًا به للاجئين في كل من الأردن، ولبنان، وسوريا، وقطاع غزة، والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، لكنّ الرقم الحقيقي للاجئين القابعين في الشتات إضافة للمخيمات يتجاوز مليوني لاجئ، وفق إحصاءات الأمم المتحدة، ويُعتقد بأنّ الرقم الحقيقي أكبر بكثير.

على جانبٍ آخر، لا تعترف إسرائيل بأعداد اللاجئين الفلسطينيين، وتقول إن اللاجئين هم فقط الذين ولدوا قبل 1948، وتقدر عددهم بخمسين ألفًا فقط، وهو الرقم المذكور في صفقة القرن، وبنت إسرائيل تصوراتها على عدم الاعتراف في عدة بنود تتمسك بها:

1- هرب الفلسطينيون من قراهم بمحض إرادتهم.

2- هاجروا بطلبٍ من الأحزاب الفلسطينية، التي كانت تحارب إسرائيل.

3- أمرتْ قيادةُ الجيوش العربية الفلسطينيين بالهجرة خلال حرب 1948 لغرض القضاء على اليهود.

4- أمرتْ قيادة الجيوش العربية السكانَ الفلسطينيين بإخلاء بيوتهم لغرض استعمالها مراكز قتالية، وثكنات عسكرية، كما حدث في حيفا.

5- عاد السكانُ العرب من إسرائيل إلى بلادهم الأصلية؛ الأردن، وسوريا، ولبنان، والعراق، ومصر.

6- هرب سكان الريف إلى المدن الكبيرة.

عربي

منذ 7 شهور
بالأرقام المفصلة.. هذا ما ستأخذه الدول العربية مقابل تمرير «صفقة القرن»

 اللاجئون و«صفقة القرن».. 3 خيارات ليس من بينها العودة

حددت الصفقة بعض الشروط على الفلسطينين لتنفيذها خلال أربع سنوات مقابل ترسيم حدود جديدة لدولتهم، وأهمها إلغاء حق العودة للاجئين، وقبول الفلسطينيين بدولة إسرائيل دولة يهودية.

مقابل إلغاء حق العودة، وضعت الوثيقة ثلاثة خيارات للتوطين، مع وضع قيود على عودة من وصفتهم بـ«اللاجئين اليهود» إلى دولة فلسطين نفسها.

«فلسطينيو  إسرائيل»: خيرت وثيقة صفقة القرن فلسطينيي الداخل المُقيمين في إسرائيل، بين ثلاثة مسارات هي؛ إما أن يصبحوا مواطنين في إسرائيل يتمتعون بكافة الحقوق، وإما أن يكونوا مواطنين تابعين لدولة فلسطين، فيما كان الخيار الثالث لهم هو أن يبقى وضعهم كما هو مُقيمين بشكل مستمر في إسرائيل.

«اللاجئون اليهود»: تُلزم الوثيقة دولًا عربية وإسلامية بتعويض من أسمتهم «باللاجئين اليهود» ممن كانوا مُقيمين في هذه الدول، وطُردوا منها، كما تنص الخطة كذلك على تعويض إسرائيل ماديًّا بسبب استقبالها هؤلاء اللاجئين اليهود في فترات سابقة.

«اللاجئون الفلسطينون»: ركزت الخطة على الخيارات المستقبلية للاجئين الفلسطينين، ووضعتهم أمام ثلاثة خيارات. أول هذه الحلول هو الاستيعاب في دولة فلسطين، والعيش في أراضيها المستقبلية، باشتراطات وكيفية حددتها الوثيقة.

وتتضمن الكيفية قبول 5 آلاف لاجئ كل عام، لمدة تصل إلى 10 سنوات (50 ألفًا مجموع اللاجئين)، وثاني هذه الخيارات البقاء في الدول التي يعيشون فيها حاليًا، شريطة موافقة هذه الدول، وتشمل الخطة تحويل المخيمات الفلسطينية، التي يسكنها آلاف اللاجئين إلى تجمعات سكانية دائمة. وتقترح الخطة منح بعض التعويضات المالية للاجئين الفلسطينيين، عبر صندوق يشرف عليه اثنان من الأمناء تعيِّنهما دولة فلسطين والولايات المتحدة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 7 شهور
10 أسئلة تشرح لك «صفقة القرن» التي أعلنها ترامب بالأمس

بهذا الشكل تحاول صفقة القرن أن تحصر أعداد اللاجئين الفلسطينيين في العدد المعترف به إسرائيليًّا فقط، كما سبق وذكرنا، وتغلق هذا الملف للأبد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد