يتسابق قادة الدول المنخرطة في الصراع الليبي على التواصل مع واشنطن، لبحث آخر المستجدات واستطلاع وجهة نظرها في الحرب الدائرة، تزامنًا مع اتساع الهوة بين مواقف حلفائها في الشرق الأوسط تجاه الأزمة القائمة. ويرسم النشاط الدبلوماسي الأمريكي تجاه النزاع الليبي في الأيام الأخيرة، عبر اتصالات هاتفية وزيارات من جانب ممثلين لها لليبيا، تحولًا في إدارة واشنطن للأزمة بعدما كانت مكتفية بموقع المتابع  للصراع في الأعوام الأخيرة.

ويرهن البعض تسوية النزاع ولجم الأطراف المتنازعة بعودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى ممارسة دور أكبر على الساحة الليبية، وسط تساؤلات عن ماهية التسوية المرتقبة، ومن الطرف الأكثر قدرة على استقطاب واشنطن تجاهها، وما أولوية العاصمة الأمريكية التي ستحدد طبيعة انخراطها في الصراع، خصوصًا مع غيابها عن هذا الملف في السنوات الأخيرة.

كيف يفكر عقل واشنطن في ليبيا

في البداية: القِبلة ناحية حفتر

خلال السنوات الخمسة الأخيرة من الصراع الليبي، تابعت واشنطن النزاع القائم في طرابلس عبر بيانات الخارجية الأمريكية بمفردات دبلوماسية، دون الانخراط عسكريًّا أو ممارسة ضغوط سياسية على حلفائها المنخرطين في الداخل الليبي. التزام واشنطن بموقفها الحيادي تجاه الصراع الليبي، دون الدخول بثقلها الدبلوماسي والعسكري، مرتبط بغياب الملف الليبي من أولوياتها في الشرق الأوسط، وسياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي ترتكز إلى سحب قواته من الحروب الخارجية، وقد عبَّر عن ذلك ترامب صراحة حين ذكر في أبريل (نيسان) 2017 أنه لا يرى «دورًا لأمريكا في ليبيا»، مضيفًا: «أعتقد أن الولايات المتحدة تقوم حاليًا بالعديد من الأدوار، بما فيه الكفاية، في أماكن مختلفة من العالم».

عربي

منذ 4 شهور
خريطة القوى الدولية في ليبيا.. مصالح وأهداف كُل دولة في الصراع

خالف ترامب هذا الحياد الرسمي في أبريل العام الماضي، عقب اتصاله بالجنرال خليفة حفتر، والإشادة بدوره في «محاربة الإرهاب كشريك، وتأمين المصادر النفطية»، فيما رآه البعض دعمًا أمريكيًّا واعترافًا رسميًّا بدور للجنرال العسكري في ليبيا، الذي حققت قواته آنذاك تقدمًا واسعًا، خصوصًا مع استباق هذا الاتصال برفض واشنطن طلب بريطانيا في مجلس الأمن الدولي للمطالبة بوقف إطلاق النار في ليبيا، في وقت كانت قوات حفتر تحقق تقدمًا كبيرًا، وقد خالف هذا الدعم الأمريكي الرسمي الخط العام لسياسة واشنطن تجاه الملف الليبي، وبيانات الخارجية الأمريكية على مدار سنوات الصراع الليبي، ليُشكل بداية تحول في الموقف الأمريكي.

«رجل غريب الأطوار».. الدعم الأمريكي لحفتر يتلاشي

غير أن هذا الدعم الأمريكي الدبلوماسي لحفتر تلاشى تدريجيًّا في الشهور التالية لاتصال ترامب، على خلفية ثلاثة عوامل محتملة أدت لتوتر العلاقات، وتراجع واشنطن عن رهن نفوذها السياسي في الجنرال العسكري، وتمثلت أولى هذه العوامل في رفع الجنرال الليبي الواسع درجة التنسيق مع موسكو، خصم واشنطن، حتى بعيدًا عن القاهرة وأبوظبي، وهما الحليفان المشتركان له ولواشنطن. كما عمل حفتر على تعزيز علاقته مع فنزويلا الخاضعة لعقوبات أمريكية، عبر بيع النفط لها بشكل غير قانوني، وشراء الذهب منها بملايين الدولارات، كوسيلة لتعزيز قدرات قواته المالية. 

بينما ارتبط السبب الثاني بشخصية الجنرال العسكري؛ بعد اكتشاف أنه رجل «غريب الأطوار لدرجة لا تسمح بالاعتماد عليه، ومحدود القدرات عسكريًّا وسياسيًّا»، بحسب دبلوماسيين عرب تعاملوا مع الرجل في مفاوضات طويلة، ويؤكد صحة هذا الانطباع ما ذكره مسؤولون أمريكيون استخباراتيون لصحيفة «الجارديان» البريطانية، من كونه «نوعًا من الرجال الفاسدين الذين اعتدنا التقليل والتحقير منهم».

وثالثًا هو انهيار محاولات قوات حفتر التوسع غربًا، وسلسلة الهزائم العسكرية التي أفقدته كثيرًا من نفوذه في الداخل الليبي، وقد تزامن تلاشي الدعم الأمريكي لحفتر مع بدء واشنطن سلسلة مباحثات مع عدد من مسؤولي حكومة الوفاق الليبية، دون الكشف عن دعم جهة لحساب جهة أخرى، والدعوة في الوقت ذاته لوقف إطلاق النار والحوار. امتدت هذه المباحثات لتشمل ترتيب لقاء بين السفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند وقائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا الجنرال ستيفين تاونسند مع السراج في 22 يونيو (حزيران) 2020 في مدينة زوارة غرب ليبيا. 

نشاط الدور الأمريكي دبلوماسيًّا في الشهور الأخيرة، كان الهدف الأول منه هو تقويض النفوذ الروسي خصوصًا مع رغبتها في تأسيس قواعد عسكرية كحال سوريا. وانعكس ذلك في مزيد من التنسيق مع حكومة الوفاق، والذي كانت بدايته صدور بيان عن القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا «أفريكوم» في الأسبوع الأخير من مايو (أيار)، حول الكشف عن نقل الطائرات المقاتلة الروسية إلى ليبيا، والدور الذي تضطلع به مجموعة «فاجنر» خلال العمليات القتالية. 

تبع هذا البيان اتصال هاتفي بين السفير الأمريكي في ليبيا والسراج، في 23 مايو، أكد خلاله الأول للأخير ضرورة إنهاء التدفق المزعزع للاستقرار للمعدَّات العسكرية والمرتزقة من روسيا وغيرها من الدول إلى ليبيا، وللترحيب «بمساهمات حكومة الوفاق الوطني المهمة في دحر الإرهاب وتحقيق السلام». ثم كان التحول الأكبر حين التقى السفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند وقائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا، الجنرال ستيفين تاونسند، مع السراج في 22 يونيو 2020 في مدينة زوارة غرب ليبيا، بينما لم يحدث أي لقاء مماثل مع حفتر. 

من جانبه، يبرر محمد المنشاوي، المتخصص في الشأن الأمريكي، والمُقيم في واشنطن، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» الدوافع وراء التزام واشنطن الحياد، وتجنب الانخراط العسكري في الداخل الليبي، ويقول إن لواشنطن خبرة أليمة في ليبيا إبان أحداث الربيع العربي، ولا تريد أن يتكرر مشهد وفضيحة مقتل سفيرها هناك، موضحًا أن الولايات المتحدة الأمريكية ليس لها مصالح حيوية في ليبيا، وأدركت أن التورط العسكري لا طائل من ورائه خاصة مع وجود رئيس غريب الأطوار يريد انسحاب قوات بلاده من الشرق الأوسط.

ويؤكد المنشاوي في جوابه عن الأسئلة عبر الإيميل، أن ما يهم واشنطن في ليبيا يرتبط بالأساس بتحجيم النفوذ الروسي المتصاعد، ولا تريد واشنطن أن يتكرر النموذج السوري، حيث نجحت روسيا في الإبقاء على نظام معاد لواشنطن وأصبح لها القول الفصل في مستقبل سوريا السياسي.

دولي

منذ سنة واحدة
قراءة لعقل واشنطن.. ما الدور الذي ستلعبه أمريكا في ليبيا؟

وتتشابه الإجراءات التي تقوم بها واشنطن في الأزمة الليبية نوعًا ما، مع النهج الذي تتبعه إيطاليا من حضور مؤثر بالميل ناحية السراج دون الانخراط عسكريًّا – روما بالطبع ميلها أكبر للسراج – ولهذا يحرص دومًا السفير الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند في أحاديثه الإعلامية على تأكيد ضرورة مشاركة روما في الحل السياسي للصراع، ويحددها بالاسم في مقابلاته الصحفية. 

لمن تحسم واشنطن خيارها في النزاع؟  

مع دعم تركيا العسكري عبر إرسال مقاتلين سوريين ومستشارين عسكريين أتراك لحكومة الوفاق، فضلًا عن الدعم الجوي، تغيرت معادلة الصراع الليبي، بتفوق ميداني لحكومة السراج، وتهديد مصر بالتدخل العسكري، حال تخطى قوات السراج مدينتي سرت والجفرة، حيث تتركز فيهما حقول النفط الليبي. 

 وجدد هذا التشابك واحتمال تطور الموقف لمواجهة عسكرية بين حلفاء واشنطن في الساحة الليبية، التساؤلات عن موقف الإدارة الأمريكية من هذا الاشتباك، خصوصًا مع اتصال أردوغان والسيسي بترامب بالترتيب، دون أن تكشف البيانات الرسمية عن موقف محدد لواشنطن يمكن البناء عليه في ضوء هذه التطورات. 

السفير الأمريكي وقائد أفريكوم يؤكدان خلال زيارة إلى ليبيا على الحاجة لوقف الأعمال العسكرية والعودة إلى المفاوضاتالتقى…

Geplaatst door U.S. Embassy Libya op Maandag 22 juni 2020

البداية مع التعرف إلى موقف واشنطن الذي تشكل مؤخرًا تجاه الصراع الليبي، وتحديدًا من حلفائها المتخاصمين، يبدأ من  موافقتها، بحسب التسريبات، على التدخل التركي لدعم الوفاق ضد قوات حفتر، بما يتقاطع مع استراتيجتها لوقف النفوذ الروسي، وتأكدت هذه التسريبات مع إعلان أردوغان رسميًّا في مقابلة مع إذاعة الدولة «تي آر تي»، «أن ترامب اعترف بنجاح تركيا في إعادة تشكيل الصراع في ليبيا»، دون نفي أمريكي للتسريبات أو لتصريحات الرئيس التركي.

غير أن الاستراتيجية الأمريكية التي أيدت التدخل التركي، ومن ثم ومن جوانب أخرى غير مباشرة دعمت حكومة السراج سياسيًّا، تلتزم كذلك تجنب حدوث مواجهة مباشرة بين حلفائها المتصارعين في ليبيا، وتحديدًا بين أنقرة والقاهرة. ويُشكل أحد محاور الخطة الأمريكية التنسيق مع حكومة الوفاق لخروج المُقاتلين المحسوبين على تنظيم «داعش» خارج ليبيا، واعتماد طريقة لتصنيف العناصر المقاتلة المنضوية تحت حكومة السراج (بمعنى إعادة فرزهم على خلفية خلفياتهم العقائدية والسياسية)، بحسب مصدر ليبي مُطلع على تفاصيل الاجتماع الذي جمع السراج بالسفير الأمريكي في ليبيا، وقائد القوات الأمريكية في أفريقيا، تحدث لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته.

ويتطابق ذلك مع ما ذكرته واشنطن رسميًّا عقب الاجتماع الأخير بين المسؤولين الأمريكيين والسراج من «أن العنف الحالي يزيد من احتمال عودة تنظيمي الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة في ليبيا».

«لمن تحسم واشنطن خيارها في النزاع الليبي بين حلفائها المتنازعين؟» يُجيب عن هذا السؤال المنشاوي، الذي عمل سابقًا باحثًا في معهد واشنطن للشرق الأوسط، قائلًا: «واشنطن لا تدعم أي طرف ليبي بصورة واضحة، واشنطن تعرف ما لا تريد في ليبيا، وهو التورط في مستنقعها وحربها الأهلية». 

ويؤكد المنشاوي أن كبح النفوذ الروسي هو الأساس، وربما تدعم تركيا وتمدها بمعلومات استخباراتية مهمة، مشددًا على أن واشنطن لا تريد أن ترى مواجهات بين حلفاء لها في الملعب الليبي بين تركيا ومصر والإمارات.  ويُضيف بعدًا آخر في رؤية واشنطن لصراع حلفائها قائلًا: «كل هذه الدول تستخدم عتادًا عسكريًّا أمريكيًّا. ويعد من محظورات البنتاجون أن تواجه جيوش تملك أسلحة أمريكية جيوشًا أخرى مسلحة بتلك الأسلحة نفسها، حيث إن طائرة إف 16 هي العمود الفقري لتسليح سلاح الجو في مصر وتركيا والإمارات». أخيرًا، يؤكد المنشاوي أن واشنطن ستدعم الطرف الفائز على الأرض، لكنها لا تريد أن تنصب موسكو زعيمًا يتبعها ويتجاهل المخاوف الأمريكية.

ويتطابق حديث المنشاوي حول الرغبة الأمريكية بالحيلولة دون تنصيب موسكو زعيمًا لها كما فعلت في سوريا مع ما ذكره أردوغان حول انعكاسات دور بلاده على حفتر المدعوم روسيًّا، حين ذكر «أن حفتر يستمد كل قوته من روسيا ولكنه الآن في تراجع. موضحًا أن تركيا ترى أن الاستيلاء على المناطق التي تحتوي على الغاز الطبيعي ورواسب النفط أمر حاسم، وهذا يزعج روسيا». 

المصادر

تحميل المزيد