يقال إن «مصائب قوم عند قوم فوائد»، ولعل هذا ما حصل بعد الاستفتاء التاريخي، الذي بموجبه تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي، في سابقة من نوعها لأعضاء الاتحاد، بلا شك ستخلف على إثرها تداعيات إقليمية ودولية.

ويظهر أن الصحافة العالمية استغرقت في عد التداعيات السلبية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على النظام العالمي بشكل عام، ونسي الجميع أن هذه المغادرة التي اختارها البريطانيون طواعية لها أيضًا فوائد، بالنسبة لأطراف مختلفة.

الاقتصاد الصيني يستعد للصعود بقوة

عقب ظهور نتيجة الاستفتاء، علق رئيس الوزراء الصيني، «لي كيشيانج»، قائلًا «إن قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي، يزيد حالة الغموض التي تحيط بتعافي الاقتصاد العالمي»، وعلى ما يبدو، فقد كان محقًا في أن هذا الأمر قد يربك الأسواق الصينية لبعض الوقت، لاسيما أن الاتحاد الأوروبي يعد أكبر شريك ثان للصين، إلا أن معظم المحللين يؤكدون بأن الصين ستكون المستفيد الأول من مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي، على المدى البعيد.

كافح الاقتصاد الأوروبي كثيرًا؛ لمجابهة القدرة التنافسية للاقتصاد الصيني، وبالكاد استطاع الوقوف أمامه كند منافس، لكن بعد خروج بريطانيا، ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، ستصبح الساحة العالمية مفتوحة على مصراعيها أمام صعود الاقتصاد الصيني. مثلما يعزز ذلك فرص الاستثمارات الصينية في البلدان الأوروبية، دون أن تضطر الصين لفتح أسواقها أمام الشركات الأوروبية، الأمر الذي كانت تصر عليه المفوضية الأوروبية، إلا أن موقفها لن يبقى قويًا بما فيه الكفاية للضغط على بكين لفتح سوقها، بعد خروج بريطانيا.

 

لا يقتصر الأثر الإيجابي لانفصال بريطانيا عن الاتحاد على الجانب الاقتصادي فقط، وإنما أيضًا يتعدى الجانب السياسي؛ إذ لطالما عانت الصين من التدخلات الغربية بخصوص أوضاعها الحقوقية والسياسية، وبعد بوادر تشرذم الاتحاد الأوروبي ستتحلل الصين من الضغوط الأوروبية لاحترام حقوق الإنسان والقواعد الديمقراطية، التي لا تبالي بها حكومة بكين.

تآكل الاتحاد الأوروبي يطمئن روسيا

إذا كانت الصين المستفيد الأول اقتصاديًا من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن روسيا هي المستفيد الأكبر سياسيًا، بالنظر إلى حجم الملفات الشائكة العالقة بين روسيا وأوروبا.

وقد عبر عن ذلك صراحة، «ديفيد كاميرون»، رئيس الوزراء البريطاني، عندما قال «إن (بوتين) ربما يصبح سعيدًا؛ إذا ما تركت بريطانيا الاتحاد الأوروبي»، لترد عليه المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية «ماريا ساخروفا» قائلة إنّ «روسيا ليست منخرطة في الأمر، والناخبون الروس لن يشاركوا في تحديد مصير بريطانيا، سواء بالخروج أم البقاء في الاتحاد الأوروبي».

لكن، في الواقع، لا يخفي المحللون الروس فرحتهم ببداية تفكك الاتحاد الأوروبي؛ إذ يقول «سيرغي مدفديف»، المحاضر بمدرسة موسكو العليا للاقتصاديات، إنه في حال خروج بريطانيا، وتسبب ذلك في أزمة في الاتحاد الأوروبي، فإنها «ستكون دعاية انتصار محلية لروسيا».

ولم يكن من الغريب احتفاء وسائل الإعلام الروسية الرسمية بنتيجة الاستفتاء المؤيدة لاستقلال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، فلطالما عمل «الكريملين» على دعم الجماعات الشعبوية، والمعادية للاتحاد الأوروبي، مثلما حصل مع حزب «الجبهة الشعبية الوطنية» بزعامة «ماري لوبان»، التي تلقت قرضًا روسيًا لتمويل حملاتها في الانتخابات الفرنسية الأخيرة.

ومن ثمة ترغب روسيا، حسب المحلل السياسي، «إنغو مانتويفل»، في زعزعة استقرار أوروبا، وتعميق الخلافات على أرضها، مما يوفر فرصًا أفضل للحكومة الروسية؛ لتخفيف العقوبات المسلطة عليها، وفرض شروطها خلال مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يمنح دفعة قوية لسياساتها الاقتصادية والدبلوماسية المتعثرة، إذا ما حصل.

أما على الصعيد الأمني، فخروج بريطانيا من «كتلة اليورو»، يشغل الاتحاد الأوروبي بالعمل على ضمان استمرار عضوية البلدان المنضوية تحته، بدلًا من استمراره في التوسع، وضم مزيدًا من البلدان السوفييتية سابقًا، ودول البلقان، المناطق التي تعتبرها روسيا «حزامًا استراتيجيًا مشروعًا» لا يجدر بالغرب الاقتراب منها.

 

ومنه تحطمت آمال «الأوكرانيين والمولدافيين والجورجيين» في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بعد خروج بريطانيا، الأمر الذي يعد سارًا بالنسبة لحكومة الكريملين؛ إذ سيوفر ذلك الفرصة لبوتين من أجل استعادة نفوذ روسيا التاريخي.

دول أوروبية أيضًا من بين المستفيدين

بالرغم من إبداء جميع البلدان الأوروبية استياءها من نتيجة استفتاء بريطانيا، إلا أن بعضها سيكون مستفيدًا من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

«لوكسمبورج»، إحدى تلك الدول الأوروبية، التي يجمع عليها المحللون على أنها مستفيدة من مغادرة بريطانيا الكتلة الأوروبية؛ وذلك لتزايد حظوظ هذا البلد في أن يصبح السوق المالية الرئيسة في أوروبا، بدلًا من بريطانيا، ومن ثم ستضطر المؤسسات المالية الناشطة في السوق الأوروبية الموحدة، والمستقرة في لندن، إلى التحول إلى لوكسمبورج.

ويستعد القطاع المصرفي في لوكسمبورج لاستقبال عشرات البنوك المالية العالمية، الأمريكية منها، والأسترالية، والكندية، والسويسرية، والصينية، بعد أن خسرت لندن جوازها الأوروبي.

من جهة أخرى، انفصال بريطانيا يفتح المجال أمام كل من باريس وبرلين لقيادة الاتحاد الأوروبي، ما سيعزز المكانة الاقتصادية والدولية للبلدين. وكان الرئيس الفرنسي «فرانسو أولاند» قد صرح «إن من مسؤولية فرنسا وألمانيا أخذ زمام المبادرة».

ويذهب الكاتب «بيرند ريجر» بعيدًا، عندما يعتبر خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي، فرصة مواتية لتحرك أوروبا نحو مزيد من التكامل والتوحد، بالنظر إلى أن لندن قد كانت تعرقل العديد من مشاريع القوانين في هذا الإطار.

ومنه لم يكن من المستغرب رد وزيرا خارجية ألمانيا وفرنسا «فرانك فالتر شتاينماير» و«جان مارك أيرولت» على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بوثيقة مشتركة نشرت الاثنين 27 يونيو (حزيران) 2016، ترسم مسار تعزيز التكامل السياسي في أوروبا. ويقول فيها شتاينماير وأيرلوت «سنحقق تقدمًا جديدًا في اتجاه وحدة سياسية في أوروبا، وندعو الدول الأوروبية الأخرى إلى الانضمام إلينا في هذه العملية».

المصادر

تحميل المزيد