4,658

مع انقضاء عصر سباقات غزو الفضاء، يبدو أن الدول تراجعت عن الاهتمام بحقوق مواطنيها في مواردهم المادية، ففي وقت سابق أراد كلٌّ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي الوصول أولًا إلى القمر، وكانت كل دولة قلقة أن تصل متأخرة؛ لتكتشف أن الدول الأخرى قد فرضت سيادتها الوطنية عليه. لاحقًا وضعت المعاهدات التي وقّعت عليها الدول الأمور في نصابها – لبعض الوقت – إذ نصت على أن القمر والأجرام السماوية تراث مشترك للبشرية؛ فالفضاء «مشاع عالمي» متاح لجميع البعثات العلمية السلمية.

 اليوم ومع ظهور أهداف أخرى بخلاف الاستكشاف وراء الوصول إلى القمر، فإن النقاش يدور حول معنى «مشاع عالمي»، وهل هو متاح لاستغلاله من قبل أي شخص؟ أم أنه ملكية عامة، ولا يمكن لأي شخص استغلاله والتربح منه؟ وهل سيمتثل أصحاب المشاريع للقوانين القديمة؟

اتفاقية فضائية لمنع أي حروب محتملة

بدأ الاهتمام الدولي الرسمي بملكية الأجسام الفضائية، على يد الولايات المتحدة الأمريكية في بداية الستينات من القرن الماضي، عندما وضعت خطة لحماية القمر والكويكبات من خطط بعض الدول التي كانت تسعى لامتلاك أجرام سماوية، ثم تم تدشين أول اتفاقية فضائية في عام 1967، والتي سميت «معاهدة المبادئ»، ووقتئذ اجتمعت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي مع جميع الدول التي كانت ترتاد الفضاء في ذلك الوقت لتوقيع هذه المعاهدة.

جاء بالمعاهدة: أن «استعمار الدول لبعضها على الأرض خلف الدمار والمعاناة عند ملايين البشر على مدار قرون طويلة، وأن الهدف من هذه المعاهدة هو ألا يحدث ذلك على القمر، إضافة إلى إفشال كل المخططات الاستعمارية بخصوصه، وانعدام قانونية ملكية الأراضي في الفضاء الخارجي تفاديًا لنشوب حرب عالمية أخرى، واعتبار القمر مشاعًا عالميًا يمكن لجميع البلدان الهبوط عليه بشكل قانوني».

Embed from Getty Images

كان ذلك من أجل التحكم بأنشطة الدول في إطار استكشاف الفضاء الخارجي واستغلال ثرواته، وكانت المعاهدة واضحة عندما نصت على عدم أحقية أية دولة على وجه الأرض، أو مشروع تجاري أو فردي، بملكية الفضاء. وقد تعرضت الاتفاقية للتعديل على يد الأمم المتحدة بعد مرور 12 عامًا، والتصديق عليها لتصبح قانونًا بموافقة جميع أعضاء الأمم المتحدة في عام 1984، مستمرة في دورها لتنظيم الأنشطة الفضائية.

استغلال موارد الفضاء.. أزمات معلقة في الانتظار

عندما رفع رواد الفضاء الأمريكيين العلم الأمريكي في الفضاء وعلى سطح القمر في أول هبوط أمريكي، أعلنت الحكومة أن ذلك ليس إعلانًا بالسيادة، ولكنه تكريم للمواطنين الذين دفعوا الضرائب، والمهندسين الذين عملوا من أجل لحظة كهذه، وأنها ليست تقدمًا أمريكيًا فقط، بل قفزة عملاقة للبشرية بأكملها.

ولكي تثبت نواياها غير الاستحواذية شاركت الولايات المتحدة ممثلة في وكالة «ناسا» صخور القمر وعينات من التربة مع بقية دول العالم بالسماح للعلماء من كافة دول العالم بالحضور وفحصها، حتى أنها سمحت لعلماء من الاتحاد السوفيتي بالحضور، بينما الدولتان منهمكتان في حرب باردة، وذلك رغم أن القوانين التي كانت تحكم النشاط الفضائي كانت مبدئية في ذلك الوقت.

Embed from Getty Images

بعد مرور قرابة نصف قرن يبدو أن المعاهدة تركت بعض الأمور معلقة دون حل، ولم يتم نقاشها، خاصة مع عدم هبوط أية رحلات على القمر منذ عام 1972؛ وهو الأمر الذي يوحي بأن النقاشات حول هذه الأمور العالقة كانت تنتظر ظهور حدث جديد.

لم يكن هذا الحدث بعيدًا؛ فقد أعادت شركتان أمريكيتان هما: «Planetary Resources»، و«Deep Space Industries» الخطط للعودة إلى القمر. وتتمتع الشركتان بدعم مالي ضخم، وتهدفان إلى استغلال القمر والكويكبات بغرض استخراج الموارد المعدنية، وحتى المياه. تقوم الشركتان بتطوير بعثات طويلة الأجل في هذه اللحظة بمليارات الدولارات، بالرغم من أن اتفاقية القمر لعام 1972 تعد الكويكبات أجرامًا سماوية، وبالرغم من أن المعاهدة قد نصت على عدم امتلاك دولة لأراضٍ، أو انتزاع كويكب واعتباره إقليمًا تابعًا، أو رفع علم، أو أية وسيلة أخرى تدل على الاستيلاء، إلا أنها لم تقم بتجريم الاستغلال التجاري للموارد الطبيعية في الفضاء.

هل يُعلن القمر دولة مستقلة قريبًا؟

أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» عن خطط العودة إلى القمر بحلول عام 2020؛ من أجل بناء قاعدة دائمة على سطح القمر، بالتوازي مع خطة وكالة الفضاء الأمريكية «روسكوزموس» المماثلة، ولكن يبدو أن الوكالتين لن تكونا بمفردهما هناك؛ فقد ظهرت مؤخرًا الجمعية الدولية للقمر، والتي تهدف لإرسال البشر إلى القمر، وإنشاء قواعد مستدامة للاستقرار على سطح القمر، واستغلال موارده.

وتعمل الجمعية الآن على إثبات قدرة المسافرين على العيش والتكاثر على سطح القمر والبقاء أحياء لمدد طويلة في بيئة نعلم قدر اختلافها عن الأرض، مع إعلان الشركة عن قدرتها على توفير التمويل المطلوب من برنامج تمويل دولي ضخم دون تدخل من الحكومة الأمريكية، وتوفير التكنولوجيا اللازمة، والأهم من ذلك الشغف والخيال، ولكي يكون الشخص عضوًا في هذه الجمعية، فليس عليه سوى شراء قطعة أرض من القمر، من خلال هذا الرابط على الموقع الرسمي للجمعية.

Embed from Getty Images

وعن شكل الدولة الجديدة أعلنت الجمعية أن خطتها هي: «إنشاء جمهورية قمرية مستقلة وذات سيادة مع حكومة منتخبة ينتخبها مواطنون، وتمكنهم من وضع قوانين وخطط للتنقيب، وامتلاك الأراضي، واستغلال الموارد»، وإلى جانب مسؤوليتها في إدارة القمر تتعهد حكومة جمهورية القمر بحماية معالمه والحفاظ عليها، وتشمل معالمه: مواقع الهبوط، ومعظم الجبال والوديان، وغير ذلك من سمات القمر المميزة. كذلك تنظم هذه الحكومة امتلاك العقارات على مساحة 2% من مساحة القمر؛ ما يساوي 100 مليون فدان، للبيع والاستثمار، وذلك من إجمالي 9 بليون فدان، هي مساحة القمر.

 ومن المحتمل أن تتولى شركة «Lunar Registry» جميع أمور الإدارة والملكية؛ لما لها من خبرة تمتد لعقدين في مجال المبيعات والتسويق والإعلان، وستقوم بتنظيم أمور البيع، بما يتضمنه من رسم خرائط للمساحات المتاحة للبيع على القمر، وتوثيق البيع، ونقل الملكية من وإلى المستثمرين والملاك.

معاهدات دولية لم تحقق غايتها

أثارت أهداف الشركات في استخراج الحديد والنيكل والبلاتين، وبيعها أسئلة أساسية حول «أمريكية» الفضاء، وقانون التنافس على هذه الأجسام، ومحلية هذا المشروع، واحتكار أمريكا لعمليات التعدين، ثم تداعيات التعدين والعواقب القانونية لذلك.

وفي مراجعة قانونية نشرتها مجلة جامعة أكسفورد، يقول البروفيسور فرانز ج فون، الحائز على جائزة الخدمة المتميزة للمعهد الدولي لقانون الفضاء: «إن الفضاء الخارجي يتحول إلى بيئة خطرة بمرور الوقت، وحطام فضائي متاح أمام الأنشطة الفضائية العامة والخاصة، بلا رادع قانوني؛ لأن القوانين التي ظهرت في السبعينات ركزت على الاستخدام السلمي والآمن للفضاء، ولم تتضمن الأنشطة التجارية في الفضاء، والتي ستبدأ خلال سنوات قريبة، وحتى اليوم لم يتم هذا النقاش النقاش الدولي الذي تزيد الحاجة إليه مع تزايد دعاوى استغلال ثروات الفضاء الخارجي، وتفسيرات البعض لمعاهدة الفضاء الخارجي بأن حرية الاستخدام تتضمن الأنشطة الخاصة بالاستغلال التجاري».

Embed from Getty Images

كل هذا حول الأمر إلى أزمة لدى القانونيين الذين يؤكدون بأن المعاهدة حظرت الاستعمار بالمعنى القانوني للكلمة، وهو أن يمارس فرد السيادة على قطعة أرض كما لو كانت جزءًا من دولته، وهو ما يصف خطط الشركتين، خاصة أنهما ستقومان بالاستكشاف والحفر والاستخراج مجانًا، ودون الحاجة لاستخراج تراخيص من مالك؛ لأن الفضاء «مشاع عالمي مجاني» كما نصت المعاهدة، لكنهما في الوقت نفسه خاضعتان للإشراف المستمر من دولتهما بحسب نص المعاهدة، وهو ما يعني مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية عن أي «ضرر» تخلفه شركاتها للأجسام الفضائية، وهنا إشكالية أخرى في صياغة بنود المعاهدة؛ فإذا نصت المعاهدة على عدم الإضرار بالأجرام السماوية، فهل يعد التعدين إضرارًا؟ لا يمكننا قول ذلك عن حال التعدين على سطح الأرض بالطبع، ولكن هل ينطبق الحكم نفسه على التعدين فوق سطح الكويكبات؟

أطماع الدول الكبرى في الفضاء.. من ينتصر؟

بينما وقعت 98 دولة كبرى على «معاهدة الفضاء الخارجي» متضمنة الدول التي هبطت على سطح القمر، وقعت 13 دولة فقط على «اتفاقية القمر»، منها لبنان، وكازاخستان، والمكسيك، والتي هي بالأساس دول ليس لها نشاط فضائي يذكر؛ ما يضعنا أمام معضلة إنفاذ القانون في حالة تعدت دولة على حق بقية دول العالم.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية ولوكسمبورج قد اتفقتا مؤخرًا على أن القمر والكويكبات «مشاعات عالمية»، وفسرتا ذلك بأن كل دولة تمنح ترخيصًا لأفرادها ما داموا يمتثلون لقانون الفضاء، ومن ثم يمكنهم السفر واستخراج ما يمكنهم استخراجه في محاولة منهم لكسب المال، فيما يتشابه مع قانون مناطق أعالي البحار التي لا تخضع لسيادة دولة بعينها، وتعد منطقة مفتوحة للصيد يصطاد فيها من يريد، ويبيع ما يصطاده دون قيد.

يأتي ذلك في الوقت الذي تعتبر دول، مثل: روسيا، والبرازيل، وبلجيكا، أن القمر والأجرام السماوية ملك للبشرية، وأن أي فوائد قد تكون محتملة من الكشف والتعدين يجب أن تعود بالنفع على البشرية جميعها. أي أنها لا تشبه الصيد في أعالي البحار، بل تشبه التعدين في أعالي البحار، والذي يخضع لقانون دولي صارم.

Embed from Getty Images

وعن هذا الخلاف قال نيكلاس هيدمان، رئيس قسم خدمات وأبحاث الفضاء الخارجي بمكتب الأمم المتحدة بفيينا، إن قضية ملكية الفضاء معقدة للغاية؛ بسبب القانون الدولي الذي نتعامل اليوم على أساسه، والذي يتضمن خمس معاهدات تتحكم في الأنشطة الدولية في الفضاء، ناقشت معاهدتان منهما القانون القمري، وهما: معاهدة الفضاء الخارجي، واتفاقية القمر.

بدوره، أبدى هنري هيرتزفيلد، محلل الفضاء بمعهد سياسات الفضاء بجامعة جورج واشنطن، عدم اليقين من أن المعاهدات التي أبرمتها الأمم المتحدة توفر إجابة للعالم بالنسبة لمسألة ملكية القمر، وأنها اتفاقيات مبدئية لا يمكن إنفاذها. واقترح هنري أنه بدلًا عن التنافس على ملكية القمر، يمكن للمجتمع الدولي تحفيز النشاط التجاري على القمر مع ضمان عدم امتلاك للأرض والموارد لشركات متنافسة، وشكك هنري في وجود ما يستحق الاستثمار فيه على القمر من الأساس.