1,343

في الرابع من مايو (أيار) الجاري، رفع البنك المركزي الأرجنتيني سعر الفائدة الرئيسي إلى 40%، وجاء هذا الرفع للمرة الثالثة هذا العام، والثانية خلال يومين، إذ أوضح «المركزي» في بيان له إنه سيواصل استخدام كل الأدوات الممكنة للوصول إلى مستوى التضخم الذي تستهدفه البلاد للعام الحالي والبالغ 15%، هذه الخطوة جاءت أيضًا بعد أسبوع من تراجع حاد لعملة البلاد (البيزو)، إذ فقدت نحو 8% من قيمتها، لكن خطوة المركزي دفعت البيزو للصعود 4.78%.

هذه الخطوات المتسارعة التي قام بها المركزي الأرجنتيني أعادت إلى الأذهان فكرة المقارنة بين الأزمة الاقتصادية هناك والأزمة الاقتصادية في مصر، إذ لجأ الكثيرون إلى المقارنة بين الوضع الاقتصادي في مصر والأرجنتين خلال السنوات القليلة الماضية، ولكن مع اتجاه المركزي المصري لخفض أسعار الفائدة مؤخرًا، وعلى العكس رفع الفائدة في الأرجنتين، يأتي السؤال الآن، هل نجحت مصر في الإصلاح، بينما فشلت فيه الأرجنتين؟

في الواقع ربما يكون قياس الفشل والنجاح في التجربتين المصرية والأرجنتينية على أساس سعر الفائدة لا يعبر عن الواقع الحقيقي لاقتصاد البلدين، ولكن هذا الأمر يدفعنا أيضًا للسؤال عن سبب نجاح السياسة النقدية التي اتبعتها مصر بعكس الأرجنتين، بالرغم من أن الأزمة ربما تكون أقدم بعض الشيء في الأرجنتين، ولكن قبل الحديث عن فكرة النجاح والفشل، يجب أن نستعرض ما وصلت إليه مصر، وما تقف عنده الأرجنتين حاليًّا لنظرة أكثر وضوحًا.

بداية الإصلاح في مصر والأرجنتين

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على تقديم قرض بحوالي 12 مليار دولار لمصر، وهو نفس الموعد تقريبًا الذي شرعت فيه مصر في العمل ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وضعته الحكومة المصرية، والذي حقق نتائج مبشرة، من خلال اعتماد البلاد على فرض ضرائب جديدة كضريبة القيمة المضافة، كما قررت تحرير سعر الصرف (تعويم الجنيه)، وخفض الدعم على الوقود والكهرباء، ورفع أسعار الفائدة، ناهيك عن فرض حزمة من الرسوم على معظم الخدمات في البلاد.

منذ ذلك الحين لم تترك البلاد أي طريق للتقشف إلا وسلكته في محاولة لإرضاء صندوق النقد الدولي والوصول إلى أهداف برنامج الإصلاح، وفي نفس الوقت أو قبله قليلًا كانت الأرجنتين قد بدأت بالفعل في برنامج للإصلاح الاقتصادي لكن بعيدًا عن النقد الدولي، جاء ذلك منذ أن استلم ماوريسيو ماكري، في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) 2015 منصبه رئيسًا للأرجنتين، خلفًا لكريستينا فرنانديز دي كيرشنر التي استمرت في رئاسة الأرجنتين نحو ثمانية أعوام، وفي نفس الشهر الذي تولى فيه الرئاسة قرر تحرير سعر صرف العملة المحلية، وانطلق منذ ذلك الحين في برنامجه للإصلاح الاقتصادي.

بالطبع يختلف الوضع في مصر عن الأرجنتين كثيرًا فماكري تسلم السلطة في وقت كانت بلاده مُثقلة بسوء إدارة وسياسات اقتصادية خطرة انتهجتها كريستينا فيرنانديز دي كريشنر أدت إلى تدمير الاقتصاد بشكل كبير في نظر العديد من المحللين، وذلك على سبيل انتهاج الدعم والتحكم في الأسعار وطباعة الأموال، ناهيك عن أن الأرجنتين كان عاجزة في يوليو (تموز) 2014 عن تسديد ديونها للمرة الثانية خلال 13 عامًا، لكن استطاع الرئيس الجديد التغلب على هذه التحديات إذ توصل إلى تسوية مع كثير من الدائنين، وتمكن من خفض عجز الموازنة ومعدل التضخم، وتمكن من قيادة الاقتصاد الثالث في أمريكا اللاتينية في 2017 إلى نمو بنسبة 2.8%.

Embed from Getty Images

رئيس الأرجنتين موريسيو ماكري

هذه الإنجازات التي حققها ماكري أضفت إحساسًا بالتفاؤل على الاقتصاد، ودفعت المستثمرين نحو شراء سندات لأجل 100% عام نهاية العام الماضي وبداية 2018، وهو أمر لم يكن يتخيل أحد أن يحدث بعد التعثر الثلاثي الذي مرت به البلاد، كما استطاع خلال سنتين من رئاسته خفض عجز الموازنة من 6 إلى 3.9%، بالرغم من أن إصلاحات ماكري اعتمدت في جانب كبير على السياسة النقدية عن طريق رفع الفائدة وتحرير البيزو إلا أن ذلك لم يمنع انفجار الأسعار في البلاد بسبب خفض الدعم، وهو ما دفع الآلاف للخروج إلى شوارع الأرجنتين منذ شهر من الآن احتجاجًا على زيادة أسعار الغاز والكهرباء.

الاحتجاجات والمعارضة السياسية هي التحدي الأكبر الذي يبرز أمام الرئيس ماوريسيو ماكري وحكومته، وذلك بعكس مصر التي لم تجد من يخرج إلى شوارعها للاعتراض على سياسية التقشف التي تعد أعنف مما يحدث في الأرجنتين وفي وقت أقل كذلك، إذ تحمل المواطن المصري فاتورة الإصلاحات وحده، إلا أن الأوضاع السياسية في البلاد لم تساعد على الاعتراض على هذه السياسة كما حدث في الأرجنتين.

Embed from Getty Images

عموما ينتظر كل من مصر والأرجنتين جولة جديدة من خفض الدعم وزيادة الضرائب وخفض الإنفاق، وهذه الجولة ربما ستكون أكثر قسوة من الجولات السابقة وقد تكون هي الاختبار الحقيقي للبلدين.

ما هي أخطاء الأرجنتين التي دفعتها لرفع الفائدة إلى 40%؟

نتحدث خلال هذا التقرير عن الأرجنتين في حقبة ماوريسيو ماكري فقط، بعيدًا عن الأحداث الاقتصادية في العقود الماضية والتي تحمل الكثير من التفاصيل التي من الصعب أن نضعها في المقارنة مع مصر، وفي بداية الحديث ذكرنا أن البنك المركزي الأرجنتيني رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 40%، فلماذا حدث ذلك رغم أن سياسة ماكري في الإصلاح خلال عامي 2016 و2017 وحتى مع بداية 2018 كانت ناجحة على ما يبدو؟، ما الذي دفع المركزي لمثل هذا القرار؟

كما ذكرنا فالسياسة النقدية كانت البوصلة الأهم في توجيه الإصلاح الاقتصادي في الأرجنتين وهي بلا شك أداة فعالة ونتائجها سريعة، إذ تمثل محور السياسة الاقتصادية الكليّة، لكن تبقى المبالغة في تطبيق السياسة النقدية من أكبر المخاطر التي تهدد اقتصادات الدول بشكل خاص، والاقتصاد العالمي بشكل عام، فالمبالغة دائمًا ما يكون لها تأثير عكسي على وضع واتجاه النشاط الاقتصادي.

وخلال الأشهر الأخيرة تفاجأت الأرجنتين بالتراجع السريع في سعر العملة، دفعها لرفع سعر الفائدة لمستويات قياسية، وإعلانها عن اللجوء لصندوق النقد لطلب قرض بقيمة 30 مليار دولار ليساعدها على مكافحة أزمة تدهور العملة، هذا التدهور السريع جاء بسبب أن الحكومة والبنك المركزي ارتكبا خطأ من وجهة نظر المستثمرين، وهو خفض سعر الفائدة قبل السيطرة على معدلات التضخم، وهو ما أضعف من جاذبية العملة المحلية، وقادها للهبوط لمستويات قياسية منخفضة.

Embed from Getty Images

المشكلة الأهم في الأرجنتين كانت التضخم والذي سجل العام الماضي 20%، ليجبر الحكومة على تعديل مستهدفها للعام الحالي ليكون 15%، بدلا من 8 إلى 12% التي كانت تستهدفه، لكن شهدت النسبة قفزة قوية في يناير (كانون الثاني) ليصل إلى 25%، بعد إجراءات لخفض الدعم في ديسمبر الماضي، وبالرغم من خطأ المركزي في تقدير التضخم، إلا أنه ارتكب خطأ أكبر تمثل في خفض معدل الفائدة وهو ما قاد عملة البلاد للتراجع بقوة، ليعود المركزي لاحقًا لمحاولة السيطرة برفع سعر الفائدة ثلاث مرات على التوالي كان آخرها ببداية الشهر الجاري لتصل نسبتها إلى 40%.

هل يمكن أن تقع مصر في نفس الفخ؟

في مصر كان الوضع مختلفًا بعض الشيء، فالمركزي لم يشرع في خفض الفائدة سوى بعد تراجع التضخم بحسب الأرقام الحكومية، فمع بداية الإصلاح كسر معدل التضخم حاجز الـ30% منذ يناير 2017، عندما صعد خلال آخر شهرين في 2016 بنحو 100% إذ كان يقدر في نوفمبر بنحو 15% فقط، وبلغ التضخم ذروته في يوليو 2017، عندما قفز إلى نحو 36% بحسب بيانات البنك المركزي، ثم عاود الهبوط بعد ذلك وفق الحسابات الرسمية إلى قرب 13% في أبريل (نيسان) الماضي.

خلال هذه الفترة منذ التعويم وحتى الآن، زاد البنك المركزي أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 700 نقطة أساس لتصل إلى نحو 20%، وتجاوزت هذا المعدل خلال إصدارات أذون وسندات الديون الحكومية، لكن عاد وخفض البنك أسعار الفائدة بمقدار 200 نقطة أساس منذ فبراير (شباط) الماضي، وذلك بعد أن انحسرت الضغوط التضخمية، لكن ربما قد يصطدم المركزي قريبًا بمستويات مرتفعة من التضخم، إذ توقعت وكالة بلومبرج، ارتفاع التضخم بمصر إلى مستوى أعلى من معدلاته الحالية، في ظل اتجاه الحكومة إلى خفض دعم الوقود والطاقة في يوليو المقبل.

وبحسب «بلومبر ج» فإن إجراءات خفض الدعم ستقلص التقدم الذي حققه البنك المركزي في خفض التضخم السنوي، وهو ما يبرر قرار المركزي مؤخرًا بتثبيت سعر الفائدة عند 17.25%، وذلك خلال آخر اجتماع للجنة السياسة النقدية، وفي حال شهد التضخم ارتفاعًا كبيرًا سيكون الوضع مشابهًا كثيرًا لما حدث في الأرجنتين، كما أن الحكومة من الصعب أن تتراجع عن أي خطط رفع الدعم فمصير الدفعات المتبقية من قرض النقد الدولي مرتبط بهذه الإجراءات.

على الجانب الآخر، شهدت الأسابيع القليلة الماضية وخاصة بعد رفع الفائدة على البيزو الأرجنتيني خروج مليارات الدولارات من «الأموال الساخنة» المستثمرة في الديون الحكومية ومغادرتها مصر بحثًا عن أسواق أخرى لديها أسعار فائدة أعلى، إذ تشير تقديرات إلى أن مبيعات الأجانب الأسبوع المنتهي في 10 مايو الجاري اقتربت من 5 مليارات دولار، وهو الأمر الذي قاد الجنيه المصري للهبوط مؤخرًا، إذ لامس مستوى الـ18 جنيهًا في البنوك لأول مرة منذ أشهر، بينما شهدت السوق السوداء نشاطًا ملحوظًا، وهو ما يقود سوق الصرف لتحركات ربما لم يشهدها السوق منذ تحرير الجنيه.

أيضًا ما قد يضع الحكومة المصرية في نفس مأزق نظراتها الأرجنتينية، هو أنها قدرت في الموازنة الجديدة (2018-2019) سعر الدولار على أساس 17.25 جنيهًا، لكن السعر الحالي أعلى من هذا المستوى، بالإضافة إلى تقدير سعر النفط الذي يعد من أهم واردات البلاد بسعر أقل كثيرًا من مستوى الأسعار الحالية، ما يعني أن البلاد من الصعب أن تحقق معدلات العجز المستهدفة، وعند الحديث عن عجز الموازنة فيجب أن نشير إلى أن الأرجنتين تفوقت على مصر خلال العامين الماضيين، ففي مصر كان عجز الموازنة في العام المالي الماضي 10.9%، بينما من المقدر أن يتراجع العام المالي الحالي إلى 9.7%، وتستهدف الحكومة وصوله إلى 8.5% بالموازنة الجديدة، وذلك في الوقت الذي انخفض فيه عجز الموازنة من 6 إلى 3.9% خلال سنتين من رئاسة ماكري.

الديون.. المؤشر الأخطر الذي يقلب المعادلة

عانت الأرجنتين من الديون كثيرًا خلال من بداية هذه الألفية، ففي 2001 أعلنت عن أنها عاجزة عن سداد ديونها، ونفس الأمر تكرر في يوليو 2014 وذلك للمرة الثانية خلال 13 عامًا، ويبدو أن البلاد مع بداية رحلة الإصلاح الحالية أكثر حرصًا مع الديون، لكن في مصر كان الأمر مختلفًا بعض الشيء، فمنذ بداية برنامج الإصلاح اعتمدت البلاد على الديون بشكل أساسي.

وكان عمرو الجارحي، وزير المالية المصري، قد قال في بداية هذا الشهر إن الدين العام المصري تضاعف إلى خمسة أضعاف في آخر خمس سنوات، وسيواصل الارتفاع خلال الفترة المقبلة، ولا شك أن الديون تمثل مؤشرًا هامًا يوضح مدى نجاح مسار الإصلاح، وقد يرجح كفة دول عن غيرها، ونستطيع أن نقول إن الديون على المدى المتوسط ستكشف أيًّا من الدولتين نحج في الإصلاح الاقتصادي بأقل خسائر ممكنه.