تعيش الجزائر هذه الأيّام على وقع حدثيْن بارزيْن يقسمان الشارع بحدّة؛ الأوّل هو الانتخابات الرئاسية التي تصرّ السلطة على إجرائها في 12 ديسمبر (كانون الأوّل) القادم، والثاني الحراك الشعبي المستمرّ منذ أكثر من ستّة شهور، والرافض لهذه الانتخابات رفضًا مطلقًا، بسبب غياب شروط النزاهة والشفافيّة، حسبما يقول المشاركون في الحراك.

هذه هي المحاولة الثالثة للسلطة لإجراء الانتخابات الرئاسيّة، بعد أن تعطّلت المحاولتان السابقتان بفعل الاحتجاجات الشعبيّة الأسبوعية، إذ استطاعت إيقاف انتخابات شهر أبريل (نيسان) التي كانت ستشهد عهدة خامسة مضمونة للرئيس السابق بوتفليقة، كما استمرّت الاحتجاجات التي أجبرته في النهاية على الاستقالة، لتحاول السلطة بعدها تنظيم انتخابات رئاسيّة بعدها بشهرين في شهر يوليو (تموز) بعد عزل بوتفليقة.

لكن الحراك الشعبيّ استطاع أيضًا إفشالها مرّة أخرى بعد انسحاب جميع المرشّحين، بفعل ضغط الشارع الذي يطالب بشروط نزاهة حقيقيّة للانتخابات، أهمّها رحيل حكومة بدوي، وإبعاد رموز بوتفليقة عن الساحة السياسية، وقيادة اللجنة المستقلة لتنظيم الانتخابات من طرف شخصيات نزيهة ومستقلّة عن السلطة، وإطلاق سراح معتقلي الحراك، وهي الشروط التي لا تتوفّر حتى الآن.

Embed from Getty Images

صحيح أن الحراك الشعبي يرفض المشاركة في الانتخابات ويدعو إلى إلغائها، لكن ذلك لم يمنع عدّة مرشّحين من سحب أوراق ترشّحهم في الأيام القليلة الماضية، وتبرز حتى الآن شخصيّتان أثارتا الكثير من الجدل بترشّحهما، وهما؛ علي بن فليس، رئيس وزراء بوتفليقة خلال سنوات 2000 – 2003 الذي انقلب عليه وترشّح ضدّه في انتخابات الرئاسة سنة 2004، ليعاود الكرّة مرّة أخرى بعد 10 سنوات في 2014، ويفشل في كلتا المرّتين، ثم يؤسّس حزب «طلائع الحريّات» المعارض، ويحاول تكرار التجربة ذاتها للمرّة الثالثة، هذه المرّة في 2019.

أمّا الشخصية الثانية فقد شغلت منصب بن فليس نفسه، لكنها ستخوض تجربتها الانتخابيّة الأولى في تاريخها، وهو الوزير الأوّل السابق عبد المجيد تبون الذي لم يعمّر طويلاً في رئاسة الوزراء سنة 2017. فبعد أقلّ من ثلاثة شهور من وصوله إلى المنصب، غادر تبون رئاسة الوزراء بعد خلافات عميقة مع رجال أعمال مقرّبين من محيط الرئيس بوتفليقة، وهي الإقالة التي أكسبته بعض الشعبية بصفته قد غادر المنصب بسبب مُحاربته الفساد، حسبما رُوّج عنه في تلك الفترة.

لكن الصراع الانتخابي بين كل من بن فليس وتبّون لم يتأخّر، ففور سحب تبون أوراق ترشّحه، بدأت التصريحات الناريّة بين الطرفين؛ إذ علّق بن فليس على هذه الخطوة بقوله إنّ ترشّح مُنافسه هو «عهدة خامسة جديدة بدون بوتفليقة»، في إشارة إلى أنّ تبّون قد يكون هو مرشّح النظام في الانتخابات القادمة، وهو ما فتح باب التكهّنات حول مرشّح السلطة الفعلية الذي سيحظى بدعمها؛ فكِلا الرجُلين كانا جزءًا من منظومة الحكم لسنوات طويلة من حياتهما.

وفي الوقت الذي بدأ فيه بن فليس التحضير للمنافسة الانتخابيّة مبكّرًا، من خلال إنشائه حزب «طلائع الحريّات» المعارض منذ سنة 2015، يعوّل الوزير الأوّل السابق عبد المجيد تبون على دعم السلطة الفعلية، إذ يرى الكثيرون أن ترشّحه ليس قرارًا شخصيًّا، بل بطلب من السلطة نفسها، خصوصًا أنّه لم يُصدِر أي موقف سياسي أو تصريح طوال الشهور السبعة للحراك الذي أطاح الرئيس بوتفليقة، فقد اعتزل الحياة السياسية تمامًا منذ إقالته في صيف 2017.

هل يصبح عبد المجيد تبون مرشح الجيش في الانتخابات الرئاسية الجزائرية؟

غموض حول مرشّح السلطة.. هل يبحث الجيش عن فارسه؟

بسبب الغموض الكبير الذي يحيط بانتخابات 12 ديسمبر، التي تصرّ السلطة على إجرائها في موعدها، رغم اعتراض جزء كبير من الشارع الجزائري، لغياب شروط النزاهة اللازمة؛ تكثر التكهّنات حول شخصية الرجل الذي تعوّل عليه السلطة الفعلية ممثّلة في المؤسسة العسكرية ليكون أوّل رئيس يأتي بعد الحراك الشعبي الذي أطاح بوتفليقة، ويستطيع تحقيق «المعادلة المستحيلة» المتمثّلة في تهدئة الشارع الغاضب من جهة، ولا يتجاوز في الوقت نفسه الحدود التي ترسمها المؤسسة العسكرية التي ستأتي به.

Embed from Getty Images

الوزير الأول السابق علي بن فليس

ومع رفض أسماء ثقيلة دخول المعترك الانتخابي لغياب شروط النزاهة، مثل رئيس الوزراء السابق مولود حمروش، الملقّب بـ«رجل الإصلاحات»، ورئيس الوزراء المُستقيل أحمد بن بيتور؛ فهل يمكن القول بأن السلطة حسمت أمرها من خلال خوض الانتخابات بأحد وجوهها القديمة المتمثّلة في كل من الوزير الأوّل تبون، الذي جرى التسويق له سنة 2017 على أنّه غادر الوزارة بعد تصدّيه لرجال أعمال فاسدين مقرّبين من الرئيس، أبرزهم علي حدّاد الموجود في السجن، وعلي بن فليس الذي نشط في صفوف المعارضة منذ ترشّحه ضد بوتفليقة سنة 2014 من خلال حزبه «طلائع الحريّات»؟ 

يرى الكاتب الصحفي حسن خالد في حديثه لـ«ساسة بوست» أنّه بغض النظر عن النقاش حول الأسماء، فإن السلطة الفعليّة قد حسمت أمرها بفرض مرشّحها من خلال انتخابات مغلقة: «السلطة الفعلية أو سلطة الأمر الواقع لا خيار أمامها سوى حسم أمر الانتخابات الرئاسية، وتعيين مرشّحها رئيسًا، وعلى هذا، فالانتخابات عملية سياسية تخضع لتحكم أصحاب القرار الفعلي، فما زالت «غرفة التحكم والسيطرة» هي التي تدير العملية الانتخابية، ربما الذي تغيّر هي الجهة المتحكمة في تنظيم الانتخابات، لكنها تبقى شأنًا من شؤون الحكم، هكذا ترى السلطة الفعلية الانتخابات الرئاسية القادمة.»

Embed from Getty Images

الوزير الأول السابق عبدالمجيد تبون

ويرى حسن خالد أنّ السلطة قد تملك أسماء أخرى قد تدفع بها في هذا السباق الانتخابي: «تبون أحد مرشحي السلطة الفعلية، لكن قد يكون لديها مرشحون آخرون، ليس منهم بن فليس، فيبدو أنه ترشح بإيعاز من دوائر في السلطة، لكنه ليس خيار أصحاب القرار الفعلي أو السلطة الفعلية، كما تسمى عندنا».

ويضيف خالد: «بعيدًا عن جدل الأسماء، فيبدو أن السلطة الفعلية تعمل على فرض مرشحها في انتخاباتها التي عجلت بها من دون أي توافق أو تمهيد لها، بإجراءات التهدئة، أو بعض الضمانات الحقيقية لنزاهة الانتخابات. فالسلطة ماضية وملتزمة بخريطة طريقها التي فرضتها من دون أي اعتبار أو قيمة للملايين التي تخرج أسبوعيًّا للشوارع مناهضة لسلطة الأمر الواقع، ولا تبدي أي استعداد للتنازل ولو تدريجيًّا، أو محاولة التوصل لأرضية مشتركة مع الحراك، وصولًا إلى إمكان الاتفاق على رئيس توافقي».

أما الكاتب الصحفي نجيب بلحيمر فيرى أن مسألة الانتخابات بالنسبة له لم تُحسم بعد، إذ إنّ أولوية السلطة حاليًّا هي الدفع بالقطاعات الشعبية نحو المشاركة في الانتخابات، ويقول خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «لم تحسم الأمور بعد. التصريح الذي أطلقه علي بن فليس تعليقًا على إعلان تبون نيته في الترشح هو بداية مبكرة للحملة الانتخابية، وهو يشير إلى أن القضية التي سيبنى عليها الخطاب الانتخابي هو القطيعة مع عهد بوتفليقة وسياساته، لكن هذا لا ينفي التوجس من أن يكون للجيش مرشح آخر، رغم نفي رئيس الأركان لهذا الأمر. المعركة الأهم بالنسبة للسلطة الآن هي دفع الجزائريين إلى التصويت، وأحد أهم شروط بلوغ هذا الهدف هو إقناعهم بوجود منافسة حقيقية، ومن هنا فإن جلب شخصيات سياسية مهمة للترشح يعد أمرًا في غاية الأهمية».

لكن هل من الممكن أن نتّجه إلى انتخابات نزيهة نسبيًّا ضمن حدود معدّة مسبقًا بين مترشّحين توافق عليهم السلطة الفعلية، ممثّلة في المؤسسة العسكرية، مثلما هي الحالة الإيرانية، حيث يوافق مجلس صيانة الدستور على المترشّحين؟

يرى الأستاذ بلحمير في تصريحه لـ«ساسة بوست» أنه لا وجه للشبه مع الحالة الإيرانية: «فلن يكون الجيش بحاجة إلى فرز المترشحين لأن الفرز حدث فعليًّا بشكل قبلي من خلال الظروف التي ستجري فيها الانتخابات وكيفية تنظيمها. الذين يشاركون في هذه الانتخابات مجمعون على عدم معارضة خارطة طريق السلطة الفعلية، وهم ضمنيًّا ملتزمون بعدم تجاوز الخطوط الحمراء، وعدم زعزعة التوازنات التي تحكم النظام السياسي، وهذا كل ما تريده السلطة الآن، ومن هنا فإن أي رئيس سينتخب في الظروف الحالية سيكون شريكًا مقبولًا».

هل يستطيع الحراك الشعبي إيقاف الانتخابات الرئاسيّة مرّة أخرى؟

شهدت عدّة بلديات جزائريّة احتجاجات أمام مكاتب التصويت، مما تسبب في إغلاق هذه المكاتب بالقوّة، اعتراضًا على ظروف إجراء الانتخابات وغياب النزاهة حسب المحتجّين، كما أنّ الحراك الشعبي المستمرّ أسبوعيًّا لمدّة أكثر من ستّة أشهر يرفض المشاركة قطعًا، ويرى فيها إعادة لإنتاج النظام من جديد، فهل يستطيع الحراك الشعبي إجبار السلطة على التخلي عن الانتخابات الرئاسيّة للمرّة الثالثة، مع إصرار السلطة ممثّلة في قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح في خطاباته التأكيد على إجرائها في وقتها؟


يرى الكاتب الصحافي نجيب بلحيمر في حديثه لـ«ساسة بوست» أن استمرار المظاهرات بهذا الزخم «يمكن أن يعيق إجراء الانتخابات في التاريخ المحدد لها، ويكفي أنّها كانت السبب في إحجام أحزاب سياسية عن المشاركة، وهو ما ألقى بكثير من الشك حول امكانية إجراء الاقتراع يوم 12 ديسمبر، لكن هناك ما هو أهم وهو ما بعد الانتخابات، لأن إجراء الاقتراع في ظروف الرفض والمقاطعة سيضع النظام في مأزق خطير لاحقًا».

أمّا الكاتب الصحفي حسن خالد، فيرى في حديثه لـ«ساسة بوست» أنّ رفض الحراك لهذه الانتخابات يعني سحب الشرعية الشعبية عنها: « لا يربط الحراك مصيره بهذه الانتخابات، ولا نحمله فوق ما يطيق، لكن أكثر الشارع رافض لهذه الانتخابات، فهي إذن ساقطة شعبيًّا، لكن هل تسقط واقعًا؟ هذا مرتبط بأمرين: الأول، تحرك بعض دوائر السلطة والضغط بإعادة تقييم السياسات، وغلبة تيار التهدئة، ومنع التصعيد، والضغط لتأجيل الانتخابات، والثاني، أن يحشد الحراك ويراهن على تزايد الزخم الشعبي، فتخرج الكثرة الكاثرة، وهذا يربك السلطة الفعلية، ويصدها عن مضيها في غيها».

سلطة المال.. كيف انتصر رجال الأعمال على «تبون» في الجزائر؟

المصادر

عرض التعليقات