تستخدم الثقافة الشعبية المصرية تشبيهًا رائجًا للتجمعات الكبيرة من البشر، والتي تهجم على مكان معين دون استئذان وبأعداد كبيرة، فمثلًا عندما يزور منزل الجدة كل أبنائها وأحفادها ربما تقول إنهم هجموا على البيت مثل الهكسوس، وترمز كلمة هكسوس في الرواية التاريخية السائدة منذ زمن طويل إلى شعب دخل مصر عنوة واحتلها ولم يكن محبوبًا من أهلها، كما عرف عنهم الشراسة والتوحش، ولم ينظر المصريون من قبل إلى كلمة هكسوس إلا على أنها تعبير عن الغزو والغزاة.

لكن منذ أسابيع قليلة صدرت دراسة بريطانية تخالف هذا الإرث التاريخي لما يعرفه المصريون، بل العالم كله عن الهكسوس. فما الذي طرحته هذه الدراسة؟ وما هي حقيقة الهكسوس؟ من هم ومن أين أتوا؟ هذا ما نحاول الكشف عنه في هذا التقرير بمساعدة المصادر التاريخية والأكاديمية أيضًا.

مهاجرون أم غزاة.. من هم الهكسوس؟

قبل أن نتطرق تفصيليًا إلى ما ذكره المؤرخون عن الهكسوس، تجب الإشارة إلى تعريفهم بحسب النظرة التاريخية السائدة في أغلب المصادر: إنهم «غزاة كانوا يسيطرون على أجزاء من مصر، منها منطقة الدلتا في ذاك الوقت، قبل أن ينجح الملك المصري أحمس في التغلب عليهم واستعادة السيادة الكاملة للمصريين على أنحاء مصر خلال عهد الأسرة الثامنة عشرة».

هذه الرواية التاريخية المتداولة بين صفحات الكتب وعلماء المصريات تعتمد في جوهرها على أن الهكسوس دخلاء جدد في تلك الحقبة على مصر، ولم يكونوا من أهلها.

منوعات

منذ 4 شهور
هل يشبه المصريون أجدادهم الفراعنة؟

لكن في الشهر الماضي نُشرت دراسة بريطانية تطرح وجهة نظر جديدة عن الهكسوس، تشير إلى أنهم لم يكونوا غزاة أتوا من مكان واحد كما عُرف عنهم في التاريخ، وإنما هم أبناء وأحفاد مجموعة من المهاجرين من خلفيات متنوعة دخلوا إلى مصر دخولًا سلميًا وعاشوا فيها فترة طويلة، ويدعم استنتاج الدراسة النظرية التي تقول إن الهكسوس استولوا على السلطة في لحظة ضعف الدولة، لا من خلال الغزو الخارجي.

ترجع الدراسة هذا الاستنتاج إلى نتائج علمية حصلوا عليها من تحليل أسنان مجموعة من الهياكل العظمية الموجودة في قرية تل الضبعة الأثرية شرقي النيل، والتي عرف عنها أنها عاصمة الهكسوس القديمة أثناء حكمهم أجزاءً من مصر. ويقدم هذا التحليل دليلًا على مكان نشأة أصحاب الهياكل العظيمة.

أظهرت أسنان 24 من الهياكل العظمية أن أصحابها ولدوا خارج مصر، ولكن عمر تلك الهياكل يرجع إلى فترة تسبق التاريخ المذكور عن دخول الهكسوس إلى مصر، ما يثبت – من وجهة نظر الدراسة – أن الهكسوس عاشوا في مصر فترة قد تصل إلى قرون قبل أن يحكموها.

بناءً على تلك النتيجة، تطرح الدراسة أن الهكسوس لم يغزوا مصر، بل انتفضوا من داخلها للاستيلاء على الحكم. وهو ما يدعونا لاستعراض الحقائق الأكاديمية والتاريخية المتاحة لنا، التي استطاع المؤروخون في ذاك الوقت توثيقها عن الهكسوس، لنرى مدى اتساقها أمام النظرية التي تطرحها الدراسة البريطانية الجديدة.

«الأسرى الرعاة» أم «الملوك الرعاة».. ما معنى «الهكسوس»؟

كان ظهور الهكسوس في التاريخ المصري من الأمور المثيرة للجدل الواسع بين المؤرخين، حتى أن مسماهم نفسه في المصادر المصرية يعد من القضايا التى تعددت فيها وجهات النظر التاريخية، فقد ورد عن المؤرخ المصري الشهير مانيتون أن كلمة الهكسوس تعنى «الملوك الرعاة»، بينما يحدثنا المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسفوس أن كلمة الهكسوس تعني «الأسرى الرعاة».

اتفقت الغالبية العظمى من علماء المصريات على أن كلمة هكسوس مشتقة من المصطلح المصرى القديم «حقاو – خاسوت» أي «حكام البلاد الأجنبية» الذي كان يعني منذ عصر الدولة الوسطى «مشايخ البدو»، كما أوضح لـ«ساسة بوست» الباحث في علم المصريات والمؤرخ والكاتب، الدكتور محمد رأفت عباس.

وهو الأمر نفسه المذكور في «موسوعة مصر القديمة» للأثري سليم حسن، الذي أوضح أن تلك التسمية لا تتعارض مع القاموس المصري القديم، وهذا التعبير – حكام البلاد الأجنبية – كان متعارفًا عليه في المصادر المصرية منذ الأسرة السادسة، وظل مستعملًا حتى عصر البطالمة، ويرجح البعض أن تلك الكلمة – حقاوخاسوت – لم تستخدم لوصف الهكسوس فقط، بل كل حكام البلاد الأجنبية الأخرى، ولكن المؤكد أن ملوك الهكسوس أطلقوا على أنفسهم في آثارهم هذا المسمى «حقاخاسوت» أي «حاكم البلاد الأجنبية» مثل المليك خيان، وسمقن، وعنات هر.

Embed from Getty Images
مقابر مكتشفة في 2019 لما يعتقد أنها رفات الهكسوس في منطقة كوم الخلجان.

ويوضح الدكتور رأفت أن آراء المؤرخين تنوعت حول الأصل العرقي والموطن الأصلي للهكسوس، فهناك من رأى أنهم من الشعوب الآرية التى كانت تسكن وسط آسيا، وهناك من رأى أنهم ساميون استوطنوا في كنعان (منطقة تشمل أجزاءً من سوريا، ولبنان، وفلسطين حاليًا) قبل دخولهم مصر.

ويبدو أن أقرب التفسيرات التاريخية للصواب في هذا السياق يتمثل في أن الهكسوس كانوا مجموعة من الشعوب التى سكنت مناطق آسيا الغربية، والتى اضطرت أن تهاجر من أوطانها تحت ضغط الشعوب القادمة من هضبة أرمينيا، والذين عرفوا في التاريخ باسم قبائل الحوريين، واستقروا في مناطق نهر الفرات الشمالية حوالى عام 2000 ق. م.

أدت غارة الحوريين على مناطق شمال سوريا إلى نشر الفزع والرعب في سكان سوريا وكنعان، فهرب الكثير منهم واندفعوا نحو الجنوب حتى وصلوا إلى مصر، ومن ثم فإن الدلائل التاريخية – يوضح رأفت – كانت تشير إلى أن الهكسوس لم ينتموا إلى جنس واحد، بل كانوا خليطًا من الآريين والساميين الذين أصبح الهدف الرئيس لهم الدخول إلى مصر من أجل استيطان أرضها بأي شكل من الأشكال.

كيف دخل الهكسوس مصر؟

من أكثر الحقائق التاريخية الجلية لدى مؤرخي مصر القديمة أن المصريين لم يحملوا بغضًا وكراهيةً في تاريخهم مثلما حملوا للغزاة الهكسوس، وذلك فيما تشير الوثائق والمصادر التاريخية، ويشير المؤرخ اليهودي يوسفوس، نقلًا عن المؤرخ المصري مانيتون، إلى أن دخول الهكسوس إلى مصر إنما كان في عهد الملك توتيمايوس، وهو الملك السابع والثلاثين من ملوك الأسرة الثالثة عشرة في بردية تورين.

يحدثنا مانيتون عن غزو الهكسوس لمصر بعبارات تتسم بالألم والكراهية لهذه الفاجعة الكبرى في تاريخ مصر قائلًا: «في عهد الملك توتيمايوس لسبب لا أعرفه حلت بنا ضربة من الرب، وفجأة تقدم، في ثقة بالنصر، غزاة من إقليم الشرق من جنس غامض إلى أرضنا، واستطاعوا بالقوة أن يتملكوها في سهولة دون أن يضربوا ضربة واحدة، ولما تغلبوا على حكام الأرض أحرقوا مدننا بغير رحمة، وقوضوا أرض معابد الآلهة وعاملوا المواطنين بعدوان قاس، فذبحوا بعضهم، وساقوا زوجات آخرين من أزواجهم، وأخذوا أطفالهم إلى العبودية، وأخيرًا عينوا من بينهم واحدًا ملكًا يدعى ساليتيس، وكان مقره منف، ففرض الضرائب على مصر العليا والسفلى، وكان يخلف وراءه حاميات في الأماكن المهمة».

ظلت النصوص التاريخية المصرية – بحسب رأفت – تنعت الهكسوس بكل ما هو حقير، حتى بعد طردهم من مصر، إذ يصف أحد نصوص الأسرة الثامنة عشرة – من عهد الملكة حتشبسوت» – وجود الهكسوس في مصر بأنهم كانوا يحطمون ويخربون معابد الآلهة ويحكمون بدون رغبة المعبود رع الذى كان يكرههم، وأن الأرض قد محت آثار أقدامهم بعد أن طردوا.

وتشير بردية سالييه رقم واحد – التى يعود تاريخها إلى عهد الأسرة التاسعة عشرة – إلى أن حكم الهكسوس كان بمثابة محنة رهيبة حلت بمصر، وأن ملوكهم لم يحترموا من بين المعبودات المصرية سوى سوتخ إله الشر، الذي عملوا على عبادته ورفع شأنه بشكل مستفز للمصريين.

ويبدو أن دخول الهكسوس مصر قد اتخذ صورة التسلل إلى حدود الدلتا الشرقية بأعداد قليلة وفى فترات متباعدة، وازداد هذا التسلل بمرور الزمن بسبب الضغط الذى مثلته الشعوب الأجنبية على سوريا، الذي وقع خلال تلك الفترات المتسمة بالفوضى والاضطراب التى ضعفت فيها الحكومة المركزية المصرية ولم تعد قادرة على حماية الحدود الشرقية، واستمر الحال هكذا حتى جاء وقت حاول فيه الهكسوس فرض سيطرتهم بالقوة على المصريين فوقع الصدام العنيف بين الغزاة الآسيويين وأهل البلاد.

أحرق الهكسوس المدن ودمروا المعابد واستعرضوا القوة، وانتهى الأمر باستيلائهم على العاصمة المصرية القديمة منف وأصبحت لهم الكلمة العليا في حكم مصر.

ويرى الكثير من المؤرخين أن التسلل الآسيوي الذى قام به الغزاة الهكسوس، الذي فشل ملوك الأسرة الثالثة عشرة في إيقاف زحفه، أعقبه صدام حربي عنيف بين الغزاة وبين المصريين، قبل نجاح الغزاة في فرض سيطرتهم واستيلائهم على العاصمة منف، وانتهى هذا الصدام بهزيمة منكرة للمصريين الذين واجهوا، للمرة الأولى في تاريخهم، شعوبًا محاربة بهذا القدر من الغلظة والشراسة.

انقسمت مصر إلى ثلاث كيانات سياسية خلال تلك الحقبة المؤلمة والعصيبة من تاريخها التي بدأت بحكم الهكسوس. 

امتلك الهكسوس عدة وعتادًا حربيًا عظيمًا لا قبل للمصريين به، وذلك بفضل استخدامهم للأسلحة البرونزية ومعرفتهم استخدام الخيول والعربات المركبات الحربية التى أدخلت إلى آسيا بواسطة الآريين وتعلم استخدامها عنهم الهكسوس، ولنا أن ندرك مدى فزع المصريين وجزعهم، عندما كان عليهم أن يواجهوا لأول مرة هذه العربات المقاتلة.

قام الهكسوس – بحسب رأفت – بالتمركز في شرق الدلتا واتخذوا من مدينة أواريس عاصمة لملكهم بعد أن أصبحت الدلتا ومصر الوسطى تحت حكمهم المباشر، واكتفوا بفرض الجزية على مصر العليا (الصعيد) تاركين الإدارة المحلية المصرية كما كانت عليه قبل الغزو.

ومن ناحية أخرى، استغل الكوشيون فرصة انهيار المملكة المصرية وبُعد ملك الهكسوس عنهم وتمركزه في الدلتا لكى يؤسسوا لأنفسهم مملكة كوشية مستقلة في جنوب الجندل الأول، اتخذت من كرما عاصمة لها، وهكذا انقسمت مصر إلى ثلاثة كيانات سياسية خلال تلك الحقبة المؤلمة والعصيبة من تاريخها التي بدأت بحكم الهكسوس.

بهذا نجد أن ما ذكر في معظم المصادر التاريخية يشير إلى أن الهكسوس تسللوا إلى مصر على مراحل، وهو ما يتفق مع ما ذكر في الدراسة أن الهكسوس كانوا مهاجرين استولوا على الحكم في مصر في لحظة ضعف الدولة، وليسوا غزاة بالمعنى المتعارف عليه.

تتمثل المعلومات التي كانت متاحة عن الهكسوس، قبل فك رموز اللغة المصرية القديمة واللغات الشرقية، فيما ورد عن فلافيوس يوسفوس، المؤرخ اليهودي الذي كان يعيش في القرن الأول الميلادي، ومعظم المعلومات التي قدمها هذا المؤرخ منقولة عن المؤرخ المصري مانيتون، ولكن المؤرخ سليم حسن يرى أن ما نقله يوسفوس من معلومات عن الهكسوس كان له دوافع أخرى، منها رفع شأن اليهود من خلال نسبهم إلى الهكسوس، وكأنهم جماعة واحدة استطاعت السيطرة على مصر لفترة طويلة من الزمان.

وذكر سليم حسن في موسوعته عن مصر القديمة أننا لا نعرف إلا الشيء اليسير عن بداية عهد تسلُّط الهكسوس على مصر، فنعلم أن الأسرة الخامسة عشرة قد نشأت، ثم تلاشت وحلت محلها الأسرة السادسة عشرة على حسب ما رواه مانيتون؛ لأن الوثائق التاريخية القديمة التي تساعد على فهم هذا العهد من تاريخ البلاد معدومة بالمرة.

تاريخ وفلسفة

منذ 10 شهور
«كتاب الموتى».. ماذا يقول قدماء المصريين عن الحياة بعد الموت؟

كما أشار حسن إلى احتدام الجدل حول الوقت الذي اجتاح فيه الهكسوس البلاد المصرية، وكانت الفكرة الراسخة في الأذهان عند عامة المؤرخين حتى بضع سنين مضت أن هؤلاء الغزاة قد انقضُّوا على الديار المصرية فجأة من بلادهم الأصلية، واستولوا عليها عنوة في فترة كان الحكم فيها ضعيفًا، ولكن هناك دلائل على أن أولئك الغزاة كانوا قوة ثقافية في وادي النيل منذ عهد الملك سنوسرت الثاني، أي في منتصف عهد الدولة الوسطى، عندما كانت مصر في أوج عظمتها.

تقدم الدراسة الجديدة المعلومة نفسها؛ أن الهكسوس عاشوا فترة طويلة في مصر قبل أن يسيطروا عليها، ونشروها ثقافتهم بين المصريين بالقوة الناعمة، قبل أن يحكموها بالقوة والقتل كما وصفت أفعالهم في كتابات المؤرخين، وهو ما يفسر الكره الشديد الذي يكمن في كتابات المصريين القدماء عن الهكسوس، إذ شعروا أنهم تعرضوا إلى خدعة من الهكسوس الذين احتلوا البلاد رويدًا رويدًا حتى تملكوها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد