على خلفية فشل كل محاولاته للعودة إلى موطنه الأصلي، شعر مُحمد بالإحباط للمرة الأخيرة، بعد أن ذهب في إجازة كان من المفترض أن تكون قصيرةً، لزيارة أسرته في المملكة المتحدة. وكان محمد قد قرر منذ 2010 أن يعود إلى الكويت، كي يبدأ حياةً جديدة، بحثًا عن العمل وعن رفيقة الحياة. لكن زيارة قصيرة إلى بريطانيا كانت كفيلة بتغيّر مسار حياته، بعد أن مُنع على مدار ثلاث سنوات من مغادرتها، رغم كل محاولاته التي كان من بينها تغيير اسمه، فمع ذلك أوقفته السلطات الأمنية في مطار لندن، وتلك كانت المُحاولة الأخيرة لمحمد، قبل أن يُبلّغ والده عن اختفائه في أغسطس (آب) 2013، ليتضح بعد نحو عام، أنّ محمد جاسم إموازي أصبح «الجهادي جون»، الذي وصفه ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، بـ«كبير سفاحي» تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي تعتبره حكومات العالم، «التهديد الإرهابي الأخطر» في العصر الحديث.

هذه القصة التي رواها مُقربون لإموازي، بالإضافة إلى شهادة مديره في العمل بالكويت، عن أنه كان أكفأ الموظفين لديه، وكان شخصًا هادئًا يتمتع بالأخلاق – تُعد السردية التقليدية لوصف طبيعة حياة معظم المُنتمين إلى جماعات مُسلحة، قبل انضمامهم إليها. أسامة بن لادن وُصف بذلك أيضًا قبل إموازي، وكذا زعيم تنظيم الدولة أبوبكر البغدادي.

إذًا وفقًا لهذه السردية، فإنّ آلافًا من المنتمين للجماعات «الإرهابية»، يشتركون في صفاتهم القبْلية، وكأنّ نموذجًا واحدًا تتولد عنه هذه الشخصيات. وكما يبدو، فإن هذه السردية تعتمد على إبراز أمرين أساسيين في خلفيات المنتمين لهذه الجماعات، الأول هو حالة النجاح التي كانوا يعيشونها قبل حملهم السلاح، والثانية هي الانطوائية، وأحيانًا الهدوء، كسِمة نفسية مميزة لكل «الإرهابيين» المحتملين من وجهة نظر هذه السردية. ثُمّ في تحوّل يبدو مُفاجئًا – وإن كان مُبررًا ضمنيًا بالانطوائية – يصبح هؤلاء الأشخاص الناجحون، قتلةً محترفين. بتعبير آخر: يتحوّل إحباط المرة الأخيرة إلى غضب.

لكن السؤال السابق على هذا، والذي لا تطرحه في العادة مثل هذه السردية، على الأغلب لكونه بات مُسلمةً لا شية فيها، هو سؤال: ما هو الإرهاب؟

حفريات «الإرهاب»

يربط البعض الإرهابَ بجذور العنف الإنساني المتعدي على الآخر، مع ما في ذلك من قفز على سياقات التاريخ التي مرت بها البشرية منذ القدم وإلى العصر الحديث، وما حملته للغة وتعبيراتها ومصطلحاتها من دلالات مختلفة باختلاف الحُقب وظروفها. فضلًا عن أن باحثين عربًا في جذور «الإرهاب» يستنطقون مقدمة ابن خلدون بتعريف للإرهاب لم يُورد فيها على المعنى، إذ إن المقدمة أتت بذكر لفظة «إرهاب» ثلاث مرات، جاءت جميعها في سياق الإشارة إلى التخويف والترويع والتفزيع، علمًا بأنّ كلمة إرهاب مُشتقة في العربية من الفعل أرهب، بمعنى أخاف وأفزع.

أمّا أوّل رصد تاريخي لاستخدام كلمة إرهاب في سياقٍ سياسي حديث مُحمّل بحكم قيمي، جاء لوصف ممارسات سُلطة. كان ذلك في فترة حكم اليعاقبة في السنوات الأولى للثورة الفرنسية، تحديدًا الفترة التي سيطر فيها ماكسميليان روبيسبيار، الموسوم بالوحشية في الأدبيات التاريخية السياسية، إذ سُمّيت تلك الفترة بـ«عهد الإرهاب – Reign of Terror».

من مشاهد «عهد الإرهاب» في فرنسا إعدام المُهاجرين

مع اندلاع الشرارة الأولى للثورة الروسية، مطلع القرن العشرين، قبل أن تتمم بالثورة البلشفية، عاد تعبير الإرهاب مرة أُخرى لوصف التظاهرات والاحتجاجات والإضرابات الروسية. حينئذٍ كتب فلاديمير لينين وليون تروتسكي في مفهوم الإرهاب، وفرقا بين الإرهاب الفردي باعتباره مُبخسًا لدور الجماهير، بتعبير تروتسكي، وبين الإرهاب الجماعي، باعتباره جزءًا من عمل عسكري ثوري مشروع، بتعبير لينين.

على هذا، لم يُحمّل الاشتراكيون الروس مُصطلحَ الإرهاب أي حكمٍ قيمي أو دلالةٍ أخلاقية، وإنما تعاملوا معه في سياقه الإجرائي. ويتضح ذلك جليًا في مقالة لينين «بم نبدأ؟»، المنشورة في مايو (أيار) 1901، حين قال: «نحن مبدئيًا لم ننكر الإرهابَ يومًا، وليس في وسعنا أن ننكره، فهو عمل من الأعمال العسكرية يُمكنه أن يكون صالحًا وضروريًا في لحظة مُعينة من القتال». ثُم يُسهب في إيضاح الفرق بين الإرهاب الفردي والجماعي، فالأوّل هو الذي لا يظهر في إطار مُنسّق، مُنضوٍ تحت منظمة ثورية مركزية، أما الثاني فإنّه يشتت «المناضلين» عن واجب الوقت، و«يشوش قوى الثورة» و«يضعف الفصائل الكفاحية»، أو كما قال.

لاحقًا جرى استخدام الكلمة على نطاق ضيّق، حتى بدايات السبعينيات، بالتزامن مع عمليات منظماتٍ فلسطينية مُسلحة، تحديدًا عملية ميونخ التي أدت إلى مقتل 11 من أفراد الفريق الأولمبي الإسرائيلي، في مدينة ميونخ الألمانية، عام 1972. حينها عادت كلمة الإرهاب إلى الواجهة مرة أُخرى، بعد أعوام من اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي، إذ وُصف اغتياله أيضًا بالعملية الإرهابية، مرورًا بحادثة اقتحام جُهيمان العتيبي وجماعته للحرم المكي في أواخر السبعينيات، قبل أن يتعاظم صداها مع اغتيال الرئيس المصري الأسبق، محمد أنور السادات، في أوائل الثمانينيات، وما استتبعه من موجة عنف شهدتها مصر على مدار العقدين اللاحقين، ومع بروز الجماعات المُسلحة ذات الخلفيات الإسلامية، في أفغانستان (تنظيم القاعدة، وطالبان) وفي فلسطين، حيث حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

على إثر ذلك، دعت الحاجة السياسية الدولية إلى وضع تعريف اصطلاحي وإجرائي للإرهاب، ومن هنا بدأت مراكز الدراسات والأبحاث، والمعاجم السياسية واللغوية، فضلًا عن الأجهزة المخابراتية والمؤسسات الدولية، في البحث عن تعريف شامل ومحدد للإرهاب، وهو الأمر الذي فشلت فيه بالجملة.

ومع القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة ومُؤسسات تابعة لها، لمكافحة ما أسمته بالإرهاب والداعمين له، إلا أن جميعها كان في سياق وصف منظمات أو جماعات أو أحداث بعينها، قبل أن تتوسع في هيئة قوانين دولية «لمكافحة الإرهاب»، ظلّت لوقتنا الحالي مُقيّدة بمفهوم كل سُلطة لها على حدة.

يُمكن القول إذًا، إن كلمة الإرهاب واسعة الدلالة بحيث يقف على تعريفها الأقوى، في إطار خطاب سائد مفروض من السلطة، فباتت الكلمة مُستخدمة للإشارة إلى الخارجين عن احتكار الدولة للعنف، وفي صورة أخرى، للإشارة إلى الخارجين عن نموذج وقيم النظام الدولي، وإن لم ينتهجوا العنف يومًا، ومن هنا نشأ ما يُعرَف بقوائم الإرهاب.

الأصل في كل بلاءٍ وعماء وتخليط وفساد، اختلاط الأسماء، ووقوع اسمٍ واحدٍ على معانٍ كثيرة. –ابن حزم الأندلسي الظاهري

الإرهاب والدولة والعنف «المشروع»

إذا انطلقنا من التعريف اللغوي للإرهاب، باعتباره الثابت الوحيد كما يتضح، إذًا فالإرهاب يعني التخويف والتفزيع، فيقال أرهب فلانًا، أي أخافه وأفزعه. وينطوي التعريف في اللغة أيضًا على التهديد لكونه من جُملة التخويف والتفزيع. لكن الارتباط الذهني التقليدي الحديث بالإرهاب، أنّه يُشير إلى ممارسة العنف المُسلح لغرض سياسي، خارج إطار احتكار الدولة للعنف المشروع، بتعبير ماكس فيبر، الذي أراد به تعريف الدولة القومية الحديثة، على أساس أن هُناك عُنفًا يفرزه المجتمع، ويحدده القانون الجنائي، سواء كان فرديًا أو جماعيًا، وهو ما يُعرف بالجريمة، ولا يرتبط غالبًا بأغراض سياسية.

بيد أنّ السؤال المطروح في هذا الصدد، هو ما يتعلق بماهية هذه المشروعية، التي على أساسها يُمكن لجهة محددة أن تحتكر ممارسة العُنف، وعلى أساسها أيضًا يُصبح ممارسة جهة أُخرى له إرهابًا. في مقالته «السياسة باعتبارها مهنة»، يعتبر ماكس فيبر، أن الدولة الحديثة هي مصدر المشروعية في ذاتها، بمعنى أن ما تعتبره الدولة مشروعًا من العنف فهو مشروع، وما تعتبره غير مشروع فهو بالضرورة غير مشروع، وذلك حين يقول في سياق تعريفه للدولة، إنها «مصدر الحق في استخدام العُنف». ويُمكن رؤية ذلك عمليًا في أن بعض الدول تسمح قانونيًا بتملك الأفراد للسلاح، وأحيانًا على نطاق واسع، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك في القوانين التي تُبيح القتل في سياق الدفاع عن النفس.

من جهة أُخرى، يعرض فريدريك إنجلز، في كتابه «ثورة السيد يوجين ديورينج في العلوم»، لمفهومه عن الدولة باعتبارها «قوة خاصة للقمع»، تستخدمها الطبقة الحاكمة لقمع الطبقات المحكومة أو المُستغَلّة، بتعبيره. وعليه وفي إطار صراع المتناقضات داخل المجتمع، فإن دولة الطبقة العاملة، ستكون أيضًا قوة خاصة للقمع الموجه ضد الطبقة البرجوازية، وهذا تفسير لمفهوم ديكتاتورية البروليتاريا.

يُعرف إنجلز الدولة بأنّها «قوة خاصة للقمع»

هكذا يتضح الفارق بين ما يطرحه فيبر وبين ما يطرحه إنجلز؛ فالأوّل يعطي الدولة ما يبدو حقًا إلهيًا في إضفاء أو منع المشروعية، فيما أنّ الثاني يتحدث عن الصراع الدائم والمستمر حول السلطة، في شكل صراع الطبقات، والذي عليه تتحدد مشروعية استخدام العُنف وفقًا للموقف الطبقي. على هذا النحو، فإنّ واحدًا من أدوار العُنف في التاريخ، وفقًا لكارل ماركس، هو تمثّل دور «المُولّدة لكل مُجتمع قديم حامل بمجتمع جديد»، وهذا الذي يُسميه لينين بالعنف الثوري، الذي يأتي مُصاحبًا لكل عملية تغيير تحدث للمجتمع. لذا يُصبح مفهومًا قول لينين، إنّه «ما من ثورة عظيمة واحدة حدثت في التاريخ، بدون حربٍ أهلية»، وكذا موقفه غير المُنكر للإرهاب.

إذًا، يُمكن التعامل مع مفهوم الإرهاب (باعتباره مُتمحورًا حول العنف)، عبر الدولة التي تُعتبر عند فيبر «مصدر الحق في العُنف»، وهكذا يُصبح من الإرهاب أي استخدامًا للعنف بغرض سياسي، طالمًا أن الدولة – المحكومة بالنظام العالمي – لم تُشرعه، ليتصاعد الأمر، فيصبح من الإرهاب أي خروجًا عن نسق النظام العالمي غير المحدد أصلًا سوى بشبكة مُعقدة من المصالح المتركزة في يد الأقوى، أو من تُسمى بالقطب الأوحد، أي الولايات المتحدة الأمريكية.

بذلك يُصبح مفهومًا ومبررًا أن تُوصف فصائل المقاومة الفلسطينية بالإرهابية، طالما أنها لم تخضع لسلطة النظام العالمي، وبهذا أيضًا يُصبح مفهومًا إن اعتبرت الولايات المتحدة وحلفاؤها، العراقَ في عهد صدام حسين، أو أفغانستان في عهد طالبان، أو أي دولةٍ لا يتماشى نظامها بالكلية مع نسق النظام العالمي؛ دولةً إرهابية.

لكن في المُقابل، يُمكن ترك مفهوم الإرهاب للتاريخ وظروفه، ليعبّر عمّا يعنيه إجرائيًا وفقط، فتُصبح – مثلًا – عمليات الطعن بالسكاكين التي يُنفذها شبان فلسطينيون في مدينة القدس وغيرها من الأراضي المُحتلة، ضد إسرائيليين، أو ما تُسمى بـ«ثورة السكاكين»، عمليات إرهابية بالفعل، لكنها في نفس الوقت تأتي في مواجهة إرهاب الإسرائيليين المتمثل في الاحتلال على أقل تقدير. وهذه طريقة أُخرى لشرح مقولة لينين:

نحن لم ننكر الإرهاب يومًا، وليس في وسعنا أن ننكره، فهو عمل عسكري يُمكنه أن يكون صالحًا تمامًا، بل ضروريًا في لحظة معينة.

الغضب رد فعل

تتفق التعريفات الأولية للغضب، الفسيولوجية والفلسفية بل اللاهوتية أيضًا، على أنّه رد فعل إزاء مُؤثر خارجي، بصرف النظر عن العلاقة بين مقدار الفعل ورد الفعل، والتي على إثرها قد يتحدد نوعٌ من الغضب بوصفه مرضًا نفسيًا، وبصرف النظر أيضًا عن بعض الأحكام القيمية للغضب، بوصفه محمودًا أو مذمومًا.

ومن بين الأفعال التي تُولّد رد الفعل الغاضب، أفعال الاستفزاز المتراكمة أو المُفاجئة، والتي – وفقًا لأرسطو – يكون رد الفعل الغاضب تجاهها، نابعًا من إحساس بالظلم، أو وفقًا لعالم النفس الأمريكي، ألبرت أليس، كما عرض في كتابه «التغلب على المعتقدات الهدامة»، فإنّ مشاعر الغضب المقترنة بالثورة، ترتبط بالطبائع البشرية المائلة لـ«الحقيقة المطلقة» والانتفاض عندما يُعتدى على مجالها وقواعدها الخاصة، التي هي بطبيعة الحال نتاجٌ لتراكم ظروف تاريخية موضوعية. وبحسب أبي حامدٍ الغزالي، فإن الغضب قوّة «تتجه عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها، والتشفي والانتقام بعد وقوعها». وحين يُفصّل رأيه في أنواع الغضب، فإنه يذكر منها ما يُسميه الغضبَ المُعتدل. وبالجملة فإن الغضب عند الغزالي لا يُمحى بالكلية حتى مع رياضات المتصوفة وطرق تعبّدهم.

من هذه المقدمة عن الغضب، يُمكن تصور العلاقة الجدلية بين ما يُسمى بالإرهاب وبين الدولة، على اعتبار أن الدولة تُمثّل حالة الفعل الأوّل، فيما يُمثل «الإرهاب» رد الفعل، كما يُخبرنا التاريخ القريب على الأقل. وبوضوح نستطيع رُؤية هذه العلاقة بدايةً من وصف الثورة الروسية بالإرهابية، في حين كانت دوافع الغضب التي أدت إليها جليّة، فكما قال الاقتصادي البريطاني جون كينز، فإنّ «ما يحدث في روسيا (عام 1917) هو النتيجة الوحيدة ذات القيمة للحرب العالمية الأولى»، مُستدعيًا دوافع الثورة بشكل مُكثّف في مقولته: «على أي حال، الانتهاء من الأغنياء بدلًا من خدمتهم، هو الحق».

«الإرهاب» في فيتنام وأمريكا اللاتينية ومالي وأفغانستان، والشرق الأوسط بدايةً من فصائل المقاومة الفلسطينية والعمليات المُسلحة التي نفذتها داخل الأراضي المحتلة وخارجها، نهايةً بصعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والتنظيمات الموالية له على الخريطة العربية من المحيط إلى الخليج؛ جميعها، كما يبدو، ردود فعل على أفعال مُتراكمة وليست فجائية حتّى. وهذا ما رصدناه بالتفصيل في تقرير «داعش.. الدولة الغاضبة التي ستنتصر لفترة طويلة».

إذًا، هل يُمكننا المُجازفة بالقول، إنّ محمد إموازي، أو إسلام يكن، أو سارة سالي جونز، قد تملكهم الغضب، بعد يأسٍ وإحباط، من نموذج أوحد لخطاب سائد من الشمال إلى الجنوب، من أعلى هرم السلطة إلى أسفلها، دون تفاعل حيوي، ما جعلهم يتجهون إلى «دفع المؤذيات قبل وقوعها، والتشفي والانتقام بعد وقوعها»؟

بعد تجاوز عقبة الأيديولوجيا، يُمكن رؤية رابط بين القاعدة والهيبيز، وبين «داعش» والثورة البلشفية والنازيين الجدد في أوروبا، فجميعهم ظهروا كرد فعل على النظام العالمي، بعضهم جنح للسلم نسبيًا، وبعضهم مال للعنف عندما هيأت له الظروف ذلك.

من يضحك أخيرًا يضحك كثيرًا

على أرض الواقع، لا تبدو أن الدولة (وهنا نتحدث عن الدولة بوصفها تنظيمًا للسلطة وفقًا للنظام العالمي، أو باعتبارها «المحتكر الشرعي لممارسة العنف» بتعبير ماكس فيبر، دون تحديد لدولةٍ بعينها) تُحقق أي تقدّم ملحوظ فيما يُسمى بالحرب على الإرهاب أو التطرف أو التشدد، فدوائر العُنف الخارج عن سياق السلطة أو الرافض لخطابها، ترتحل جُغرافيًا كما ترتحل تاريخيًا، فإذا كانت الولايات المتحدة قد استطاعت أن تُهمّش تنظيم القاعدة، فإنها لم تستطع في المُقابل منع ارتحال ما يُمثله القاعدة، بصورة أشد عُنفًا وأكثر توسعًا، إلى العراق وسوريا، وإلى إفريقيا أيضًا.

استطاعت الولايات المتحدة تهميش تنظيم القاعدة، لكنها لم تستطع منع ارتحال ما يمثله، بصورة أشد عنفًا، إلى العراق وسوريا

على مُستوى آخر، ومع تركز رأس المال والعنف في يد دائرة السلطة، إلا أنّه لا يُمكن تجاهل حالة الفوضى العارمة أو السيولة، التي تجتاح النظام العالمي وتُهدد بقاءه على حالة الاستقرار المُستدامة التي يُنَظّر لها تحت عنوان «نهاية التاريخ»، سواءٌ كانت تلك الفوضى اقتصاديةً مُتصاعدةً مع الأزمة المالية المرتحلة منذ 2008، أو سياسية- أيديولوجية عبر التجاذب بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، بصورةٍ مُركزة في دول النمو الرأسمالي المُكتمل، أو علميًا مع التطور المطرد لتكنولوجيا الاتصال ما يُهدد النظام من داخله، أو عسكريًا حيث بات العنف غير مُحتكر ولم يعد بالإمكان تقييده حتى أو تضييق الخناق عليه، وصارت الدوافع إليه تاريخيًة أكثر ومبررةً أكثر.

إذًا من يضحك أخيرًا ليست الدولة ولا النظام العالمي حتمًا كما يتضح، لكن أيضًا لا يُمكن الجزم بأن «الإرهاب» هو المُقابل الموضوعي أو من سيحظى بالضحكة الأخيرة. وعلى كل حال، ما يبدو مُرجحًا أن الضحكة الأخيرة ستأتي بعد مخاض أليم وعنيف، يلقى فيه محمد إموازي «الناجح والخلوق» حتفه، بعد أن يتحول إلى «كبير سفاحي داعش». إنه مخاض ولادة المجتمع القديم الحامل بمجتمع جديد، كما تصوره ماركس.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد