على غرار تساؤل جورج أورويل من قبل: لماذا كَثُر الكلام حول القنبلة النووية وإمكانية وضع رقابة دولية عليها في حين أنه لم يطرح أحد السؤال الأهم وهو ما هي صعوبة صناعة تلك الأسلحة؟!

يتساءل جوليان أسانج في مقاله الذي نشر على موقع نيويورك تايمز، لماذا يكثُر الحديث عن الرقابة والخصوصية في حين أن السؤال الأهم يكاد ينعدم الحديث عنه وهو؛ ما السبب وراء أهمية الخصوصية؟ وهو تساؤل يبدر للذهن خاصةً بعد قرار المحكمة العليا للاتحاد الأوروبي بأمر شركة جوجل منح المستخدمين “حق أن يُنسى“. والذي هو باختصار خدمة تسمح لمواطني الاتحاد الأوروبي بطلب إزالة بعض الروابط التي تتضمن اسمهم، وتقول جوجل أنها تُعِد الآن طلبات إزالة الروابط، وأنها سوف تقيّم كل طلبٍ على مزاياه، وتبحث عن التوازن بين حق الفرد في الخصوصية وأية مخاوف متعلقة بالصالح العام.

يقول جوليان أنه أصبح من كليشيهات الصحافة الآن الإشارة لرواية “1984” لجورج أورويل على أنها “نبوءة” وصدق تنبّؤها لتصبح واقع عالمنا المعاصر. إلا أن قراءتها الآن أمر ممل. ففي مقابل أعاجيب قدرة الدولة المُراقِبة؛ صارت أدوات “الأخ الأكبر” في المراقبة والتصنت عتيقة. ويضيف “لقد أصبح العالم الذي تصوره أورويل – بكل ما فيه – واقعا الآن؛ لدرجة يئس القارئ من إيجاد سقطات في سرد الرواية”.

أورويل والقنبلة النووية

يبدي الكاتب إعجابه الكبير بمقالٍ آخر لأورويل، كتبه في عام 1945 تحت عنوان “أنت والقنبلة النووية“. يسرد فيه أورويل توقعاته لخريطة العالم الجيوسياسية في النصف الثاني من القرن الماضي فيقول “العصور التي يكون فيها السلاح المهيمن مكلفًا أو صعب الصنع، تميل أن تكون عصور استبداد. في حين أن العصور التي يكون فيها السلاح بسيطًا ورخيصًا، يكون هناك أمل لعامة الناس” فالسلاح المعقد المتطور “يجعل من القوي أقوى، بينما السلاح البسيط – طالما لم يكن هناك ما يقابله – يعطي الضعفاء مخالب”.

وقد وصف القنبلة النووية – التي استخدمت لدك هيروشيما وناجازاكي قبيل كتابة المقالة بشهرين- بأنها “سلاح مستبد بطبيعته”. وتنبأ أورويل بأنها سلاح سيركز السلطة في أيدي دولتين أو ثلاث على الأكثر فتصير دولا عظمى “وحشية”، تملك القاعدة الصناعية والبحثية المتقدمة اللازمة لتصنيعه. ويتسائل أورويل، إذا افترضنا أن “الأمم العظمى الناجية قد تعقد اتفاقًا مضمرًا بألا تستخدم القنبلة النووية ضد بعضها البعض؟ وأنهم قد يهددون باستخدامها فقط ضد الشعوب الغير قادرة على الرد؟”

ويَخلُص إلى نتيجة أننا على الأرجح حينها سنكون بصدد “عهدٍ مروعٍ في رسوخه كامبراطوريات العبيد في العصور القديمة” وأطلق عليه مصطلح “حالة دائمة من الحرب الباردة” و”سلام ليس بسلام”. حيث “لا يزال استشراف الشعوب الخاضعة والمضطهدة أكثر يأسًا”

“الخصوصية”

هناك أوجه شبه بين زمن أورويل وزمننا الحاضر. أولها كَثرة الحديث في الشهور الأخيرة عن أهمية “حماية الخصوصية”، وقليلون هم من يتساءلون عن سبب أهميتها. حقيقةً، هي ليست مهمة، لكن طُلِبَ منِّا الاعتقاد بأهميتها، وأنها قَيِّمَة في حد ذاتها.

يرى جوليان أن السبب الحقيقي يكمن في حسابات القوة. فالإطاحة بمفهوم الخصوصية وأهميته سيوسع دائرة اختلال توازن القوى القائم بين الفئات الحاكمة والعامة.

التشابه الثاني هو أكثر خطورة ولكن يُساء فهمه. فمثل ما حدث مع القنبلة النووية من حديث وتحليلات لأفراد غير متخصصين ولا يدركون خطورة القنبلة وتبسيط الوضع أكثر من اللازم؛ في الوقت الحاضر، حتى هؤلاء الذين يرفعون الدعوات القضائية ضد مراقبة الدولة للجماهير، يتعاملون مع تلك القضية باعتبارها مجرد فضيحة سياسية، حيث يلقون اللوم على السياسات الفاسدة من قبل عدد قليل من الرجال الفاسدين، والذين تجب محاسبتهم. فالأمل معقود – على نطاق واسع – على أن كل ما تحتاجه مجتمعاتنا لإصلاح تلك المشكلة هو تمرير بعض القوانين.

يُشبِّه الكاتب قضية “المراقبة” بالسرطان فهي أعمق من ذلك بكثير. نحن لا نعيش فقط في دولةٍ مراقِبة وإنما في مراقبة مجتمعية، تلك المراقبه الشمولية المستبدة لا تتجسد فقط في حكوماتنا بل متضمنة أيضًا في اقتصادنا، وحتى في أبسط استخدام للتكنولوجيا في تفاعلاتنا اليومية.

مراقبة الدولة ومراقبة الإنترنت

المفهوم الحقيقي للإنترنت هو: شبكة عالمية واحدة متجانسة أوقعت العالم في شركها، وهو جوهر”الدولة المراقِبة”. فقد بُنيَت شبكة الإنترنت بدايةً بطريقة مراقبة ودية، لأن الحكومات والجهات التجارية المتحكمة في الإنترنت أرادتها بتلك الطريقة. وعلى الرغم من وجود البدائل في كل خطوة على طريق بناء الإنترنت، فإنه تم تجاهلها جميعًا.

في جوهرها تعمل شركات مثل جوجل وفيسبوك نفس عمل وكالة الأمن القومي لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية. كلهم يجمع كميات معلومات هائلة عن الناس ويحفظها ويدمجها، ثم يستخدمها في التنبؤ بسلوك الأفراد والجماعات. ومن ثم تباع تلك الدراسات لشركات الإعلان وغيرها. ذلك التشابه جعل منهما بطبيعة الحال شريكتان لوكالة الأمن القومي، وهو أيضًا السبب وراء كونهما أصبحتا جزءًا من برنامج المراقبة السرية للإنترنت.

وعلى عكس وكالات الاستخبارات التي تتصنت على خطوط الإتصالات الدولية، المراقبة التجارية المعقدة استدرجت مليارات الناس بوعودها البراقة عن “الخدمات المجانية”، فاتخذت الأعمال التجارية من “التدمير الصناعي للخصوصية” نموذجًا لأعمالها. لكن، حتى النقاد الأكثر تشددًا تجاه المراقبة التي تقوم بها وكالة الأمن القومي، لا يطالبون بإنهاء أو وقف جوجل أو فيسبوك!

وبالقياس على آراء أورويل، هناك جانب “مستبد” للإنترنت لا يمكن إنكاره. لكن الإنترنت معقد جدًا بحيث لا يمكن تصنيفه بشكل صريح لا لَبس فيه بأنه ظاهرة “استبدادية” أو “ديموقراطية”.

يضيف جوليان أنه عندما تجمع الناس في المدن للمرة الأولى قديما، صاروا قادرين على التنسيق فيما بينهم بداخل مجموعات كبيرة لأول مرة، وأصبح بإمكانهم تبادل الأفكار بسرعة، أدى ذلك إلى تقدم تقني متتابع فبزغ فجر الحضارة الإنسانية، بفضل الإنترنت. شيء من هذا القبيل يحدث الآن، حيث أصبح بإمكان المزيد من الناس التواصل والتجارة في أماكن أكثر في اللحظة الواحدة عما كان عليه الحال في أي وقت مضى. نفس التطورات التي مكنت حضارتنا من المراقبة بطريقة سهلة، تجعل من الصعب التنبؤ بها. فقد سهلت على السواد الأعظم من الإنسانية إمكانية تثقيف أنفسهم بأنفسهم، والتدافع نحو التوافقات الجماعية وأيضًا التنافس مع جماعات السلطة المحصنة. وهذا أمر مشجع، لكن ما لم تتم رعايته، فإنه قد يكون قصير الأجل.

التشفير

إذا كان هناك نظير حديث لما وصفه أورويل بالسلاح “البسيط” و”الديموقراطي” الذي “يعطى الضعفاء مخالب”؛ فهو التشفير. يقول جوليان أن التشفير هو أساس العمليات الرياضية وراء البيتكوين، ولا سيما أكثر برامج الاتصالات أمانًا. نظرًا لأن إنتاجه رخيص جدًا لدرجة إمكانية كتابة برامج تشفير آمنة على الكمبيوتر المنزلي، ولعل انتشارها أرخص بسبب سهولة نسخ برامج الكمبيوتر. إضافة لكونها تقنية منيعة ليس من السهل اختراقها، وذلك لارتكازها على علم الرياضيات، فهو دقيق وبإمكانه الصمود أمام جبروت القوى العظمى. ويستشهد الكاتب بفعالية تقنية التشفير أثناء الحرب العالمية الثانية؛ حيث مكنت الحلفاء من تشفير رسائلهم عبر الاتصالات اللاسلكية ضد مستقبِلات دول المحور. يضيف جوليان أن كل ما يحتاجه الفرد الآن لتحميل تلك البرامج التشفيرية هو فقط اتصال إنترنت وكمبيوتر محمول رخيص.

منذ عام 1945، واجهت كثير من دول العالم طغيانا واستبدادا طيلة نصف قرن نتيجة استخدام القنبلة الذرية. أما في عام 2015، فإننا نواجه انتشارا قاسيا للمراقبة العدائية للجماهير، وانتقالا متتابعا للسلطة بين هؤلاء المتصلين بهياكلها العليا. ومن السابق لأوانه التنبؤ بالفائز في النهاية؛ هل سيكون الجانب “الديموقراطي” أم الجانب “الاستبدادي” للإنترنت. فالخطوة الأولى نحو التصرف بفاعلية هي بإدراكنا كلا الجانبين، وأن الإنترنت هو ميدان نضال.

و يختتم مقاله ببعض المسلمات فيقول “لا يمكن للإنسانية الآن رفض شبكة الإنترنت”، ومن الواضح أننا لا نستطيع التنازل عنها أيضًا. فبدلًا من ذلك، علينا أن نقاتل من أجله، وكما هو الحال عندما مهدَّت الأسلحة النووية للحرب الباردة، فهذا المنطق المزدوج للإنترنت هو مفتاح فهم الحرب المرتقبة بسبب المرتكز الفكري لحضارتنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد