تقترب الانتخابات النيابية الألمانية من أيامها الأخيرة، وسط تفوق تظهره أحدث استطلاعات الرأي لحزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، على منافسها الأقرب لمنصب المستشار مارتن شولتس، وسط تباين في توجهات المرشحين في ملفات الهجرة واللجوء، وتقارب في موقفهم في ملفات تركيا والإسلام، والأمن وبعض الملفات الاقتصادية.

ميركل تتفوق على شولتس في أحدث استطلاعات الرأي

تُجرى الانتخابات النيابية التشريعية في ألمانيا كل أربعة أعوام، ومن المقرر أن تُجرى الانتخابات النيابية المقبلة في 24 سبتمبر (أيلول) المقبل، ويمتلك 61 مليون مواطن ألماني حق التصويت في الانتخابات، بينهم 1.5 مليون مسلم، لانتخاب البرلمان الألماني الذي يتكون من 630 نائبًا.

وخلال سبتمبر (أيلول) الجاري أظهرت أحدث استطلاعات الرأي تفوقًا، لميركل وحزبها المسيحي الديمقراطي(CDU) الذي ترأسه، المتحالف مع الحزب المسيحي الاجتماعي (CSU)، عن أقرب منافسيها، شولتس وحزبه الاشتراكي الديمقراطي (SPD) الذي يرأسه، وعبر رصد لـثمانية استطلاعات رأي جرت في الفترة من 31 أغسطس (آب) 2017، حتى 14 سبتمبر (أيلول) الجاري، من ثماني شركات بحثية واستطلاعية مختلفة: وهي: Infratest dimap، YouGov، INSA ،Forsa ، Forschungsgruppe Wahlen، Trend Research، Emnid، GMS، نقدم لكم  جدول البيانات والتنبؤات هذا.

حصل الحزب المسيحي الديمقراطي لميركل عبر جدول البيانات هذا على نسبة إجمالية متوسطة بلغت 36.81%، متفوقًا على الحزب الاشتراكي الديمقراطي لشولتس، الذي حصل على نسبة إجمالية متوسطة بلغت 22.81%، وبذلك يبلغ متوسط تفوق ميركل وحزبها على شولتس وحزبه 14%، وقد وصل الفارق الإيجابي لحزب ميركل على حزب شولتس لأعلى مستوى له في الاستطلاع الذي أجرته شركة Infratest dimap، في الفترة من 12 إلى 13 سبتمبر (أيلول) وأظهر تفوقًا لصالح ميركل بفارق نسبة بلغ 17%.

وبالرغم من التقدم الذي تظهره استطلاعات الرأي لصالح ميركل، فإن تلك النسب وإن تحققت على أرض الواقع، فإنها ستظهر تراجعًا في فارق النسبة بين حزب ميركل وحزب شولتس، بمقارنتها بواقع المقاعد التي حصل عليها الحزبان في انتخابات عام 2013، تلك الانتخابات التي حصد فيها حزب ميركل 41.5% من المقاعد، وحصد فيها حزب شولتس 25.7%، بفارق نسبة بلغ 15.8% وهو ما يزيد عن فارق النسبة لمتوسط نسب المرشحين لأحدث استطلاعات الرأي سالفة الذكر بنحو 1.8%.

ميركل أكثر إقناعًا من شولتس

في الثالث من سبتمبر (أيلول)، جرت مناظرة وحيدة بين ميركل وشولتس أظهرت أيضًا تفوقًا إقناعيًا لميركل، وطغى عليها عدد من الملفات الشائكة، تتضمن نظرة كل منهما للمسلمين، ووجهة نظرهما في ملف اللاجئين، وتوجهاتهما تجاه تركيا الحليف السابق لألمانيا، قبل أن تتوتر العلاقات بشدة بين البلدين مؤخرًا.

وخلال المناظرة ومع اقتراب نهايتها أجرت شركة «إنفرا تيست ديمبا» استطلاع رأي تليفونيًا لنحو ألف شخص، نشرته القناة التلفزيونية الأولى «إيه آر دي»، وقال 55% من المبحوثين إن ميركل كانت أكثر استطلاعًا من شولت، في مقابل 35% لشولتس، وهي أفضل نتيجة حصلت عليها ميركل خلال الحملة الانتخابية لأربع دورات تسريعية في البلاد على حد تعبير القناة الألمانية.

وأظهر نفس الاستطلاع نجاحًا لميركل في إقناع نسبة أكبر ممن لم يحسموا أمرهم بعد؛ إذ حصلت ميركل على 48% من أصوات الذين لم يحسموا أمرهم بعد، فيما اجتذب شولتس 36% فقط من هذه الشريحة، التي كان يعول عليها شولتس كثيرًا لاجتذاب أصواتها في الانتخابات المقبلة.

المرشحان يؤكدان أن «الإسلام جزء من ألمانيا».. ولكن!

وحول ملف المسلمين، أظهر المرشحان تقاربًا في وجهات النظر، وأكدوا ضرورة تأهيل الأئمة المسلمين، واستبعاد «وعاظ الكراهية»؛ وأشارت ميركل إلى زيادة المسلمين القادمين من بلدان عربية إلى ألمانيا، وأكدت وجوب إغلاق المساجد «التي يحدث فيها أشياء لا تعجبنا».

وأعربت عن تفهمها لمن لا يعتبرون الإسلام جزءًا من ألمانيا، بقولها «أفهم الناس المتشككة؛ إذ إن ما سبب ذلك هو الإرهاب الممارس باسم الإسلام»، مضيفة أن الدور هنا يأتي على رجال الدين المسلمين ليقولوا «الإرهاب لا علاقة له بالإسلام»، واختتمت حديثها في هذا الشأن: «الإسلام المتوافق مع الدستور جزء من ألمانيا»، وهو حديث لا ينفصل عن وجهة نظر الحزب التي تقول: «يساهم المسلمون في ألمانيا منذ وقت طويل في نجاح بلادنا».

وبدوره، أكد شولتس على ضرورة أن تمنع ألمانيا وجود من وصفهم بـ«أئمة ووعاظ كراهية» لافتًا إلى أن هذا النوع من الوعاظ «ينطبق على أولئك القادمين من السعودية»، وتعبر وجهة نظر حزب شولتس مثل حزب ميركل، فيما يخص احترام مسلمي ألمانيا، إذ قال شولتس سلفًا: «بخصوص المسلمين الذين يعيشون في ألمانيا، أقول بصراحة ووضوح: المسلمون والإسلام هم جزء من بلدنا».

ومع تأكيد ميركل وشولتس بأن الإسلام جزء من ألمانيا، يشتكي المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا من عدم اعتراف الحكومة الألمانية بالمسلمين رسميًا، كطائفة دينية مثل الطائفة المسيحية واليهودية، ويقول عبد الصمد اليزيدي أمين المجلس «للأسف الإرادة السياسية بهذا الشأن معدومة» لافتًا إلى توافر شروط ذلك الاعتراف في المسلمين ومؤسساتهم في ألمانيا.

ومع ذلك أسس المجلس موقعًا يحمل اسم «بوصلة الناخب» يحث فيه المسلمين للمشاركة الانتخابية عمومًا دون دعم حزب بعينه، ويتضمن إجابات 30 سؤالًا تشمل مواقف الأحزاب الألمانية المختلفة من الإسلام وأهم قضاياهم، ولكن المجلس أيضًا يشتكي من تجاهل بعض الأحزاب الألمانية للاتحادات الإسلامية، واتهامها بأنها وسيلة تأثير من الخارج من دول مثل السعودية وتركيا للتأثير في السياسة الألمانية الداخلية.

المرشحان يتحدان على مهاجمة تركيا

وحول توتر العلاقات الألمانية التركية، فقد اتحد المرشحان على مهاجمة تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، واعتبرا إياه «مستبدًا وديكتاتورًا» منتقدين الاعتقالات التي نفذتها الحكومة التركية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة وتضمنت مواطنين ألمانًا.

وفي هذا الصدد، قال شولتس صراحة إنه «سيلغي مفاوضات عضوية الاتحاد الأوروبي مع تركيا» إذا ما فاز بمنصب المستشار، وهو ما لم يختلف كثيرًا عن موقف ميركل التي قالت «إن تركيا لن تنضم أبدًا إلى الاتحاد الأوروبي» وبالأخص في ظل حكم أردوغان.

ويعد موقف المرشحين المنتقد لتركيا والرافض لدخولها الاتحاد الأوروبي، ليس جديدًا على المناظرة، وإنما هو موقف تبناه المرشحان خلال عدة أسابيع مضت، وهو ما دفع أردوغان إلى مطالبة المواطنين الألمان من أصل تركي بعدم دعم الحزب الديمقراطي المسيحي، الذي تترأسه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ذلك بالإضافة إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي وحزب الخضر، في الانتخابات البرلمانية المقبلة، مُعتبرًا إياهم «أعداء لتركيا»، لافتًا إلى أن تلك الأحزاب «تعتقد أنها ستحصد المزيد من الأصوات بقدر مهاجمتها لتركيا». ودعاهم لدعم الأحزاب التي لا تعادي تركيا، واصفًا ذلك بـ«مسألة كرامة لمواطنينا المقيمين في ألمانيا»، وهي دعوة انتقدتها ميركل وطالبت الألمان من أصل تركي بألا يستجيبوا لها.

وتحمل تلك التصريحات حيثية اعتبارية كبيرة لألمانيا وتركيا، ليس فقط لتسببها في تصعيد الخلاف بين البلدين، وإنما أيضًا لكبر حجم الجالية التركية في ألمانيا؛ إذ تُعد الجالية التركية في ألمانيا أكبر جالية أجنبية هناك، ببلوغ عددها 3 مليون نسمة وهو ما يمثل قرابة ربع نسبة الأجانب المقيمين في ألمانيا، من بينهم نحو 1.2 مليون، حصلوا على الجنسية الألمانية بالفعل، مما يجعلهم يملكون الحق في التصويت، بكتلة تصويتية لا يُستهان بها في الانتخابات البرلمانية المُقبلة.

ولكن عددًا من الصحف الأجنبية أشارت إلى أن دعوة أردوغان لن تؤثر بالسلب على حظوظ ميركل كثيرًا ؛على اعتبار أن الألمان من ذوي الأصل التركي نادرًا ما يدعمون حزب ميركل، وأشارت إلى أنه على العكس، قد تدعم استجابة الأتراك إلى تلك الدعوة، حظوظ ميركل، على اعتبار أن كثيرًا من الألمان من ذوي الأصل التركي عادةً ما يدعمون اليسار، الذي يمثله منافس ميركل مارتن شولتز عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وهذا قد يقلص أيضًا من حظوظ شولتس في الفوز بالاستشارية على اعتبار أن الأحزاب الأخرى التي طلب أردوغان دعمها أصغر من أن تحقق الانتصار في الانتخابات.

اقرأ أيضًا: 4 أسباب محتملة لانفجار العلاقات بين تركيا وألمانيا قريبًا

تباين بشأن ملف اللاجئين والهجرة

وحول ملف اللاجئين، هاجم شولتس سياسة ميركل بشأن ملف اللاجئين، وقال: «كان سيكون من الأفضل لو تم إشراك جيراننا الأوروبيين في معالجة أزمة الهجرة واللاجئين في عام 2015»، ولكن ميركل دافعت عن سياستها وقالت إن الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وتركيا كانت الجواب الأنسب للأزمة، ولم ترَ ميركل موجة اللاجئين «خطرًا وإنما تحدٍّ كبير».

وفي الوقت الذي يُحذر فيه شولتس بشدة من موجة هجرة جديدة إلى ألمانيا، تدافع ميركل عن سياسة «الباب المفتوح لاستقبال اللاجئين، وترفض وضع حد أقصى لأعداد اللاجئين الذين تستقبلهم ألمانيا سنويًا، وهو ما يمثل مصدر خلاف بين ميركل وحليفها في الحزب المسيحي الاجتماعي، الذي يطالب بوضع حد أقصى للاجئين الذين تستقبلهم ألمانيا سنويًا، وهو ما ترفضه ميركل بقوة.

وقد استقبلت ألمانيا في عام 2015، 1.1 مليون لاجئ من مختلف الجنسيات وهو أعلى عدد من اللاجئين تستقبله دولة أوروبية في ذلك العام، وتعد ألمانيا أكبر مستقبل لطلبات اللاجئين السوريين في أوروبا، وقد استقبلت أكثر من 507 آلاف طلب لجوء في الفترة، من أبريل (نيسان) 2011، وحتى يوليو (تموز) 2017. وقد اتفق ميركل وشولتس على ضرورة تسريع «المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين»، من وتيرة عمله لسرعة حسم مصير طلبات اللجوء، وترحيل المرفوضة طلبات لجوئهم.

عدد طلبات لجوء السوريين إلى ألمانيا الأكبر في أوروبا (المصدر: المفوضية السامية لشؤون اللاجئين).

وتطرح ميركل وحزبها مشروع قانون يتيح للكفاءات الأجنبية الحاصلة على عقد عمل، إمكانية الهجرة إلى ألمانيا، دون سن قانون للهجرة. فيما يفضل حزب شولتس النموذج الكندي ونظام نقاطه، الذي يعتمد على منح نقاط للخبرة المهنية ومستوى اللغة الألمانية وللعمر، وكلما زادت نقاط المتقدم لطلب الهجرة زادت فرص الموافقة على طلبه، ويريد شولتس أن يتولى البرلمان تحديد العدد الأقصى للمهاجرين.

الأمن والضرائب وسوق العمل

تتفق ميركل وشولتس على أن ألمانيا تحتاج المزيد من عناصر الشرطة، ويريد كل منهما تعزيز صفوف الشرطة الألمانية بـ15 ألف وظيفة جديدة، كما يتبع المرشحان سياسات ضريبية متقاربة؛ إذ يُخططان إلى تخفيف العبء الضريبي على المواطنين بمقدار 15 مليار يورو.

وحول سوق العمل، تتفق ميركل وشولتس أيضًا على خطة «التشغيل الكامل»، والتي بموجبها ينخفض معدل البطالة إلى ما دون 3%، بتوفير فرصة عمل لـ2.5 مليون شخص، وتهدف ميركل لتحقيق تلك الخطة مع الوصول لعام 2025، فيما لم يحدد شولتس وحزبه إطارًا زمنيًا معينًا لتحقيقها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد