بالتزامن مع صعود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لكرسي الحُكم؛ تسارعت وتيرة الانتقادات الغربية لقضايا حقوق الإنسان داخل المملكة، الأمر الذي واجهته الرياض برد فعل عنيف وتصعيد مفتعل تجاه دول غربية مؤثرة مثل كندا وألمانيا، في سياسة خالفت تصورات حُكام المملكة السابقين، الذين أبقوا قناة اتصال مع حلفائهم الغربيين حتى في أشد الأزمات معهم.

وتعد بريطانيا إحدى الدول التي بدأت تدخل في بوادر خصومة جديدة مع المملكة، في ضوء قضايا تتعلق بحقوق الإنسان أيضًا؛ إذ أصدرت قبل فترة أكثر من قرار يتعلق بتحييد وسائل الإعلام المملوكة للسعودية، والتي تتواجد في العاصمة البريطانية.

«الريال» وسيلة ولي العهد لتسويق نفسه

سعت المملكة العربية السعودية لتحسين صورتها الداخلية في بريطانيا، بالتزامن مع صعود ولي العهد السعودي، وذلك بوسائل مختلفة كان أبرزها بث إعلانات تلفزيونية على شاشات بريطانية، مثل «قناة سكاي 1» من أجل الترويج للخطة الإصلاحية المعروفة باسم رؤية «2030»؛ فضلًا عن إطلاق حملة إعلانية ضخمة على مستوى البلاد سواء في الطرقات العامة أو على شاحنات متنقلة، خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان الأخيرة إلى لندن، تضمنت وضع ملصقات ترويجية له في جميع أنحاء لندن، وكذلك بث إعلانات على المواقع الإخبارية الشهيرة.

لم تقف سياسة المملكة داخل بريطانيا عند ذلك؛ بل سعت أيضًا إلى استخدام الأموال لتسويق سياساتها بواسطة معهد التغيير العالمي، أحد مراكز الأبحاث التي يرأسها رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، وذلك عبر دفع 12 مليون دولار له، مقابل تقديم المشورة إلى السلطات في الرياض، وكذلك التسويق لولي العهد داخل أروقة السلطات البريطانية.

مصدر هذه الأموال كان شركة «ميديا إنفستمنت» التابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والتسويق والمسجلة في جزيرة جيرنسي، والتي سبق أن ترأسها الأمير بدر بن عبد الله آل فرحان الذي يشغل حاليًا منصب وزير الثقافة في المملكة العربية السعودية.

سعت المملكة كذلك، إلى تعزيز حضورها الإعلامي في بريطانيا عبر الدخول في شراكات بملايين الدولارات؛ لتكون بوابة تسويق سياساتها داخل العاصمة البريطانية. ظهر ذلك في توقيع المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق، التي تملكها العائلة المالكة، عقد شراكة مع موقع «الإندبندنت» البريطاني لإطلاق خدمات بأربع لغات، هي: الأردية والتركية والفارسية والعربية.

ليست كندا فقط.. لماذا يخسر ابن سلمان أصدقاء المملكة القدامى؟

ونجحت المملكة قبل هذا التوقيع في شراء حصة كبيرة من شركة «إندبندنت ديجيتال نيوز أند ميديا»، المالكة لصحيفة «إندبندنت»، بواسطة رجل الأعمال السعودي سلطان محمد أبو الجدايل (42 عامًا)، المقيم في السعودية، وينحدر من عائلة اقتصادية معروفة في المدينة المنورة.

وعلاوة على هذا؛ تسعى الرياض كذلك لامتلاك وسائل إعلام بريطانية مثل محاولاتها الجارية للاستحواذ على صحيفة «ديلي تليجراف» البريطانية بالشراكة مع رجل أعمال روسي، حسب ما نقله موقع «ذا نيو أوربيان» (الأوروبي الجديد) البريطاني.

«المال وحده لا يكفي»

يبدو أن المال الذي أنفقته المملكة السعودية لم يكن كافيًا لتحسين صورة ولي العهد السعودي داخل بريطانيا؛ فكُل الدولارات التي أنفقتها الرياض على تحييد وسائل الإعلام البريطانية لم تمنع حملات الهجوم على الأمير الشاب، ولم توقف مجموعات الضغط داخل البرلمان البريطاني من ممارسة الضغوط لوقف تصدير السلاح إلى السعودية.

أحد هذه التحولات في سياسة بريطانيا تجاه السعودية كان قرار هيئة البث الإذاعي والتلفزيوني في بريطانيا بمنع عرض الإعلانات المدفوعة الأجر من جانب وزارة الثقافة والإعلام السعودية على الشاشات البريطانية، لاعتبارات تتعلق بأوضاع حقوق الإنسان وحرية التعبير في السعودية؛ ذلك بالإضافة إلى القضايا الأخرى مثل بيع الأسلحة البريطانية للسعودية، وتورط الرياض في الحرب التي تشنها على اليمن منذ سنوات.

ويتجلى للعيان أن محاولات المملكة لتعزيز حضورها الإعلامي لن تكون ذات جدوى كبيرة؛ خصوصًا في ظل مواقف كُبرى وسائل الإعلام البريطانية، مثل هيئة الإذاعة البريطانية التي نشرت تقارير تهاجم سياسة ولي العهد، وكذلك صحيفة «الجارديان» البريطانية التي تساءلت في فيديو مصور أذاعته على موقعها الإلكتروني بالتزامن مع زيارة محمد بن سلمان إلى بريطانيا: «ما التغييرات التي أحدثها في السعودية؟ الناشط الحقوقي رائف بدوي ما زال متحجزًا، ورغم إعلانه تدمير أصحاب الآراء المتطرفة، لكن التشدد ما زال مُسيطرًا على حياة المواطنين، التظاهرات ما زالت ممنوعة، النساء لم يحصلن على حريات مماثلة للرجل».

ويلعب مجلس العموم البريطاني دورًا رئيسيًّا في الدفع نحو سياسات بريطانية أكثر تشددًا مع السعودية؛ إذ تعلو داخله الأصوات المنددة بسجل السعودية في مجال حقوق الإنسان والحرب على اليمن، علاوة على ضغط نوابه من أجل ممارسة ضغوط أكبر على الحكومة البريطانية لوقف تصدير السلاح إلى السعودية، خصوصًا بعدما وصفت «منظمة العفو الدولية» بريطانيا بأنها شريكة في جرائم حرب تقع في اليمن.

الأمر الذي يفسر استثناء مجلس العموم من جدول زيارات ولي العهد والوفد المرافق له خلال زيارته بريطانيا؛ إذ تزامن وصوله مع دعوات من أعضاء بمجلس النواب لوقف تصدير السلاح البريطاني للرياض.

وبلغت القيمة الإجمالية للأسلحة والمعدات العسكرية التي باعتها بريطانيا للسعودية منذ بدء الحملة العسكرية على اليمن عام 2015، حوالي 4 مليارات دولار تقريبًا، أهمها الطائرات المقاتلة والعمودية وطائرات بلا طيار وذخائر وصواريخ وقنابل وعربات مدرعة ودبابات.

وعلت الأصوات داخل مجلس العموم البريطاني مطالبة الحكومة البريطانية بالتوقف عن بيع الأسلحة إلى السعودية؛ إذ أوضحت نتائج استطلاع رأي قامت به المنظمة البريطانية، أن نحو 6% فقط من البريطانيين يؤيدون بيع السلاح للسعودية، مشيرة إلى أن السلاح البريطاني «يُستخدم في عمليات عسكرية تنتهك القانون الدولي».

«أرامكو» مطمع للبريطانيين

بالتزامن مع زيارة ولي عهد السعودية للمملكة المتحدة العام الجاري، ولقائه بعدد كبير من الساسة، وزيارته مؤسسات بريطانية، وتوقيع العشرات من العقود التجارية والصفقات العسكرية؛ نشرت «هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، إحدى المؤسسات التي زارها الوفد المرافق له، تقريرًا بعنوان: «العلاقات السعودية- البريطانية: ليس كل شيء على ما يرام» في إشارة إلى أن العقود التجارية ليست كافية.

وأشار التقرير أيضًا إلى أن زيارة ولي العهد واستقباله رسميًّا لا تعني أن العلاقات «سلسة»؛ إذ «يوجد العديد من الأصوات العالية داخل البرلمان وخارجه تنتقد الحكومة البريطانية وتتهمها بمهادنة السعودية، خاصة في مجال حقوق الإنسان وحرب اليمن».

ظهر ذلك من واقع قراءة الموقف الرسمي الصادر عن الخارجية البريطانية تجاه الأزمة بين السعودية وكندا، إذ أكدت المتحدثة باسم الخارجية أن «المملكة المتحدة تدعم حقوق الإنسان بقوة. ونحن دائمًا نتطرق إلى قلقنا حول شؤون حقوق الإنسان مع الحكومة السعودية، بما في ذلك الاعتقالات الأخيرة لنشطاء حقوق الإنسان».

Embed from Getty Images

يعزز من مسألة الدفع نحو قرارات تصعيدية تجاه السعودية تراجع الرياض عن طرح شركة «أرامكو» في البورصة؛ وهي المسألة التي كانت تراهن عليها لندن من أجل تعزيز نفوذها الاقتصادي؛ خصوصًا بعد الزيارات المتتالية لرئيس مجموعة لندن للأوراق المالية إلى الرياض، وتعديل قوانين سوق لندن للأوراق المالية، إذ خفّفت القيود والشروط المفروضة على إدراج الشركات التابعة للحكومات الأجنبية في بورصة لندن؛ في محاولة لإقناع الرياض باكتتاب أسهم «أرامكو» في بورصة لندن، محاولة لتعويض خسائر اقتصادها بسبب الـ«بريكست».

وكان ولي العهد السعودي قد بنى رؤيته 2030 على أساس طرح شركة أرامكو جزء من أسهمها في البورصة، سواء داخل السعودية أم خارجها، وسيلة لسد العجز في الموازنة، عبر الحصول على مليارات الدولارات، وكذلك للمساهمة في تنويع اقتصاد المملكة.

وكان وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط، أليستر بيرت، قد ذكر سابقًا أن بلاده تود إدراج شركة «أرامكو» السعودية في بورصة لندن، موضحًا: «نرغب في أن توافق الرياض على طرح أسهم «أرامكو» في البورصة الخاصة بنا، وسنستمر في اقتراح أننا سنكون المدينة الأفضل له».

وأتاحت التعديلات الجديدة لقوانين سوق لندن والتصنيف الجديد للشركات التي تطرح أسهمها؛ في السماح لشركة «أرامكو» بطرح أسهمها في أسواق المال البريطانية؛ وهو الأمر الذي قوبل بموجة انتقادات واسعة تتعلق «بوضع سمعة لندن في الحوكمة الجديدة في خطر كبير».

مقتل خاشقجي.. القشة التي قد تقصم ظهر المملكة

زاد من هذه الانتقادات الموقف الرسمي البريطاني تجاه مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي مؤخرًا؛ إذ صدر أكثر من بيان عن الخارجية البريطانية تطالب فيه السعودية بالتوصل إلى حقائق، والتلويح بعقوبات كبيرة حال ثبت تورط الرياض في العملية.

وضاعف من هذه الانتقادات الضغوط الكبيرة التي مارستها المعارضة البريطانية، ممثلة في حزب العمال البريطاني؛ إذ أعلنت إميلي ثورنبيري المتحدثة باسم حزب العمال للشؤون الخارجية أن الحزب كان سيوقف مبيعات الأسلحة إلى السعودية، لو كان في السلطة، بعد اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وأضافت ثورنبيري أن «محصلة الأدلة» تشير إلى أن السعودية قتلت الصحافي.

وقالت: «يمكننا أن نوقف بيع الأسلحة للسعودية في الظروف الراهنة لحين تغييرها لأساليبها… كنا سنوضح بذلك أننا نختلف معهم». وتابعت «أعتقد أن بلادنا اكتفت من ذلك. أعتقد أن علينا أن نتصدى لهم ونقول إن طريقة التصرف الحالية غير مقبولة».

وأخذ البريطانيون مواقف عملية تجاه هذه القضية؛ إذ قررت رئيسة تحرير مجلة «إيكونمست» البريطانية، زيني مينتون بيدوس، مقاطعة مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار 2018» في الرياض، والمعروف باسم «دافوس في الصحراء».

وقالت المجلة في افتتاحيتها الجديدة إن النظام الحاكم في السعودي بدأ يشبه «ديكتاتورية عربية قومية. يبدو متحررًا اجتماعيًّا، لكنه نظام مركزي، ومذعور، وأسس على الخوف».

فيما قرر رئيس مجموعة «فيرجن» البريطانية، ريتشارد برانسون، وقف مفاوضاته مع المسؤولين السعوديين لاستثمار مليار دولار في إحدى شركاته المتخصصة في برامج استكشاف الفضاء، على خلفية قضية اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

السعودية تلوح بمعاقبة أقوى اقتصاد في أوروبا! ألمانيا خصم محمد بن سلمان الجديد

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!