السؤال أعلاه يفرض نفسه بإلحاح منذ قيام الثورة الليبية في 17 فبراير 2011 والإطاحة بنظام العقيد القذافي؛ حيث لم يتمكن الثوار حتى الآن من انتخاب رئيس يحكم البلاد، وتبادل الحكمَ عدد ٌمن رؤساء الحكومات في ثلاث سنوات فقط، مع الاحتفاظ بالسلطة التشريعية وكذا التنفيذية لمؤتمر وطني عام (برلمان).

غير أن سلطة الميليشيات بَقيت قوية ونافذة، وهو ما تجلى بالخصوص في اختطاف أو احتجاز مسئولين كبارًا من طرف تلك الميليشيات لأغراض تتعلق بالحكم، كان آخر هؤلاء المحتجزين نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني العام، هذا عدا عن السيطرة على موانئ نفطية وتصدير النفط بعيدًا عن أعين السلطة المركزية، وكذا تفرد بعض الميليشيات بحكم مناطق جغرافية من ليبيا في ما يشبه الحكم الذاتي، وهو ما يؤشر على مدى ضعف هذه السلطة المركزية العاجزة لحد الآن عن فرض “هيبة” الدولة.

قائد الجيش مُختطف!

شريط الفيديو الذي تم بثه في مواقع التواصل الاجتماعي والذي يصور “أبو سهمين” وهو يدلي باعترافات لشخص يقدم نفسه على أنه من جهاز المخابرات الليبية، قبل أن يبدي المسئول الليبي، غير قليل من المهانة والذعر والخوف، وهو يتوجه إلى محدثه بالكلام المفعم بكثير مما يشبه الاستعطاف، (الشريط) يدعو إلى كثير من “الإشفاق” على ساسة طرابلس الحاليين الذي سواء كانوا مُخيرين أو مُجبرين على خوض السلطة في طرابلس الغرب هذه الأيام، على اعتبار “الخطر” الذي يحدق بهم؛ الخطر الذي تجلى كما أظهرت الأيام في الاغتيالات المتواترة، وفي اختطاف أفراد الأسرة، وفي أضعف الأحوال وأبسطها احتجاز المسئول لساعات أو أيام وتصويره في مهانة وإذلال ثم إطلاق سراحه، مع ما يحمله ذلك من إشارات ورسائل قد يكون “التهديد بالتصفية” لاحقًا للشخص المعني، واحدة من تلك الرسائل.

هذه التهديدات هي ما تحيل عليه تصريحات أبو سهمين، قبل أزيد من شهرين، حينما أثارت تقارير إخبارية خبر اختطافه واحتجازه، على خلفية قضية فساد مع امرأتين ضُبطتا في مقر إقامته؛ حيث سارع إلى نفي تلك الأخبار جُملة وتفصيلاً، قبل أن يظهر الشريط في الأسبوع الأخير والذي يوثق اعترافات الرجل لمحققيه، ما سيضع رئيس أعلى سلطة تشريعية وتنفيذية والقائد الأعلى للجيش في ليبيا ما بعد الثورة في موقف المحرج بكل تأكيد.

ويبدو أن رئيس الوزراء المقال، علي زيدان، الذي غادر البلاد مكرهًا قبل أيام، بعدما تمت إقالته من طرف المؤتمر الوطني العام على خلفية أزمة ناقلة النفط الكورية التي كانت محملة بكمية هامة من النفط الذي تم تصديره من قبل مسلحين، كان أحسن حالاً من أبو سهمين، وإن كان قد قاسمه الاختطاف والاحتجاز لساعات طوال هو الآخر، من قبل مجموعة مسلحة، قبل أن يتم تصويره في ملابس البيت هو في حالة المفزوع، ويتم إطلاق سراحه لاحقًا ويعود إلى مكتبه ليدلي بتصريحات أنه يعرف الجهة التي اختطفته دون أن يستطيع فعل شيء غير ذلك!

زيدان وأبو سهمين والمصير..

زيدان كان أحسن حالاً، ربما لأنه بعدما “فرّ” خارج البلاد قالها صراحة بأنه خشي على حياته، في غياب الأمن وفي ظل وجود جماعات وتيارات سياسية لا تريد للبلاد أن تسير بخطى ثابتة نحو إقامة دولة المؤسسات، مُتهمًا تحديدًا الجماعاتِ الإسلاميةَ المتشددة بالوقوف وراء ذلك والتي تريد إنشاء “إمارة إسلامية” بعدما فشلت في إنشائها في كل من أفغانستان والصومال، برأي زيدان.

أبو سهمين الذي ذهب مؤخرًا إلى الكويت لحضور القمة العربية وهو يكتم في صدره “لغز” الشريط بل الأشرطة التي نُشرت على اليوتيوب موثقة “تورطه” في قضية فساد، وهو ما باشرت النيابة التحقيق بشأنه وكذا التحقيق بشأن “التحقيق” الذي كان يُجرى معه وفيما إذا كان قانونيًّا، يُعتبر مستقبله السياسي اليوم قاب قوسين أو أدنى من نهايته، ولا يمكن بأي حال من الأحوال لرجل دولة أهين بتلك الطريقة، وبغض النظر عن مدى تورطه فيما اتهم به، أن يستمر طويلاً في منصبه، بل لربما كانت هذه “الفضيحة”، كما أطلقت عليها الصحافة المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي، رصاصة الرحمة على مسيرته السياسية.

ومن البديهي أن يتم ربط مسألة استمرار المؤتمر الوطني العام في ممارسته، الذي يترأسه أبو سهمين، بالرغم من معارضة عدد من ألوان الطيف السياسي الليبي، ربطُه بقضية الأشرطة المثارة، فيما يشبه ورقة لـ”ابتزاز” أبو سهمين والذين يُحسب عليهم، أي القوى الإسلامية، وبخاصة حزب “العدالة والبناء”، وهي القوى التي رفضت وترفض إنهاء ولاية المؤتمر الوطني العام؛ ونشر الشريط يمكن أن يكون ورقة ضغط على أبو سهمين والإسلاميين لوضع حد لهذا المجلس الذي لا يبدو أنه يلقى إجماعًا من قبل المسلحين.

القوة للسلاح!

لا شك أن طريقة “إذلال” نوري أبو سهمين والتحقيق معه بتلك الطريقة، من طرف تلك الجهة المجهولة ثم الإفراج عنه، ليذهب الرجل إلى مكتبه لممارسة مهامه، بل والسفر إلى الكويت لحضور قمة عربية، كأن لا شيء يحدث ثم يتم نشر الشريط اليوم، هي مؤشرات على أن الضالعين في الملف قادرون على اختيار الوقت المناسب لتوجيه رسائلهم، ورسالتهم اليوم أن “نوري أبو سهمين” بات شخصًا “غير مرغوب فيه” شعبيًّا أولاً، من خلال تلطيخ سمعته بقضية فساد مع فتاتين كانتا تعملان معه، ورسميًّا ثانيًا، على اعتبار أنه “غير أهلٍ” لمسئولية رئيس أول جهاز تشريعي وتنفيذي في بلد ما يزال فيه السلاح لا يخضع لسلطة مركزية الدولة، ولكن للجماعات التي تستطيع اختطاف واحتجاز والتحقيق مع من تشاء وأنّى تشاء.

عرض التعليقات
تحميل المزيد