2,536

يستعد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لزيارة العاصمة الأمريكية واشنطن، الشهر المقبل، وسط احتفاء حكومي وإعلامي رسمي بهذه الزيارة الاستثنائية، التي تأتي تتويجًا لحالة الود والحميمية في العلاقة بين السيسي ونظيره دونالد ترامب، خلافًا لما كان يشوب هذه العلاقة الرسمية من توتر ملحوظ خلال ولاية أوباما، على خلفية التنديد الأمريكي الرسمي بانتهاكات الحكومة المصرية، وقمع حقوق الإنسان.

احتفاء البيت الأبيض الرسمي بالسيسي لم يثن وسائل الإعلام الأمريكية عن تغطيتها الخبرية التي تتعامل مع تدخل الجيش في الثالث من يوليو (تموز) 2013 بوصف «الانقلاب العسكري»، معتبرة في تقاريرها الإخبارية المنشورة أن الأوضاع المأساوية لحقوق الإنسان وانتكاسة أوضاع الحريات داخل مصر نتيجة لأحداث 2013 هذه.

أمام هذه الصورة التي ترسمها وسائل الإعلام النافذة، ومراكز الأبحاث بأمريكا للسيسي ونظامه، سعت أجهزة داخل الدولة على مدار العامين الأخيرين لتحسين صورته باستئجار صفحات بكبرى وسائل الإعلام الأمريكية، وتعاقدات مع كبرى شركات العلاقات العامة للتخفيف من وطأة هذه الصورة التي لا تزال تلاحق الرئيس.

خدمات «جلوفر بارك» تساوي 250 ألف دولار شهريًا

في فبراير (شباط) 2013، وبينما كان أغلب الرأي العام الأمريكي، وكُبرى الصحف الأمريكية تعتبر ما حدث في مصر انقلابًا واضحًا على رئيس منتخب، وترمز لما حدث في الثالث من يوليو (تموز) بالانقلاب العسكري في تقاريرها الإخبارية، كانت السلطات المصرية، ممثلة في وزارة الخارجية المصرية، تبرم تعاقدات مع كُبرى شركات العلاقات العامة جلوفر بارك، في مسعى للتخفيف من وطأة هذه الصورة التي تلاحقها في زياراتها المسئولين المصريين بالخارج، وعلى رأسهم السيسي الذي كان آنذاك وزيرًا للدفاع.

صورة التعاقد الموجود على موقع وزارة العدل الأمريكية والذي جاء في 22 بندًا ينص على أن قيمة العقد تبلغ 250 ألف دولار شهريًا تدفعها الحكومة المصرية مقابل خدمات الشركة، وهو ما يزيد على ثمانية آلاف دولار يوميًا (ما يقترب من 56 ألف جنيه مصري).

وأظهرت أنشطة الشركة المنشورة أيضًا على موقع الوزارة، أنه خلال الفترة الممتدة ما بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) 2013، تكلفت الخدمات الإضافية قرابة 96 ألف دولار أمريكي، (ما يعادل 700 ألف جنيه مصري) خلافًا لقيمة التعاقد الأصلي بين الشركة والحكومة المصرية (250 ألف دولار شهريًا).

ووفقًا للعقد الذي وقعه السفير المصري لدى واشنطن السيد محمد توفيق يوم 15 أكتوبر (تشرين الأول)، فإن الشركة تلتزم بأن «تقدم لمصر استشارات في الاتصالات والدبلوماسية العامة، تشمل الاتصالات المرتبطة بتنفيذ الحكومة لخريطة الطريق، من أجل بناء مؤسسات ديمقراطية شاملة، من خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية».

وأظهرت أنشطة الشركة، التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية على موقعها، بعد توقيع العقد بستة أشهر، أن أنشطة الشركة شملت تنظيم مقابلات لأعضاء بالسفارة المصرية ومسؤولين مصريين بمسؤولين في البيت الأبيض وأعضاء بالكونجرس، فضلًا عن نشر بيانات صحافية وحملات دعائية، وتنظيم مقابلات لوزير الخارجية المصري آنذاك نبيل فهمي بعدد من وسائل الإعلام الأمريكية.

يقارن عبد الله هنداوي، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، ومدرس مساعد علم الاجتماع السياسي بجامعة جورج ميسون، بين حجم هذه التعاقدات خلال حقبة الرئيس السابق محمد حسني مبارك والمرحلة الحالية، ويقول لـ«ساسة بوست»: «الوضع أيام مبارك يختلف عن الآن وتحديات النظام الحالي تختلف عن تحديات نظام مبارك. مبارك كان يعتمد بشكل أساسي على الدبلوماسية وعلى اسمه وتاريخه وعلاقاتة الشخصية أكثر من الاعتماد على شركات العلاقات العامة. هذا لا يعني أن مبارك لم يقم بمثل هذه التعاقدات، بل يعني أن مبارك اعتمد عليها بشكل أقل بكثير مما هو عليه الآن».

وتنشر وزارة العدل الأمريكية أنشطة شركات العلاقات العامة، التزامًا بقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب» رقم 22-611 والصادر عام 1938 والذي ينص على ضرورة تسجيل العقد المالي، وتسجيل وتوثيق كل الأنشطة التي يقوم بها الوكيل الأمريكي ذات طبيعة سياسية أو شبه سياسية مع وزارة العدل الأمريكية، وتصبح هذه البيانات متاحة لأي شخص يريد الاطلاع عليها بعد ذلك.

يشرح هنداوي آليات عمل هذه الشركات ويقول إن هذه التعاقدات تساهم في تحسين العلاقات، وليس تحسين صورة مصر؛ ما يحدث من تلك الشركات هو أنها تقوم بإظهار أهمية التعاون مع مصر بغض النظر عن ملفات حقوق الإنسان. لتحقيق هذا تقوم الشركات بمقابلات عديدة مع رجال اللوبيات وأعضاء في الكونجرس وشركات السلاح لتوضيح مدى أهمية مصر في تحقيق المصالح الأمريكية وأنه بدونها قد تخسر الولايات المتحدة شريكًا رئيسيًا في المنطقة.

ويتابع هنداوي، أن شركات السلاح تلعب دورًا مهمًا لأن مصر من أكبر الدول التي تستورد سلاحًا من الولايات المتحدة وهذا يعني أن أي تهديد للعلاقات مع مصر قد يؤثر بالضرورة على صفقات التسليح ومن ثم تكون تلك الشركات أيضًا حريصة على تدعيم تلك العلاقة من أجل الأرباح.

«كاسيدي آند أسوشيتس» و«ويبر شاندويك».. ترويج بأموال المخابرات العامة

تجددت هذه الأنشطة مع بداية تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بإبرام تعاقدات جديدة للنظام المصري مع شركات علاقات عامة لتبرير ما يسمى بسياسته الاستبدادية، وتحسين صورة الرئيس السيسي لدى وسائل الإعلام الأمريكية، التي لا تزال تتعامل معه في تغطيتها الخبرية بوصفه «ديكتاتورًا».

التعاقد جرى هذه المرة عبر جهاز المخابرات العامة، خلافًا لما هو سائد في أن يكون المُمثل في هذه التعاقدات وزارة الخارجية المصرية، حيث تعاقد يوم 18 يناير (كانون الثاني) الماضي مع شركة كاسيدي آند أسوشيتسCassidy & Associates مقابل 50 ألف دولار شهريًا، ومع شركة ويبر شاندويك Weber Shandwick مقابل 100 ألف دولار شهريًا، أي ما مجموعه 1.8 مليون دولار سنويًا، بالإضافة إلى المصروفات الإدارية وأية مصرفات تتعلق بمهام خاصة.

وأظهرت صورة التعاقد، المنشور بموقع وزارة العدل الأمريكية، أن الطرف المصري في التعاقد هو اللواء خالد فوزي، بصفته «المدير العام لجهاز المخابرات العامة»، وعنوانه المسجل في العقد هو شارع المطرية، قصر القبة بالقاهرة، وهو مقر الجهاز، ومن وقع نيابة عنه هو اللواء ناصر فهمي بصفته «مدير الشؤون الإدارية بجهاز المخابرات العامة».

من جانبه، يعتبر المحلل المتخصص في الشأن اﻷمريكي، محمد المنشاوي، أن تعاقد جهاز المخابرات العامة هو مؤشر على تصاعد خلاف ما بين وزارة الخارجية من جهة وبين جهاز المخابرات العامة من جهة أخرى. ويضيف لـ«ساسة بوست» عبر البريد الإلكتروني من واشنطن، أن إقحام الجهاز في هذا التعاقد خلافًا لما كان قائمًا في السنوات الأخيرة من أن يُباشر هذه التعاقدات السفارة المصرية بواشنطن ربما يكون مؤشرًا على رغبة الجهاز في إظهار عجز ومحدودية وعدم كفاءة وزارة الخارجية في التحرك داخل واشنطن.

وتشمل مهام الشركة، حسب التعاقد المنشور، ترويج مواقف النظام المصري في واشنطن، بالتركيز على الشراكة الاستراتيجية مع أمريكا، وعلى أهمية دور مصر في حل أزمات منطقة الشرق الأوسط، إضافة لإبراز التطورات الاقتصادية مثل اتفاق القاهرة مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وعرض الخصائص الرئيسية للمجتمع المدني، والترويج للدور المصري باعتباره محورًا رئيسيًا في مجابهة الأخطار الإقليمية.

ويؤكد المنشاوي أنه طالما استمرت سياسات السلطة المصرية حيال التنكيل بالمعارضين السياسيين وقمع الحريات، واستمرار الأحكام القضائية التي تحمل شبهات تسييس واضح، لن يكون لهذه التعاقدات أثر كبير في محو صورة مصر السلبية لدى الدوائر الأمريكية المهمة، ولن تتوقف افتتاحيات صحف مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست.

شراء إعلانات مدفوعة الأجر

برزت وسيلة جديدة لجأ إليها رجال الأعمال، المحسوبون على النظام لتلميع صورة النظام خارجيًّا، وهي شراء إعلانات مدفوعة الأجر في كبرى الصحف الغربية بأسعار ضخمة للترويج للنظام، خصوصًا خلال جولات السيسي الخارجية كما حدث في زيارة السيسي السابقة لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، ساهم رجل الأعمال المصري أحمد أبو هشيمة في سلسلة ضخمة من الحملات الدعائية الأخيرة للحكومة تحت شعار «مصر جديدة»، والتي وضعت إعلانات تشجع السياحة بمصر في أنحاء مدينة نيويورك في أكتوبر (تشرين الثاني) 2014.

كما تضمن العدد الصادر عن مجلة الإيكونوميست في شهر أغسطس (آب) الفائت، والذي صدرت منه نسخ محدودة، كونه «إعلانًا مدفوع الأجر»، ملفًا مدفوعًا بعنوان «مصر: بناء المستقبل» على سبع صفحات يحتوي على موضوعات تتناول التجربة المصرية في مجالات مختلفة، وجاء على رأسها تطوير وسائل النقل والمواصلات، وافتتاح مشروع قناة السويس ودورها في تنمية المجتمع.

وذكرت الجريدة أسفل غلاف هذا العدد الخاص أن هذا العدد صدر بترتيبات خاصة مع الناشر، انتهت إلى وضع هذا الغلاف الدعائي على عدد محدود من نسخ الإيكونوميست، وهذا لا يعبر عن أي تأييد ضمني بالضرورة للمجلة.

وأوضح الجزء الخاص بالدعاية والإعلان عن المجلة أن تكلفة نشر إعلان على الغلاف الأمامي أو الخلفي هو 200 ألف دولار تقريبًا، وهو ما يعادل مليونًا ونصف مليون جنيه مصري، والذي جاء برعاية شركة مقاولات وهندسة مصرية يترأس مجلس إدارتها أيمن إسماعيل سليمان، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ«ماونتن فيو»، ورئيس مجلس إدارة «إنديفور مصر».

وفي الزيارة الأخيرة للسيسي برفقة الوفد المصري لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المُتحدة، نشر أبو هشيمة إعلانًا مدفوع الأجر بجريدة وول ستريت جورنال على صفحتين كاملتين، شملت حوارًا مع السيسي، واستعراض أهم فُرَص الاستثمار في مصر، ودور السيسي في التنمية الاقتصادية التي تشهدها مصر الآن، وأهم المشروعات العملاقة التي تحققت، وعلى رأسها مشروع قناة السويس الجديدة، وتقريرًا عن عودة الثقة الاستثمارية بمصر، والنشاط السياحي.

مشروع قناة السويس: هل باع السيسي الوهم للمصريين من جديد؟

كما نشر إعلانات ضخمة في كبرى الميادين بنيويورك تحت شعار حملة «مصر جميلة» تهدف للترويج للمشاريع الاقتصادية التي تم تأسيسها خلال عهد السيسي، ومناخ الاستثمار الجيد في مصر.