فيما كانت الأنظار المراقبة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تتجه نحو البادية السورية حيث دحر نحوها من الجنوب السوري، برز التنظيم في الشمال، في محافظة إدلب، يرتكب الاغتيالات والتفجيرات، فقد اتخذت الخلايا النائمة التابعة له الاغتيالات على وجه التحديد سبيلًا لتحقيق التمدد في إدلب، مدشنة بذلك مرحلة جديدة من سيرة التنظيم، مرحلة ينذر استمرارها بتفاقم الأوضاع في إدلب، وهو ما يحقق أهداف عدة للنظام السوري الذي ينتظر فرصة للانقضاض على معقل المعارضة السورية في الشمال، حيث يريد أن ينهك الاقتتال الفصائل، ومن ثم يفضله المدنيون بإدلب للخلاص من الانفلات الأمني، كما يسعى لخلق ذريعة محاربة الإرهاب في هذه البقعة الجغرافية.

النظام يمرر «داعش» إلى إدلب

«الجيب خلص. انفتح ممر… واتسكر»، هذا ما قاله عنصر عسكري يقاتل إلى صالح النظام السوري، في إشارة إلى سماح النظام بمغادرة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في يوم التاسع من فبراير (شباط) الماضي نحو إدلب، مروا عبر جيب محاصر بين حدود محافظات حلب وإدلب وحماة، وتوجهوا إلى جنوب المحافظة من تلك المنطقة التي يسيطر عليها النظام.

عناصر من داعش (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

لقد طوى النظام بدعم روسي صفحة «داعش» جنوب دمشق بعد معركة شرسة دمرت فيها أحياء مخيم اليرموك وانتهت باتفاقية لإخلاء عناصر التنظيم إلى بادية السويداء في مايو (أيار) الماضي، وبذلك تراجع رصيد شعار «باقية وتتمدد» بفقدان التنظيم لنفوذه بشكل كامل على جبهات ريف حماة، وبينما كان ينتظر أن يحقق هدف ترويض التنظيم لتقبّل حياة الصحراء في السويداء، عاد التنظيم للتمدد إلى المدن، فتوجه لإدلب متبعًا استراتيجية «الحرب الأمنية» في المحافظة، التي تقوم على توسيع الاغتيالات ضد التشكيلات المعارضة عبر تجهيز عشرات الخلايا النائمة لتشن عمليات قتل وخطف وفساد في الشمال السوري الواقعة تحت قبضة المعارضة.

ربما سيصبح أقوى مما كان.. «داعش» يعيد ترتيب أوراقه في البادية السورية

وقد استغل التنظيم الفترة التي شهدت فيها تلك المناطق انفلاتًا أمنيًا كبيرًا باقتتال الفصائل العسكرية فيما بينها، فأرسل خلايا أمنية تابعة له إلى مناطق المعارضة المسلحة في الشمال السوري، ولكون من مصلحة النظام توغل وتمدد «داعش» في إدلب، شاركت خلايا سرية تابعة للنظام في عمليات الاغتيال، حيث تؤكد المعارضة السورية أن النظام دفع خلايا النظام السوري إلى ريف حماه الشمالي وإدلب بهدف تكثيف عمليات الاغتيال والتفجير واستهداف قادة وعناصر المعارضة.

الغريب أنه بعد يومين من دخول «داعش» لإدلب استعجلت الفصائل السورية في المحافظة «إعلان النصر» على التنظيم، فأكدت في الثالث عشر من فبراير (شباط) الماضي، غرفة عمليات (دحر الغزاة) التابعة للجيش الحر أنها أنهت وجود التنظيم في ريف إدلب بعد قيامها بأسر وقتل وحرج العشرات من عناصره خلال ثلاثة أيام من المعارك في بلدة الخوين بريف إدلب الجنوبي الشرقي، ليظهر مؤخرًا أن التنظيم لم ينته في معقل المعارضة السورية، وهو آخذ بالعمل بتكتيك حرب العصابات، وزعزعة صفوف المجموعات المعادية له في المواقع المستهدفة من خلال العمليات الأمنية والتفجيرات والمداهمات الليلية لمواقع المعارضة.

انسحاب داعش من مناطق تقدمت إليها قوات النظام (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

ويركز «داعش» على إدلب لأهميتها المعنوية لدى أنصاره، فالخلايا النائمة التي تناصره في إدلب تنتظر وصوله لتحقيق حلم الخلافة خاصتهم في تلك الأرض، إذ إن المحافظة الأهم في الشمال السوري تحولت إلى خزان بشري بعد استقبالها الآلاف من المدنيين والعسكريين، بموجب حملات التهجير الأخيرة من محيط العاصمة دمشق، وهناك نحو 3 ملايين مدني ينتشرون في بقعة جغرافية ضيقة، وتخضع إدلب كأحد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام إلى سيطرة مشتركة بين هيئة تحرير الشام وبين الفصائل العسكرية المسلحة.

الخلايا النائمة لـ«داعش» ومهمة الاغتيالات

خلال الآونة الأخيرة، لم تكف وسائل الإعلام التابعة لـ«داعش» عن بث صور وفيديوهات قصيرة وثقت فيها عمليات الاغتيال التي يقوم بها خلاياها الأمنيّة في الشمال السوريّ وخاصة بمحافظة إدلب، بعض هذه الصور يظهر لحظة إطلاق النار على قيادي في هيئة تحرير الشام، وأخرى لقيادي في الجيش الحر قتلاه عناصر التنظيم وهما على دراجة نارية، كذلك ينشر التنظيم صور للحظة تفجير عبوة ناسفة بسيارة، كما حدث في عملية اغتيال القاضي الشرعي في «هيئة تحرير الشام» أنس عيروط.

صورة نشرها داعش لعملية اغتيال عناصر في الجيش الحر

وتحت اسم «غزوة الثأر» التي أعلنها التنظيم للانتقام لمقتل المسؤول الأمني في التنظيم أبو البراء اللاذقاني، أو عملية الانتقام لمقتل أبو البراء الساحلي يستمر التنظيم في عمليات الاغتيالات التي تحصد أرواح قادة وشخصيات عسكرية وسياسية وشريعة ووجوه بارزة في فصائل المعارضة السورية المعتدلة مثل الجيش الحر أو المتشددة كهيئة تحرير الشام، وينفذ هذه الاغتيالات ما يعرف بالخلايا النائمة أو الذئاب المنفردة، وتتسم عمليات تلك الخلايا سواء بالتفجير أو الاغتيال من خلال استخدام المسدّسات الكاتمة للصوت بجرأة كبيرة مرفقة بممارسات فيها طابع التشفي.

وفي عملية الرد على الاغتيالات التي تتهم بها «داعش» في إدلب، أعلنت هيئة تحرير الشام استمرار عملياتها الأمنية حتى تطهير كامل المحافظة من خلايا «داعش»، وكان من أبرز عمليات الانتقام من التنظيم إعدام أبي البراء الساحلي قبل يومين، وهو «الأمير الأمني لدى «داعش» في منطقة جسر الشغور والساحل وأريحا، واليد اليمنى لما يسمى (الشايب) المسؤول العام للتنظيم في الشمال والذي تورط بعدد من الجرائم ضد المجاهدين وعوام المسلمين»، كما قال مسؤول في الهيئة، وحدثت عملية الإعدام في المكان نفسه الذي قتل فيه عددًا من عناصر الهيئة على يد الساحلي أو غيره، وذلك بالقرب من إحدى المزارع في مدينة سرمين شرق إدلب، فقد ألقى القبض على الساحلي في كمين محكم نصب له في منطقة حارم شمال إدلب، فكثيرًا ما أفلت من قبضة الهيئة بسبب امتلاكه لشبكة علاقات واسعة مع خلايا التنظيم سهّلت عليه التخفي، والتنقل بشكل سلس بين المدن والبلدات، وتتهم الهيئة الساحلي بتنفيذ وتخطيط عمليات التفجير والاغتيالات التي تعرضت لها عناصرها وعناصر فصائل أخرى.

عناصر من «داعش» تم إعداهم من قبل جبهة تحرير الشام

يقول الناشط الإعلامي محمود الهادي من محافظة إدلب: «يوميًّا نشهد عمليات اغتيال، وبطرق مختلفة، منها الرمي بالرصاص من سيارات مغلقة على المستهدفين أثناء السير في الشوارع، وهناك حالات عُلقِّت فيها الرؤوس المقطوعة على الجسور، وتكررت الحالة في أريحا مرتين، حيث قتل يوم أمس من منطقة معرشمارين شرق معرة النعمان عسكريان تابعان لهيئة تحرير الشام»، وتابع لـ«عربي 21»: «لم تنجح حملات الأمنيين في مناطق المعارضة في الحد من عمليات الاغتيال والسيارات المفخخة، فقد اغتال مجهولون يعتقد أنهم من التنظيم القيادي في لواء السلطان مراد، أبو أحمد سنساوي، في مدينة الدانا التابعة لإدلب».

النظام ينهك إدلب بدفع «داعش» نحوها

تتحمل فصائل المعارضة التي تمسك بزمام الأمور في إدلب مسئولية فلتان الأمن، فهي لم تعمل على بناء جسم أمني موحد، بل أقام كل تنظيم على حدة جهازًا أمنيًّا خاصًا به، ولذلك يتوقع المحللون أن يتمخض عن التحركات الخطيرة لـ«داعش» في إدلب ما يشبه السيناريوهات التي شهدها مدينة حلب خلال ما يعرف بمعارك المدينة الصناعية ومدرسة المشاة، فبينما كانت المعارضة تقاتل النظام هناك تفاجأت بهجوم كاسح للتنظيم أدي في المحصلة إلى فقدانها مواقع استراتيجية ومناطق شاسعة كانت تحت سيطرتها.

فلتان أمني في إدلب (فرانس (المصدر : فرانس برس)

وناهيك عن رغبة النظام في خوض الفصائل معارك فيما بينهما بغية استنزافها ثم قيام قواته بتوجيه ضربات عسكرية للطرف المنتصر بعدما يكون قد أنهك كما أسلفنا، تؤدي العمليات التي ينفذها «داعش» إلى تشتيت القدرة العسكرية لفصائل إدلب، وخاصة هيئة تحرير الشام، القوى الأكثر قدرة على تحدي النظام في حال أقدم على هجوم ضد إدلب.

ويسعى النظام السوري لتحقيق المزيد من الأهداف عبر دفعه لتمدد داعش في إدلب، فواحد من أهدافه التي سيحققها الفلتان الأمني هو خلق بيئة احتراب داخلي تخلط الأوراق، وتعمل على تسخين محافظة إدلب، فالنظام وتحت ذريعة محاربة الإرهاب قد يحاول اقتحام المنطقة وخصوصًا من جهة منطقة جسر الشغور المتاخمة لريف اللاذقية الشمالي، وسبق وأن توعّد النظام بالسيطرة على شمال سوريا، وتستمر تهديداته تجاه إدلب، في ظل انتظاره الفرصة لاستثمار ( العامل الداعشي) في تكريس الفوضى الأمنية المنهكة، وإشغال الفصائل الدائم بعمليات التفجير والاغتيالات، فمحور الاغتيالات التي تدور تعمل على خلق بيئة مغمورة بالفوضى مما يمهد لحرب يتوعد بها النظام وروسيا.

كما أن خلق حالة من عدم الاستقرار الأمني أمر من السهل أن يعمل على إثارة الشارع ضد الفصائل الثورية، ويدفع المدنيين في إدلب لتفضيل عودة قوات النظام باعتباره حلًّا للتخلّص من الفوضى وعدم الاستقرار في المناطق المحررة؛ يقول المحلل العسكري العميد أحمد رحال: «لا يمكن أن يحقق تنظيم الدولة أي مكاسب من خلالها، سوى التمهيد لقوات النظام، وإعطائه مسوغات أمام الرأي العام الدولي لاستعادة المحافظة عبر حليفه الروسي»، وتابع القول لـ«القدس العربي» أن « داعش قد قام بتنفيذ العديد المهام لصالح النظام السوري والميليشيات الأجنبية، من خلال مهاجمته للجيش الحر في القلمون، بريف دمشق، في وقت سابق، وثم صعود الحافلات برعاية وحماية حزب الله، وكذلك فعل في جنوب العاصمة السورية، واليوم يكرر تنظيم الدولة المشاهد في درعا جنوبًا وإدلب شمالًا».

المصادر

عرض التعليقات
s