قصة اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يقود تمردًا عسكريًا في ليبيا، وقاد قبل أربعة أشهر انقلابًا اتضح أنه كان على شاشات التلفزيون فقط وليس في ساحة الوغى وهو ما كان موضوع الكثير من السخرية، هي قصة تستحق لأن تكون فيلمًا سينمائيًا مشوقًا؛ تلعب فيه شخصية حفتر المخضرمة البطولة المطلقة، وهي تستحق ذلك بجدارة..

حفتر واللعب بالنار !

اللواء خليفة حفتر برفقة ضباط مقربين منه

مِن تلميذ في أسرة بسيطة نشأ وترعرع ودرس وحفظ القرآن في كنفها بإحدى المدن الصغرى الليبية (إجدابيا)، إلى ضابط في الجيش يساهم في انقلاب قاد رفيق له اسمه القذافي إلى حكم البلاد، ثم إلى “قائد” لحرب على بلد جار هو تشاد، فإلى أسير لدى الأخيرة ثم إلى لاجئ بأمريكا كمعارض لرفيق السلاح والانقلاب (القذافي)، ووصولًا إلى “ثائر” ضِد القذافي، فمتمرد على الرفاق الثوار، كلها محطات تحتاج إلى كثير من التمحيص لمعرفة استثنائية وخصوصية هذه الشخصية التي “تلعب بالنار” وتنجو منها كما حدث فقط يوم الأربعاء عندما نجا بأعجوبة من موت محقق بعد تفجير سيارة حملت الكثير من المتفجرات لوضع نقطة نهاية مغامراته!

التقارير التي نقلت خبر نجاة حفتر من محاولة اغتيال عن طريق هجوم انتحاري استهدف مقرًا تابعًا له، وأسفر عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل، وإصابته هو بجروح طفيفة، ربما كانت تنقل أخبارًا استثنائية، لكنه الرجل الذي عاش بين أزيز الرصاص وغبار ساحات الوغى، ربما التفت إلى حطام السيارة المتفجرة وبداخله جثة منفذ العملية الانتحارية، وهو يردد في قرارة نفسه، متى تأتي التالية والتي تتلوها..؟

حفتر والإرهاب !

عملية الكرامة التي يقودها حفتر تستهدف بالأساس محاربة الجماعات المتشددة

فحفتر هذا الرجل العجوز (71 سنة) ينتظر في أي وقت موته أكثر من أن ينتظر وصوله إلى منصب أو تحقيقِ نصر، لأن له خصومًا كثيرين، ولأنه أدرى بشعبه “المسلح” الذي أصبح مسلحًا حقيقةً لا مجازًا كما كان في عهد القذافي، بل وزاد تسليحًا بعد ثورة 17 فبراير، عندما باتت فوضى انتشار السلاح تملأ كل حارة وكل حي وكل مدينة بما خف وثقُل من أنواع السلاح.

ويبدو أن الذين أرادوا اغتيال حفتر اليوم، حتى وإن أشار إليهم بالبنان وسماهم بالاسم، وهم “الإرهابيون”، بحسبه، متوعدًا إياهم بـ”حرب شرسة” في أول خروج إعلامي بعد نجاته، إلا أنه من الثابت أن هناك أطرافًا كثيرة لا شك أنها كانت ستكون أكثر سرورًا وفرحًا بموته، لأن ذلك وحده كان سيوفر عليها جهد وتكلفة التخلص منه سواء تعلق الأمر بالمسألة المادية أو المعنوية، وإن كانت تلك الأطراف سياسية، وهي في الغالب كذلك، فإنها ربما كانت ستُزال من أمامها عقبة كأْداء لا قِبل لها على تجاوزها وهي الغارقة في عدد من المشاكل والملفات التي خلفتها تركة القذافي بعد أربعة عقود من شبه فراغ على كافة الأصعدة.

حفتر والخصوم

تمرد حفتر لقي ترحيبا من فئة من المجتمع الليبي

حفتر الذي تعرّض لأول محاولة اغتيال منذ إطلاقه عملية “كرامة ليبيا” العسكرية لطرد الجماعات “الإرهابية” ودحرها كما قال، بينما أربكت عمليتُه العسكرية ساسة طرابلس ورأوا فيها محاولة انقلابية جديدة تكشف نوايا ورغبة حفتر في السلطة، لم يتردد (الأخير) وهو يلملم بعض الجراح الخفيفة التي خلفتها محاولة اغتياله في إعلان تحديه لخصومه والتأكيد على أن عملية “الكرامة” مستمرة لتحقيق أهدافها، وحتى يغادر هؤلاء ليبيا أو تقع تصفيتهم جميعًا، مشيرًا إلى أن “الإرهابيين” لن يصلوا إطلاقًا إلى أهدافهم، و”سوف ننهي الإرهاب والتطرف، والأيام كفيلة بأن تريهم الرد”.

ولعل اللواء حفتر يدري أكثر من غيره أن له من الأعداء أكثر مما له من أصدقاء، وذلك بالنظر إلى مسيرته الحافلة بالحروب والدسائس والانقلابات والسجون.

بعض الليبيين لم يجدوا حرجًا في مقارنتهم لحفتر بقائد الانقلاب في مصر بالمشير عبد الفتاح السيسي

اللواء المتقاعد أو المنشق (قل ما شئت ولكنه العسكري الذي ما يزال يهوى حمل سلاحه رغم بلوغه من الشيب عتيا) الذي كان أثناء الهجوم في اجتماع مع بعض القيادات العسكرية الموالية له بمنطقة غوط السلطان في الأبيار (شرقي بنغازي بنحو 60 كيلومترًا)، وجّه رسالة إلى الشعب الليبي قال فيها: “نحن بدأنا هذا العمل إرضاءً لشعبنا الذي تضرر من هذه العصابات الإرهابية، وأشكر قبائلنا الطاهرة، وأبناءنا الذين ساندونا وفوضونا لمحاربة الإرهاب”، مؤكدًا قوله: “نحن ندفع كل ما نستطيع لدحر الذين استنجدوا بكلابهم من الدول الأخرى”.

ولا يفتأ اللواء المتمرد في ليبيا يستعير قواميس قائد الانقلاب في مصر المشير والرئيس الحالي لمصر، عبد الفتاح السيسي، وبعدما كان في محاولته الانقلابية سابقًا قد أعلن خارطة طريق وإعلانه حل (البرلمان الليبي مبديًا في نفس الوقت عدم رغبته في أية أطماع في السلطة)، يعود من جديد في “محاولته” التمردية الجديدة ليكرر مرة أخرى قوله أن الشعب الليبي “فوّضه” لمحاربة “الإرهاب” وتطهير البلاد منه..

وإذا أضفنا إلى ذلك تصريحاته الأخيرة برغبته في لقاء السيسي، ثم إفراجه عن عدد من المصريين الذين كانوا محبوسين في أحد سجون بنغازي، فإنه يسهل علينا مدى حرصه على أن يكون السيسي “حليفًا” له، وقتها فقط لن يصبح عسيرًا على المتتبع معرفة منِ الذي له مصلحة في قتل خليفة حفتر!

عرض التعليقات
تحميل المزيد