الوجه العلني لصراع شرق المتوسط ينذر بحربٍ محتملة في الوقت الذي تمتدُ فيه الأزمة وتقل معها كافة الخيارات المتاحة لوضع حد للتوتر غير المسبوق؛ تقولُ تركيا إن هناك تحالفًا معاديًا (مصر واليونان وقبرص وإسرائيل) يستهدف حصارها بحريًا عبر منح الجرف القاري التابع لها إلى اليونان التي تتذرع هي الأخرى بأحقيتها في المطالبة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة لها، انطلاقًا من جزيرة «كاستلوريزو» التابعة لها، والتي تبعد كيلو مترين عن السواحل التركية، والهدف من ذلك هو أن تتلاصق مع المنطقة الخالصة لقبرص المتلاصقة مع إسرائيل.

بينما الوجه الآخر للصراع يكشفه مشروع ممر الغاز الجنوبي الذي ينطلق من أذربيجان، ويشمل سبع بلدان أبرزها تركيا، ويهدف لنقل 16 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي في المرحلة الأولى، مقابل المشروع الإسرائيلي الذي يهدف لنقل 11 مليار متر مكعب من غاز دول شرق المتوسط إلى أوروبا، ونظرًا لأن تركيا سترفض مرور ذلك المشروع المُنافس لها عبر مياهها الإقليمية، كان السيناريو الأمثل لإسرائيل أن يقوم حلفاؤها بترسيم حدودهم البحرية، بهدف نقل أنابيب الغاز في خطوط آمنة. التقرير التالي يشرح لك خلفيات الصراع الذي سيحدد من من سيربح مشروع خط أنابيب بيع الغاز إلى أوروبا.

بعيدًا عن شرق المتوسط.. من أين تبدأ حساسات القوة؟

 في شتاءِ عام 2009، تجمدت أوروبا من البرد، عقب الأزمة التي اشتعلت في قارة آسيا بين روسيا وأوكرانيا، على خلفية نزاعاتٍ بشأن اتهام موسكو لكييف بالفساد وسرقة الغاز المخصص إلى أوروبا، لتقوم روسيا بمعاقبتها ووقف إمدادها الغاز، ليفقد الاتحاد الأوروبي بعدها نحو 40% من احتياجاته التي كان يحصل عليها من روسيا في وقتٍ تأثرت فيه الحياة في عدة دول أوروبية، وهو الدرس الذي دفع أوروبا للبحث عن بديل.

وتمتلك روسيا أكبر احتياطاتٍ للغاز المسال عالميًا بواقع 35 تريليون متر مكعب من إجمالي 193.5 تريليون متر مكعب من احتياطي الغاز الطبيعي في العالم، وفق تقرير إحصاءات الطاقة العالمية الصادر عن شركة النفط البريطانية عام 2018، ومن المخطط أن يصل إنتاج الغاز الطبيعي المسال إلى ما بين 46 و65 مليون طن بحلول عام 2024.

وتشير تقديرات إلا أنّ أوروبا زادت مؤخرًا وارداتها من روسيا، بعدما عجز البدلاء عن الإيفاء بوعودهم، فهولندا قررت التخفيض إلى أقل من النصف بنحو 21.6 مليار متر مكعب للحد من مخاطر الزلزال التي سببها سحب الغاز من باطن الأرض، بينما أبلغت الجزائر عملاءها الأوروبيين بأنها قد تتوقف عن تصدير الغاز بشكل كامل بسبب ارتفاع الطلب المحلي، في وقت تسير فيه حقول النرويج -ثاني أكبر مورد للغاز لأوروبا بعد روسيا- ، إلى النضوب.

التأثير الاقتصادي الروسي على أوروبا في مجال الغاز الذي أسقط عدة دول تحت طائلة الديون، دفع الولايات المتحدة لزيادة صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، في خطٍ مفترضة لتقليل الاعتماد الأوروبي على إمدادات الغاز الروسي، كما فرضت عقوبات على الشركات الأوروبية التي تتعاقد مع موسكو، وهي الخطوات التي تبدو دون جدوى لاعتباراتٍ اقتصادية تنافسية.

ومنذ مطلع العام الماضي، خاضت الولايات المتحدة مباحثاتٍ مع أوروبا بهدف إعادة تسعير الغاز الأمريكي لجعله أكثر تنافسية مع الغاز الروسي، وتُشكك تقارير صحافية روسية في نجاح الخطة الأمريكية في سحب البساط من الروس، نظرًا لعدة أسباب أبرزها أنّ روسيا تتفوق بالتكلفة المنخفضة لإنتاج الغاز؛ إضافة إلى أنّ الغاز الروسي يحظى بأرخص سعر نظرًا لوصوله إلى العملاء مُسالًا عبر الأنابيب.

الصراع الأوروبي الخفي للتخلص من الهيمنة الروسية في مجال الطاقة، شجع تلك الدول التي تمتلك احتياطاتٍ كبرى من الغاز على الشروع في اقتحام السوق الأوروبية عبر خططٍ موازية، والبداية كانت من إيران التي تمتلك ثاني أكبر احتياطاتٍ للغاز عالميًا بعد روسيا بواقع 33.5 تريليون متر مكعب تليها قطر التي تستحوذ على 24.30 تريليون متر مكعب، وهو سُرعان ما أشعل حربًا باردةً في واحدةٍ من أكثر الدول تعرضًا للأزمات، فسوريا التي تعيش في خضم الفوضى من ثماني سنوات، جعلها موقعها الجيوسياسي صالحة لتكون محطة الطاقة الرئيسية في الشرق المتوسط لنقل الغاز إلى أوروبا على غرار تركيا، وهو ما أضاف لها مزيدًا من أعباء السياسة.

في يوليو (تموز) الماضي، تعرض أحد خطوط أنابيب الغاز في سوريا إلى تخريبٍ، ضمن سلسلة من العمليات السرية التي استهدفت طيلة ثماني سنواتٍ من الأزمة خطوط الأنابيب، إلى جانب فقدان السيطرة على حقول النفط، وهي التحركات التي لطالما اعتبرتها الحكومة السورية عبر  مساقاتٍ غير رسميةٍ بأنّها تتم بمساعدة دولةٍ أجنبية.

داخل سوريا تحديدًا، يوجد منافسة بين مشروعي خطين لم يتم تنفيذهما بعد؛ المشروع الأول يعرف بخط «قطر – تركيا» ويمر عبر السعودية والأردن وسوريا، لكن إتمامه قد يعوقه بقاء النظام السوري، بينما المشروع الثاني المعروف باسم «الخط الفارسي» يتطلب استمرار نظام الأسد، لأنّ المشروع يستهدف مد أنبوب غاز من العراق إلى سوريا، ويواجه المشروعان حاليًا أزمة في إنشائهما، فتزامنًا مع بقاء نظام السد الذي يقطع الطريق على قطر وتركيا، فالعقوبات الأمريكية على طهران حالت هي الأخرى من إتمام المشروع.

مشروع ممر الغاز الجنوبي.. نفوذ تركي داخل أوروبا

بعد يوم واحد فقط من أدائه اليمين الدستورية رئيسًا للجمهورية التركية لولاية ثانية، غادر الرئيس رجب طيب أردوغان العاصمة التركية في أغسطس (آب) عام 2014 متوجها إلى أذربيجان، لتكون باكو هي أول عاصمة يزورها بعد فوزه بالانتخابات، وتتخذ كلا الدولتان مواقف داعمة لبعضهما في كافة المجالات وعلى رأسها الدعم السياسي، ومؤخرًا أعلنت أذربيجان دعمها الصريح لأنشطة تركيا في البحر المتوسط.

الأسلحة التركية - أردوغان

تغيّر الأمر منذ وصول أردوغان للسلطة

كان الهدف الرئيس من الزيارة وقتها هو توقيع مشروع «ممر الغاز الجنوبي» الذي يهدف لنقل غاز أذربيجان إلى أوروبا، وهو ما يضمن للأوروبيين وجود مصدر بديل لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، بوصفه المورد الرئيسي التقليدي للأوروبيين، في ظل مساع تركية لتحقيق طموح أردوغان القديم المتمثل في أن تصبح تركيا هي بورصة لموارد الطاقة من النفط والغاز والكهرباء.

والمشروع المدعوم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من المتوقع استكمال بنائه العام الجاري بتكلفة تبلغ نحو 40 مليار دولار، بمشاركة 12 شركة طاقة كبرى، ويمتد لأكثر من 3500 كم ويعبر سبعة بلدان عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا واليونان وبلغاريا وألبانيا نهايةً بإيطاليا، ويهدف لنقل 16 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي في المرحلة الأولى، تحصل تركيا منهم على ستة مليارات، ثم ضخ 31 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي عبر خط الأنابيب في المرحلة الثانية.

ويضم المشروع ثلاثة خطوط رئيسية؛ الخط الأول (SCPX)  يبدأ من أربيجان وينتهي في جورجيا، ثم الخط الثاني (TANAP) في تركيا العابر للأناضول، وأخيرًا خط (TAP) الواصل بين اليونان وألبانيا وإيطاليا عبر البحر الأدرياتيكي، وبالرغم من أنّ المشروع في ظاهره يمثل كسرًا للهيمنة الروسية على السوق الأوروبية من دولةٍ صديقة مثل أذربيجان، إلا أنّ المشروع فعليًا لا يشكل واقعًا تنافسيًا ذا جدوى اقتصادية كبيرة، مقارنة بالحجم الهائل لصادرات الغاز الروسي المقدرة بنحو 200 مليار متر مكعب سنويًا.

على جانب آخر شاركت كل من روسيا وتركيا في مشروع «السيل التركي» المكتمل عام 2018، والذي يقوم على نقل الغاز الروسي إلى كل من تركيا ودول جنوب وشرق أوروبا عبر أنابيب ناقلة تمر من البحر الأسود وعبر الأراضي التركية، وتستطيع الخطوط نقل 31.5 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، وهو ما يغطي احتياجات دول شرق وجنوب أوروبا بالكامل.

بفضل ذلك المشروع تحظى تركيا على 15.75 مليار متر مكعب من الطاقة سنويًا، في وقتٍ تعتمد فيه على الواردات لتغطية 90% من احتياجاتها، ومن المتوقع زيادة الطلب على الغاز في تركيا بين 48 و50 مليار متر مكعب سنويًا وذلك حتى عام 2023، والمشروع نفسه يوفر لها 53% من احتياجاتها من سوق الطاقة، خاصة أن ميزان مدفوعاتها يتحمل 40 مليار دولار سنويًا.

خريطة الطاقة الحالية تجتمع حاليًا في أنقرة التي باتت محطة عالمية لمرور أنابيب الغاز، لكنّ ظهور احتياطات كبرى من الغاز في شرق البحر المتوسط، هدد بظهور دول يمكن أن تنافس تركيا مثل مصر التي يُقدر احتياطها بنحو 850 مليار متر مكعب، وإسرائيل التي تستحوذ على 310 مليارات متر مكعب، وتدشن حاليًا مشروع «إيست ميد» التي تقف له أنقرة منعًا لإتمامه.

«إيست ميد».. الوجه الخفي لصراع شرق المتوسط

في يناير (كانون الثاني) الماضي، وقّعت كل من قبرص واليونان وإسرائيل اتفاق خط أنابيب شرق المتوسط «إيست ميد» لمد أوروبا بالغاز، في وقتٍ تزداد فيه التوترات بين أوروبا وتركيا من جهة، ومحاولة الاتحاد الأوروبي تقليل الاعتماد على الغاز الروسي من جهةٍ أخرى، ومن هذا الباب داخت إسرائيل إلى أسواق الطاقة في أوروبا.

دولي

منذ 9 شهور
5 أسئلة تشرح لك كل شيء عن اتفاقية تركيا وليبيا

ويبلغ طول خط أنابيب الغاز «إيست ميد» البالغ طوله نحو 1900 كلم، بتكلفة ستة مليارات يورو، وسينطلق من شمال إسرائيل إلى قبرص باتجاه جزيرة كرييت اليونانية ثم إلى إيطاليا، وسيتيح نقل بين 9 و11 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا من الاحتياطيات البحرية لحوض شرق المتوسط.

ومن وجهة نظرٍ فنية، فالمشروع لن يعمل قبل عام 2025، بينما من وجهة نظرٍ سياسية، فالمشروع الإسرائيلي مهددٌ بالزوال كونه يمرُّ في منطقةٍ بحرية تعتبرها تركيا ضمن منطقتها الاقتصادية الخالصة، إلى جانب أنّ المشروع نفسه يهدد مشاريع الطاقة التركية التي تستهدف الأسواق ذاتها، ما يعني أنّ «إيست ميد» يحتاج إلى موافقة تركيا للعبور.

ولا تعترف تركيا بجمهورية قبرص الجنوبية التي تعتبر جزءًا من الاتحاد الأوروبي، كما أنها لا تعترف بقانون البحار الدولي الذي يقر بأحقية الجزر في امتلاك مناطق اقتصادية خالصة دون النظر إلى وضعها الجغرافي أو مساحتها، وهو ما يعني رفض تركيا لوضع الجزر اليونانية المتناثرة، وتعتبر تركيا أن كل المناطق –التي يمر فيها المشروع الإسرائيلي- جزء من منطقتها الاقتصادية الخالصة.

 الأزمة الإسرائيلية بدأت فعليًا في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، حين وقّعت تركيا اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليًا، والذي أصبحت بموجبه إسرائيل مطالبة بأخذ موافقة الجانب التركي، ومن جهةٍ أخرى، فالأنبوب الإسرائيلي لن يمكنه تجاوز الحدود البحرية التركية إلى الجنوب، حيث سيتطلب ذلك أيضًا الحصول على موافقة حكومة الوفاق الموقعة على اتفاق أمني مع تركيا، إلى جانب أنّ الطريق البديل سيكون باهظ التكلفة.

العقبات السياسية التي تواجه المشروع سبق أن كانت سببًا في تأجيل موافقة إسرائيل على المشروع ستة أشهر كاملة عقب توقيع الاتفاق بين وزراء كل من قبرص واليونان وإسرائيل، وهو الذي أفرز أزمة تمويل في ظل بحث إسرائيل عن تمويل من الاتحاد الأوروبي في ظل غياب الشركات الخاصة.

ومن وجهة نظرٍ اقتصادية، فإن مدّ أنابيب المشروع الإسرائيلي إلى مدينة مرسين التركية يبلغ 120 كم، وهي أقل بكثير من المسافة التي يقطعها الأنبوب 1900 كم في ظل مروره في مياه عميقة وصولًا إلى السواحل اليونانية نهايةً بإيطاليا، وهو ما يتطلب اشتراطات فنية أكبر، ويضع تكلفة تقترب من العائد، في ظل انخفاض تكلفة سعر الغاز الروسي.

 وتنتظر الدول الثلاث حاليًا الوصول إلى قرار نهائي حول إتمام الخط الأول بحلول عام 2022، وإتمام خط الأنابيب عام 2025، لكنّ الخُطوة تنتظر التفاوض مع تركيا لأخذ موافقتها في الوقت الذي تعتبره مشروعًا منافسًا لها، أو اللجوء إلى الحل الأصعب عبر دفع الحلفاء (مصر واليونان وقبرص) لتقسيم الحدود البحرية، وفرض أمر واقع حتى يمر الإنبوب الإسرائيلي في مسارات آمنة.

إلى أين وصل الصراع في شرق المتوسط؟

وقّعت مصر مؤخرًا اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان وأدرجتها بالأمم المتحدة، وترى تركيا أنَّ الاتفاق الأخير الذي لم تُنشر بنوده بعد يعني تأكيد الاتفاقية القديمة الموقعة بين قبرص واليونان، والتي تحرم تركيا فعليًّا من أية مطلاتٍ بحريةٍ تُمكنها من الوصول إلى ليبيا، والاستفادة من المنطقة الاقتصادية الخالصة، بالرغم من كونها صاحبة أطول شاطئ في شرق البحر المتوسط بحوالي 1200 كم،  لذا سارعت تركيا بالتعليق على الاتفاقية بأنها «لا قيمة لها».

دولي

منذ شهر
بعيدًا عن التحيزات.. هل كسبت مصر بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع اليونان؟

وتُهدد تركيا باندلاع حرب أوروبية شرق أوسطية في حال قررتا قبرص واليونان فرض وضع جديد لشرق المتوسط دون التوصل لاتفاق مع تركيا وشمال قبرص -حليف أنقرة-، وقبل عدة أيامٍ، اصطدمت سفينة حربية يونانية بأخرى تركية -وهما عضوتان في حلف الناتو-، وعلقت الخارجية التركية بأنّ السفينة اليونانية أصابتها أضرار.

وبينما أعلنت فرنسا نشر فرقاطتين وطائرتين رافال في شرق المتوسط لفرض الأمن، رفضت تركيا القرار، وأتبعته بسفينة تنقيب مصحوبة بحماية من السفن العسكرية التركية، واكتفت قبرص الجنوبية بإصدار إخطار مضاد لتحذير السفن التركية بأنّ وجودها غير قانوني وغير مصرح به، في إشارةٍ إلى الخطوة التي تسبق المواجهة.

وحتى الآن تلتزم تركيا بالمسار الدبلوماسي لحل الأزمة، في وقتٍ ترى فيه إن تذبذب علاقتها مع الغرب، إلى جانب توافقها مع روسيا يُهدد موقفها بالتحول لتصبح مركز إنتاج الطاقة في شرق المتوسط، في ظل صراعها المفتوح مع فرنسا ومصر في ليبيا، إلى جانب خلافها مع الولايات المتحدة بشأن روسيا، وأخيرًا صراعها الحالي مع قبرص واليونان في شرق المتوسط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد