في محاولة أخرى لإبعاد المسؤولية عن ساسة بلدان الضفة الشمالية للبحر المتوسط الأوروبيين، وهي البلدان المتفوقة اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا وتكنولوجيًا على بلدان جنوب هذا البحر الغارقة في المشاكل الاقتصادية والسياسية والأمنية وغيرها، سارعت “لسانُ حال” الاتحاد الأوروبي ووزيرة خارجيته، كاثرين آشتون، إلى إلصاق “تهمة الإهمال” بل ربما حتى تهمة “القتل العمد” في حق المهاجرين غير الشرعيين الذين يبتلعهم هذا البحر.

أوروبا تتبرأ..

مهاجرون غير شرعيون تم توقيفهم بعرض المتوسط

مهاجرون غير شرعيون تم توقيفهم بعرض المتوسط

آشتون حضّت ليبيا ما بعد الثورة غير المستقرة أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، كما حضّت دولًا إفريقية أخرى على التحرك لاحتواء تدفق المهاجرين غير الشرعيين، بعد حادث غرق جديد تعرض له مركب بين ليبيا وجزيرة لامبيدوزا الإيطالية.

ودعت المسؤولة الأوروبية السلطات الليبية “إلى مضاعفة جهودها لمنع مآسٍ جديدة، بناءً على التزام رئيس الوزراء عبدالله الثني”، وفقًا لما ذكرته وكالات الأنباء، مضيفةً أن “الاتحاد الأوروبي سيواصل دعم السلطات الليبية”، وأن الاتحاد “سيواصل جهوده بهدف (إيجاد) حل دائم لظاهرة الهجرة”.

ووفق آخر نتائج عمليات البحث عن الغرقى في الحديث المأساوي الأخير الذي حدث في عرض المياه الليبية، فقد أعلنت البحرية العسكرية الايطالية، قبل يومين، عن انتشال جثث 17 مهاجرًا، كانوا على متن السفينة التي غرقت قبالة السواحل الليبية، فيما أنقذ 206 لاجئًا آخرين.

في الضفة الجنوبية للبحر المتوسط دائمًا لكن هذه المرة في الصحراء الجزائرية الشاسعة، ابتلعت الرمال أزيد من 20 شخصًا من المهاجرين غير الشرعيين القادمين من بلدان جنوب الصحراء، التي اعتاد عدد من مواطنيها في السنوات الأخيرة على ركوب المخاطر والمغامرة بالارتماء في أحضان شبكات تهريب البشر الدولية، بقصد الوصول إلى البحر المتوسط وركوب أمواجه العاتية على أمل الوصول إلى “الفردوس” الأوروبي، لينتهي بهم المطاف مفقودين في الصحراء القاحلة أو ضحايا ورهائن في أيدي المهربين الذين يساومون بهم أسرهم مقابل إطلاق سراحهم، أو أنهم يسقطون في فخاخ الجماعات الإرهابية الناشطة في الصحراء الكبرى فيتم تجنيدهم بها.

البحر والصحراء..مقابر !

مهاجرون من جنوب الصحراء

مهاجرون من جنوب الصحراء

بحسب تقارير إعلامية فإنه تم العثور على جثث 13 مهاجرًا على الأقل وافت أصحابها المنية بسبب العطش، بينما لا تزال عمليات البحث جارية من طرف قوات الأمن من كل من الجزائر والنيجر في أمل متلاشٍ للعثور على باقي أفراد مجموعة مفقودة على الحدود بين البلدين، والتي تردد أنها تضم نساءً وأطفالا في معظمها، قد يكونوا لقوا ما لقي زملاؤهم وقضوا في الصحراء التي باتت مقبرة لمهاجرين غير محظوظين.

وقبل نحو أسبوع عثرت السلطات السودانية على 305 مهاجرًا غير شرعي وهم في طريقهم إلى ليبيا، وذلك بعد مرور أسبوعين على مقتل ما لا يقل عن 10 مهاجرين آخرين في الصحراء بحسب ما ذكرت وسائل الإعلام المحلية، كانوا ضمن 300 مهاجر تخلى عنهم مهربون في الصحراء بين السودان وليبيا في ظروف قاسية.

وفي المغرب الذي أطلق مبادرة مؤخرًا، هي الأولى من نوعها عربيًا وإفريقيًا لتسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين المقيمين بكيفية اعتيادية على التراب الوطني، يحاول بشكل شبه يومي المئات من الأفارقة القادمين من دول جنوب الصحراء اقتحام الشريط الحدودي الشائك الذي يفصل المغرب عن جيبه المحتل أسبانيا مدينة “مليلية” المطلة على البحر المتوسط والمعتبرة واقعًا أرضًا أسبانية، بقصد طلب اللجوء لهذا البلد الأوروبي. ونفس عمليات الاقتحام يشهده الثغر الآخر المحتل من طرف أسبانيا والمطل أيضًا على سواحل البحر المتوسط مدينة “سبتة”.

الفردوس” بأي ثمن !

مهاجرون غير شرعيون يقتحمون السياج الحدودي بين المغرب والمدينة المحتلة سبتة

مهاجرون غير شرعيون يقتحمون السياج الحدودي بين المغرب والمدينة المحتلة سبتة

الجمعيات الحقوقية تتحدث عن نزوح المئات وربما الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين القادمين من عدد من دول الساحل والصحراء ودول إفريقية أخرى إلى هذين الثغرين المغربيين المحتلين، بعدما تبين لهؤلاء المهاجرين أنه ربما هو “الطريق السهل” للوصول إلى “الفردوس الموعود” بأوروبا، ويكفي قطع آلاف الكيلومترات عبر الصحراء للوصول إلى شمال المغرب، حيث المدينتين المحتلتين، من أجل تجريب حظهم في اجتياز الأسلاك الشائكة، التي يتم اقتحامها ليلًا، في الغالب، من هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين.

وعلى إثر تزايد أعداد المقتحمين للحدود مع المغرب من طرف هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين فإن السلطات المحلية الأسبانية بكل من “سبتة” و”مليلية” باتتا تضيقان ذرعًا من هذا التدفق الآدمي القادم من إفريقيا، وهو ما جعلها، في ظل غياب المساعدة الضرورية من السلطات المركزية الأسبانية ومن أوروبا، تعمل على طرد هؤلاء المهاجرين وإعادتهم إلى المملكة المغربية، من حيث دخلوا. وقبل أيام أعلن أحد المسؤولين المحليين الأسبان أنه يعتزم طرد عدد من المهاجرين لأن مركز الإيواء الذي يوجد في مدينة “مليلية” المحتلة لا يسع سوى لنحو 500 شخص بينما يستضيف أكثر من 1300 مهاجر.

المعطيات والأرقام الأوروبية وتقارير بعض المنظمات الحقوقية تتحدث عن أن حوالي 20 ألف مهاجر لقوا مصرعهم غرقًا في السنوات العشرين الأخيرة في البحر المتوسط. ومنذ السنة الماضية، وفي أعقاب غرق سفينتين ومصرع أكثر من 400 شخص قرب جزيرة “لامبيدوزا” وجزيرة مالطة، بدأت إيطاليا عملية أطلقت عليها اسم “ماري نوستروم (أي بحرُنا)، للحيلولة دون حصول مآس جديدة من هذا النوع قرب سواحلها. وغالبا ما تتوغل سفن البحرية الايطالية نحو الجنوب لإغاثة مهاجرين انطلقوا من ليبيا.

مهاجرون غير شرعيون في عرض البحر

مهاجرون غير شرعيون في عرض البحر

إزاء هذه الأوضاع اللاإنسانية تبقى أوروبا حصنًا حصينًا في وجه تدفقات هذه الأمواج البشرية، ووحدها الدول التي لها سواحل مطلة على البحر المتوسط تبقى وحيدة عاجزة عن مواجهة هذه الآفة الاجتماعية والإنسانية، لاسيما في ظل وجود أزمة اقتصادية ضربت مختلف دول الاتحاد الأوروبي. أمام ذلك لم يتردد مسؤول إحدى دول الجنوب الأوروبين وهو وزير الداخلية الإيطالى، آنحيلينو آلفانو، في اتهام الاتحاد الأوروبي بـ”التقاعس عن مساعدة إيطاليا في مواجهة هذه المشكلة”، مؤكدا أن على الاتحاد الأوروبي أن يسهم في استقبال من يظل على قيد الحياة من بين المهاجرين غير القانونيين بعد عبور البحر.

وأمام تعمّد وإصرار دول الاتحاد الأوروبي تغليب الجانب الأمني على الجانب الإنساني والاجتماعي، لمواجهة ظاهرة النزوح الجماعي للمهاجرين إلى الفضاء الأوروبي، وهو ما يتجلى بالخصوص في سياسة إقامة مراكز الإيواء الخاصة الأشبه بمراكز الاحتجاز، والترحيل، بالإضافة إلى إقامة اتفاقيات مع دول شمال إفريقيا لدعم الأخيرة باللوجيستية الضرورية والتدريب التقني للقيام بما يشبه دور “شرطي” ضفاف المتوسط، ما فتئت المنظمات الحقوقية تدعو وتطالب بمعالجة أكثر فعالية تأخذ بعين الاعتبار تقديم الدعم الاقتصادي للدول المصدرة لهؤلاء المهاجرين، وكذا نهج سياسة أكثر مرونة لتنقل الأفراد والهجرة لاسيما في وجه ذوي الكفاءات والذين يعانون أوضاعا سياسية صعبة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد