مباشرة بعد انطلاق “عملية الكرامة” التي أطلقها اللواء المتقاعد أو المنشق خليفة حفتر، في مدينة بنغازي شرق ليبيا، تحدثت تقارير عن “دعم خارجي”، لهذا اللواء الذي قاد ذات أيام من أواخر ستينيات القرن الماضي انقلابًا عسكريًا حمل العقيد الراحل معمر القذافي إلى الحكم واستمر فيه أربعة عقود قبل أن تعصف به رياح ثورة شعبية.

أطراف خارجية !

اللواء خليفة حفتر وسط ضباط مقربين منه

الواقع أن الحديث عن تدخل خارجي فيما يجري اليوم من “تمرد” بشرق ليبيا وبعض المناطق الأخرى بمبررات محاربة الإرهاب، يجد له الكثير من المؤشرات والأسباب التي تعضده، وتجعل “تلميحات” ساسة طرابلس إلى تلك “الأطراف الخارجية” مؤسسة على معطيات موضوعية، لأنها ببساطة لا يروق لها وجود “تيار إسلامي” يقود زمام المبادرة بداخل المؤتمر الوطني العام (البرلمان) وهو صاحب السلطة الفعلية، في حين أن الجارة الشرقية (مصر) انتهى إلى ما انتهى إليه مثلُ ذاك “التيار الإسلامي” ورُميت قياداته في السجون بل وأُصدرت القوانين واللوائح التي تعتبره “تنظيمًا إرهابيًا”.

وإذا أعدنا تركيب الصورة منذ انطلاق هذا التمرد الذي يقوده حفتر استطعنا تكوين، على الأقل، فكرة حول الجهة التي لها “مصلحة” في تقديم الدعم للواء حفتر، الذي قام بمحاولة أخرى وكانت الأولى، عندما أعلن في شريط فيديو، في شهر فبراير الماضي، وبثته قناة “العربية” السعودية (التي بالمناسبة تحظى بنشر السبق لكل أنشطة حفتر بما في ذلك تصريحاته المعبرة عن إعجابه بقائد الانقلاب في مصر المشير عبد الفتاح السيسي الذي أصبح رئيسًا)، وأكد من خلاله “سيطرة” قوات تابعة له على معظم المؤسسات الحيوية بالبلاد، بل أكثر من ذلك أعلن في ذات شريط الفيديو عن “خارطة طريق” للمرحلة المقبلة، بعدما ألغى المؤتمر الوطني العام والحكومة، ودون أن ينسى التذكير بأنه “خطوته” تلك ليست انقلابًا عسكريًا.

محاولات حفتر الانقلابية

حفتر في إحدى المقبلات الإعلامية

وعلى الرغم من أن تلك كانت محاولةَ انقلاب فاشلة بل وتسميتها من طرف ساخرين بأنها كانت انقلابًا “انفلاش”، أي أنها كانت انقلابًا أمام الكاميرات فقط، فإن هناك من ساسة طرابلس من سارع إلى التحذير من محاولات أطراف خارجية ضرب “الانتقال الديمقراطي” العسير الذي يشهده ثوار 17 فبراير، مستغلة فوضى انتشار السلاح و”تشدد” بعض المجموعات التي شاركت في الثورة، والتي تراوضها أفكار “جهادية” لا تتردد في الإعلان عنها حتى ولو تعلق الأمر بإقامة “إمارة” إسلامية في بلاد عمر المختار.

عناصر تابعة للجيش الليبي

الحاسة وليس الحساسية السياسية لدى “الإخوان المسلمين” في ليبيا ستكون أقوى من غيرهم، في هذه الظروف تحديدًا، للاهتداء إلى “أصل” هذا التمرد الذي اندلع من مهد الثورة الليبية المجيدة؛ بحيث مباشرة بعد إعلان حفتر عن عمليته العسكرية حمّل بشير الكبتي، المسؤول العام للإخوان المسلمين في ليبيا، ما سماها مسؤولية الدماء الليبية التي سالت في مدينة بنغازي بعد الحكومة لأطراف خارجية. ونقلت عنه “القدس العربي” قوله أن “أصابع خارجية لدول تتحرك وتتلاعب بمصير ودماء الليبيين لتقضي على ثورة 17فبراير/شباط ضمن موجة مبرمجة لمحاربة ثوراث الربيع العربي في المنطقة”. واتهم الكبتي حفتر بالتآمر ضد أبناء وطنه مع دول خارجية.

لا نار دون دخان !

اللواء خليفة حفتر

ولعل مقولة “لا توجد نار بدون دخان” تصدق كثيرًا على ما سبق تحركات خليفة حفتر منذ الإعلان عن “الانقلاب الفاشل” في فبراير، والذي جاء متزامنًا مع الذكرى الثالثة للثورة الليبية، وإلى غاية انطلاق عمليته العسكرية “الكرامة” في الشهر الماضي، من زيارات خارج البلاد وعقد لقاءات مع دول، كان على ما يبدو موضوعها هو التخطيط بل والتدريب على ما يقوم به حاليًا من عمل عسكري.

في هذا الصدد كشفت مصادر لـ”القدس العربي” أن حفتر سافر مؤخرًا إلى كل من مصر ودولة الإمارات، والتقى بمسؤولين عسكريين وسياسيين في البلدين. وبحسب ذات المصادر فإن حفتر يتمتع بعلاقات قوية جدا بأحمد قذاف الدم وهو ابن عم العقيد الليبي الراحل معمر القذافي.

وتكشف المصادر أيضًا أن اللواء خليفة حفتر أوفد ضباطًا مقربين منه للقاء زعيم دولة إفريقية أثناء احتفالات تونس بالإعلان الدستوري.

ووفق ما كتبته “القدس العربي” أيضًا نقلًا عن ما وصفتها “مصادر دبلوماسية عربية”، فإن قادة ميدانيين وسياسيين كانوا التقوا في مدينة بنقور في جنوب تشاد، في بداية كانون الثاني/يناير الماضي، ممثلين أمنيين من بعض الدول العربية المهتمة بشأن المعارضة الليبية ومن النيجر. وبحث اللقاء القيام بعمليات تجريبية قبل القيام بهجوم كبير، تقول ذات المصادر قبل أن توضح أنه بعد هذا اللقاء تمت عدة هجمات على كل من مدينة سبها وقاعدة تمنهنت وبراك الشاطئ والعجيلات والعزيزية ورأس جدير وغيرها.

وبعد هذه العمليات قامت حكومة طرابلس والتحالف الدولي بالضغط على حكومة النيجر لتسليم كل من عبد الله منصور والساعدي القذافي بصفتهم مسؤولين عن الأحداث التي جرت، وبالفعل قامت النيجر بتسليمهما فورًا إلى السلطات الليبية.

مصر والجزائر وحفتر

عناصر تابعة لمجموعة مسلحة متشددة

وينظر بعض المراقبين إلى وجود دور جزائري مصري فيما يجري اليوم من أعمال عسكرية على الساحة الليبية، بل إن توجس النظامين الجزائري والمصري مِن أن تتقوى شوكة “الإخوان المسلمين” المسيطرين على مقاليد الحكم في ليبيا ما بعد ثورة 17 فبراير من خلال القوة السياسية التي يتوفرون عليها بالمؤتمر الوطني العام، وهو ما قد يشكل خطرًا على مصر التي قام فيها النظام بانقلاب عسكري على رئيس شرعي هو محمد مرسي المنتمي لـ”الإخوان المسلمين”، وكذا خطرًا على الجزائر التي تعاني أزمة سياسية داخلية وهي تعيد “تتويج” الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة من على كرسيه الطبي، بحيث إن الرجل الذي لا يقوى حتى على الكلام، كيف له أن يدير بلادًا من غرفة إنعاش؛ وهو ما يعتبر وحده سببًا كافيا لجعل البلاد على فوهة بركان قابل للانفجار مهما توفرت له شروط ذلك، ولعل نجاح الثورة في ليبيا قد يكون أحد الشروط المحفزة على إحياء الاحتجاجات في الشارع الجزائري التي لطالما أخمدتها غطرسة النظام وقبضته الحديدية، ما جعل “الربيع الجزائري” لم يزهر حتى الآن.

لكن يبدو أن تدخّل كل من مصر والجزائر لدعم حفتر ربما يحتاج إلى بعض الوقت لمعرفة ما إذا كان هذا اللواء المتمرد قادرًا على كسب مساحات على الأرض تجعلهما أكثر إقبالًا على مساندته، وهو ما لم يتأتّ له حتى الساعة، بحيث أن عملية “كرامة ليبيا” وإن لقيت بعض التأييد من الشارع الليبي، وانضمام بعض القادة والمجموعات المسلحة إليها، إلا أنها أحدثت انقسامًا كبيرًا ورغبة أكيدة أيضا لدى الأطراف الأخرى على المواجهة. ولعل ذلك ما جعل مجموعات حفتر تراوح مكانها في بنغازي دون مكاسب حقيقية قد تشجع “الأجنبي” على المغامرة بتقديم الدعم لهذا اللواء المخضرم.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد