توسعت أعمال الاحتجاجات في فرنسا، بعدما أدى الإضراب الذي نفذه المتظاهرون إلى توقف شبكة النقل العام، وإغلاق المدارس بكافة أنحاء المدن الفرنسية، وسط تعهدات بتصعيد أكبر، وتلويح باستخدام أوراق أكثر فاعلية في معركتهم الدائرة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حول نظام المعاشات المتقاعد الذي يُريد ماكرون إدخال بعض التعديلات عليه.

يندرج هذا الخلاف حول القانون، تحت صراع أكبر بين ماكرون القادم من حكومة يسارية (كان وزيرًا فيها)، والساعي نحو تنفيذ إجراءات إصلاح اقتصادية مدعومة من الطبقة الرأسمالية في فرنسا، وقطاع العمال، الذين يرون هذه الإصلاح بأنها مجحفة، تنتقص من حقوقهم، وتقوض العدالة الاجتماعية، وتُعمق اللامساواة في فرنسا، رافعين شعار «كفى إصلاحات يا ماكرون» في مواجهة الرئيس القادم من خلفية رأسمالية خلافًا لما يروج البعض عنه.

دولي

منذ 4 شهور
بعد عام من «السترات الصفراء».. هل تستطيع الحركة خلق عقد اجتماعي جديد بفرنسا؟

مصرفي وليبرالي أيضًا.. ماكرون ليس يساريًّا

على مدار عقود طويلة، شكلت مسيرة ماكرون السياسية والمهنية، كان الرجل حريصًا دومًا على تجنب الإفصاح عن خلفيته السياسية؛ فهو لم يعلن ولو مرة واحدة أنه داعم للتوجه اليساري أو الحزب الاشتراكي، خلافًا للتصور الرائج عنه بأنه «يساري».

وقد ترسخ هذا الاعتقاد عند الكثيرين في ضوء عمله السابق وزيرًا للمالية في حكومة اشتراكية، وأيضًا دوره مستشارًا في لجنة  اقتصادية لدعم الاقتصاد الفرنسي تحت رئاسة جاك أتالي، مستشار الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران.

غير أن المسيرة المهنية للرجل الذي عمل لسنوات طويلة في مصرف «روتشيلد»، عرف خلالها أسرار البنوك والمالية، و«اكتشف خلالها كيف يسير عالم المال والاقتصاد»، وأتاحت له صداقة أعتى رموز الرأسمالية في فرنسا، وإخضاع كُل شيء حوله للربح والخسارة المالية كما هو الحال في البنوك؛ قد تكون سببًا للتعامل معه بوصفه رأسمالي، خلافًا لما هو رائج عنه، خصوصًا بعدما تأثر بهذه الفترة من عمله، وانعكست في إدارته لاقتصاد بلاده لاحقًا.

واقعة أخرى مهمة في فهم خلفية الرجل، تتجلى في رفضه الاستجابة لنداءات الحزب الاشتراكي للمُشاركة في الانتخابات التمهيدية مثل باقي المرشحين قبل الترشح للانتخابات الرئاسية، متحججًا في هذا الرفض بأنه «رجل حر لا يمكن وضعه في خانة سياسية ما».

ولهذا المدخل أهمية في فهم سياسة الرجل وإصلاحاته التي يروج لها ونفذ الكثير منها، منذ صعوده للحُكم، والتي تُشكل صراعًا في الداخل الفرنسي، وسببًا رئيسيًا في تجدد الاحتجاجات بنزول مئات الآلاف من المتظاهريين للشوارع بين الفترة والأخرى، كان آخرها معركة قانون المعاشات التي شارك فيها نحو نصف مليون متظاهر.

المحور الرئيسي لخطة الإصلاحات الاقتصادية التي دفع بها ماكرون هي تمرير تخفيضات ضريبية باعتبارها وسائل تحفزيزية لإنعاش اقتصاد بلاده الذي كاد يدخل مرحلة الركود عند وصوله للسلطة. وفي مرحلة تطبيق البرنامج، نظر ماكرون لقطاع الأعمال بوصفه المنقذ له من حجم التدهور الذي لحق باقتصاد بلاده؛ ليُعلن في أول موازنة له في 2018 إلغاء ضريبة الثروة، واعتماد برنامج لتحفيز الاقتصاد، صديقة لقطاع الاعمال.

كان لهذه القرارات التي دخلت ضمن خطته الإصلاحية أثر في خفض إجمالي الضرائب على الأفراد والشركات بنحو 11.1 مليار دولار، وتحسن الوضع الاقتصادي، وتراجع البطالة وتدفق للاستثمارات الخارجية من جديد، وخروج تقارير من المؤسسات المالية ممتدحة السياسيات، ومبشرة بعودة جديدة للحصان الأسود في السوق الأوروبية. وهي عوامل خلقت له ظهيرًا سياسيًا من رجال المال في باريس، داعمين لاستمراره.

غير أنها في المقابل خلقت له تيارًا واسعًا مناهضًا من قطاع المهن الحرفية، ينظرون إلى ماكرون على أنه «رئيس الأغنياء»، ويرفضون تمرير برنامجه الاقتصادي الإصلاحي، وسط اتهامات لحكومته بأنها تكنوقراطية لا تعرف حقيقة مشاكل الناس، وتنظر إليها بفوقية.

هذه الفوقية تمثلت في استراتيجية الحكومة الدفاعية، نهاية العام الماضي، عن قراراتها بزيادة الضرائب ورفع أسعار البنزين، التي تراجعت عنها لاحقًا، حين نفت أن يكون غرض هذه الزيادات على البنزين تحميل المواطنين، خصوصًا سكان الأرياف والمزارعين وكل من يحتاج لسيارته للتنقل، بل التسريع في «النقلة البيئوية» التي التزمت بها فرنسا وكل البلدان التي وقعت على «اتفاقية باريس للبيئة» في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015.

أعاد هذا التيار الشعبي الرافض لسياسات ماكرون تذكيره بوعوده الانتخابية، حين تعهد بألا يكون هناك منبوذون ومنسيون في فرنسا وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين في حال انتخابه رئيسًا للبلاد. غير أن هؤلاء المنسيين أعادوا تنظيم صفوفهم، بعدما تجاهل مكرون نداءاتهم، للحيلولة دون تمرير هذه السياسات المزعومة «بالإصلاحات الاقتصادية»، بتأسيس حركات احتجاجية لم تعد فقط محصورة بـ«السترات الصفراء» التي انطلقت في السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2018.

كان لهذه الحركات مردود بعدما نزلت بأعداد كبيرة، خصوصًا بعدما انضمت إلى هذه الحركات الاحتجاجية شرائح قطاعية إضافية لتزيد المشهد تعقيدًا، مثل القطاع الزراعي وسائقي الشاحنات، وسائقي سيارات الإسعاف وغيرهم من أصحاب المطالب الذين يرون أنها الفرصة المناسبة لانتزاع  تراجع جديد في قانون المعاشات.

كذلك تراجع ماكرون أمام تظاهرات العام الماضي، بعدما أكدت حكومته سابقًا أنها «لن تتزحزح». وقرر إلغاء الزيادات، وأبطلت قرارًا سابقًا بتشديد المعايير التقنية المفروضة على السيارات، وألغت الزيادات المقرّرة -ككل بداية عام- على أسعار الغاز المنزلي والكهرباء، وسعت لاسترضاء المزارعين وكل من رفع مطلبًا.

العالم والاقتصاد

منذ 4 شهور
وداعًا للعصر الألماني.. كيف أصبحت فرنسا الحصان الأسود لاقتصاد أوروبا؟

ماكرون يتعامل مع عُمال النقابات كأنهم موظفي بنك

كان آخر محطات الإصلاح الاقتصادي التي دفع بها ماكرون هو إنهاء كل الأنظمة الخاصة التي يستفيد منها بعض الموظفين والعاملين في الشركات العامة الكبرى وقلة من القطاعات المهنية الأخرى (البحارة وموظفو أوبرا باريس وغيرهم)، وفرض نظام عام للتقاعد يعتمد على النقاط.

وكحال أي نظام رأسمالي لا يرى في القوانين سوى بُعد واحد يتعلق بالربح والخسارة دون اعتبار لأبعاد أخرى تتصل بأوضاع هؤلاء العاملين بعد إحالتهم للمعاش؛ ترى الحكومة الحالية أن أنظمة التقاعد السارية الآن مكلفة جدًا، ففي قطاع النقل في باريس بلغ معدل سن التقاعد 55.7 عامًا في 2017 مقابل 63 عامًا لمتقاعدي النظام العام.

ويساهم العامل بموجب القانون الذي يريد ماكرون تمريره، بيورو واحد يوميًا، ليكون بهذا أجر التقاعد متساويًا بين الجميع عند نهاية الخدمة، كلٌّ حسب عدد السنوات والأيام التي عملها.

وانطلاقًا من هذا البُعد الأحادي في التعامل مع القانون، يريد ماكرون إجبار العمال على التقاعد لاحقًا أو تخفيض معاشاتهم التقاعدية، وهو في ذلك يقع في الإشكالية التي أثارها بول كروجمان، الكاتب والمُفكر الاقتصادي، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2008، من كون أن إدارة شؤون العاملين في الشركات أو البنوك تختلف عن قوانين القوى العاملة والرقابة المالية على البنوك تختلف عن السياسات النقدية، وذلك ضمن حديثه الأوسع أن رئيس الشركة لا يصلح كي يكون رئيس دولة.

تفسير عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل الأخير ينعكس في دوافع كُل فريق في التمسك برأيه تجاه قانون المعاشات، ففي حين يريد ماكرون من تمرير القانون تقليص العجز العام كذلك، من خلال إلغاء 120 ألف وظيفة عمومية، وتخفيض الإنفاق العام بـ60 مليار يورو، ترفض النقابات المهنية  القانون الجديد الذي يستند إلى النقاط، وتراه أنه يأخذ في الاعتبار «قيودًا محددة» و«صعوبات مرتبطة بطبيعة عملهم في الخدمة العامة».

ويدافع فريق ماكرون عن التمسك بتمرير القانون لأسباب لها علاقة بأن استمرار إنفاق فرنسا 14% من الناتج المحلّي الإجمالي على المعاشات سيجعلها  تتعثر في عجز مالي يتجاوز 17 مليار يورو، أو 0.7% من الناتج المحلّي الإجمالي، بحلول عام 2025.

ويمكن القول بأن هذا النزاع لا يخرج عما فسره الحائز على جائزة نوبل، حين ذكر أن التجارب والخبرات السابقة في أكثر من دولة والنظرية القائمة على أن رجل الأعمال، أو مدير المؤسسة المالية الذي يصنع مليار دولار، نادرًا ما يكون الشخص المُناسب لإدارة اقتصاد حجمه 6 تريليون دولار، فمسألة أن من يستطيع تكوين ثروة خاصة، تتوفر لديه القدرات على جعل أمة أكثر ازدهارًا هي مسألة غير صحيحة، إذ يتضح إلى أن نصائحهم تكون كارثية ومُضللة إلى حد كبير.

سياسة

منذ سنتين
«قائد أوروبا المستقبلي»: كيف ينفذ ماكرون سياساته اليمينيّة في العالم؟

المصادر

تحميل المزيد