8,407

«حين كان جدنا فخر الدين باشا يدافع عن المدينة المنورة، أين كان جدك أنت؟ أيها البائس الذي يقذفنا بالبهتان». هذا كان رد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد؛ في هجومٍ شهد وجهات نظرٍ متباينة على مواقع التواصل الاجتماعي بالأمس.

كان عبد الله بن زايد قد قام بإعادة نشر تغريدة تتهم «فخر الدين باشا»، وهو آخر الأمراء العثمانيين في الجزيرة العربية 1916-1919، بالقيام بجرائم إنسانية في حق سكان المدينة المنورة؛ إذ تناولت التغريدة قيامه بسرقة أموالهم واختطافهم، وترحيلهم بقطارات إلى سوريا واسطنبول في رحلة سميت «سفر برلك»، وجاء في التغريدة: «كما سرق الأتراك أغلب مخطوطات المكتبة المحمودية بالمدينة وأرسلوها إلى تركيا. هؤلاء أجداد أردوغان وتاريخهم مع المسلمين والعرب».

جاء رد أردوغان على تلك التغريدة في خطابٍ مُصور يتهم فيه ابن زايد بالتطاول على التاريخ لحساباتٍ دولية أخرى، مُبرءًا فيه شخص فخر الدين باشا مما نُسب إليه من اتهاماتٍ زائفة، بحسبه. فمن هو «نمر الصحراء» فخر الدين باشا، وما هي حقيقته؟

«نمر الصحراء».. المدافع عن المدينة المنورة

«نبي الله، لن أتخلى عنكَ أبدًا». *فخر الدين باشا

نقلًا عن المؤرخ التركي «طيباوي»، الذي نقل بدوره عن شهودٍ عيان لفخر الدين باشا، آخر الأمراء العثمانيين في الحجاز، وقائد قوات المشاة، يقول إنه رآه في يوم جمعة من ربيع عام 1918 متجهًا إلى المنبر بعد الصلاة في المسجد النبوي؛ ليتوقف بعد بضعة خطوات، موجهًا وجهه لقبر النبي محمد؛ ليقول بصوت عال وواضح: «نبي الله، لن أتخلى عنك أبدًا»، ثم توجه إلى جنوده، داعيًا إياهم إلى الدفاع عن المدينة المنورة حتى نفاد آخر رصاصة في أسلحتهم، وحتى الرمق الأخير لهم، قائلًا: «أيها الجنود، أنا أتوسل إليكم باسم رسول الله، شاهدي ها هنا، بأن تدافعوا عنه وعن مدينته حتى آخر رصاصة، وحتى النفس الأخير، فالله – سبحانه وتعالى – ورسوله سيكونان معنا، بالرغم من قوة العدو».

كان ذلك قبيل توقيع الدولة العثمانية هدنة «مودروس»؛ إذ أجبرتها المعاهدة على الانسحاب من الحرب الحرب العالمية الأولى، ودعوة فخر الدين باشا إلى التسليم في المدينة المنورة، وهو الأمر الذي رفضه الرجل؛ إذ واصل دفاعه عن المدينة المنورة حتى نفدت منه الذخيرة والسلاح، وأهلكت قواته، وهو ما أشير إليه في المصادر البريطانية التاريخية ذاتها؛ إذ وُصف فخر الدين بالعدو المخلص.

كانت الحرب العالمية الأولى مرحلة حاسمة في تاريخ العالم الحديث، وعلى الرغم من أن تأثيراتها قد غزت خريطة العالم، إلا أن ويلاتها قد أثرت في سياسات الدول حتى يومنا هذا، وإبان ذلك كانت الدولة العثمانية حاملة لواء العالم الإسلامي؛ وكانت الجزيرة العربية – نجد والحجاز – جزءً من ولايات تلك الإمبراطورية، التي عينت واليًا في كل بقعة أرض تابعةً لها.
ومن هنا تبدأ قصة العلاقات التركية السعودية؛ إذ كان «فخر الدين باشا»، أحد الولاة العثمانيين في المدينة المنورة، ولكن جاءت ولايته في مرحلة حرجة من تاريخ كلٍّ من الدولة العثمانية، ومدن الحجاز، وكان له دور فعال في تاريخ كلٍّ منهما؛ أدى إلى تضارب الآراء حول شخصه، فمن ناحية لقب بـ«نمر الصحراء» في المراجع التي أيدت وجهة النظر العثمانية في تلك الفترة، وذلك لشجاعته واستماتته في الدفاع عن المدينة المنورة المحاصرة من الثوار العرب المدعومين من بريطانيا، في حين تجاهلت دوره المصادر العربية، التي أيدت ثورة الشريف «حسين بن علي الهاشمي»، ولقبتها بثورة العرب.

(فخر الدين باشا مظلوم تاريخيًا في بعض المصادر)

كان فخر الدين باشا آخر الأمراء العثمانيين في جزيرة العرب، وترجع طفولته إلى مدينة إسطنبول؛ إذ انتقل إليها مع عائلته وهو في سنٍ صغيرة، دخل بعدها إلى المدرسة الحربية؛ ليتقن فنون القتال، قبل أن ينضم إلى الجيش العثماني؛ ليصبح قبطانًا. كما كان له دور فاعل في حرب البلقان – وهي حرب كانت بهدف السيطرة على أراضي الدولة العثمانية خلال عامي 1912/1913- وعندما اتخذت الدولة العثمانية قرار دخول الحرب العالمية الأولى عام 1914 إلى جانب ألمانيا ضد الحلفاء، تمت ترقيته إلى رتبة لواء، قبل أن يستدعى إلى مدن الحجاز؛ ليدافع عن المدينة ضد الثورة العربية التي اندلعت عام 1916، والمدعومة من القوات البريطانية.

قام الثوار العرب بقيادة الشريف حسين بفرض حصار على المدينة المنورة، كما قاموا بتدمير خطوط السكك الحديدية وخط التلغراف، وذلك بحسب إحدى المواقع الإخبارية التركية؛ إذ يشير إلى مدافعة الأمير فخر الدين باشا عن المدينة باستماتة، بالرغم من فرصه المحدودة ضد الشريف حسين المدعوم من جانب بريطانيا، التي سعت جاهدة لتفتيت الإمبراطورية العثمانية إبان الحرب؛ عن طريق إثارة القلاقل والثورات.

سعى فخر الدين باشا فيما بعد إلى نقل المخطوطات المحمودية إلى إسطنبول تحسبًا لأية عمليات سلبٍ ونهب في المدينة المنورة، بحسب الموقع، فأرسل إلى الصدر الأعظم طلبًا بنقل الآثار المقدسة، وهو الأمر الذي وافقته عليه الدولة العثمانية حينذاك، فأُرسلت 30 قطعة أثرية في حراسة ألفين من جنود الثالوث المقدس.

سنوات الجوع والخوف.. كيف وصف المؤرخون العرب فخر الدين باشا؟

«بدأت الثورة العربية رسميًا، بإطلاق الشريف حسين الرصاصة الأولى من شرفة بيته، في الساعة الثالثة والنصف من صباح السبت الموافق 10 يونيو (حزيران) 1916، على الثكنة العسكرية في مكة المكرمة، وكانت هذه الإطلاقة إعلان استقلال العرب وبدء ثورتهم على سلطة العثمانيين، وكانت الإشارة المُتفق عليها مع رجاله لبدء الثورة».

هكذا روى الباحث عماد عبد العزيز يوسف، في البحث المقدم لنيل درجة الماجستير «الحجاز في العهد العثماني»، الوضع في الحجاز أثناء ولاية العثماني فخر الدين باشا، إذ لم تكن الحجاز مدينة هادئة إبان الحرب العالمية الأولى، بل شهدت مجموعة من الثورات ضد الدولة العثمانية ذاتها؛ من أجل نيل استقلالها، بحسبه.

كان الشريف حسين في ذلك الوقت واحدًا من أشراف العرب، ومؤسس المملكة الحجازية الهاشمية؛ إذ يرجع نسبه إلى علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، وهو من قاد الثورة العربية ضد الدولة العثمانية في الحجاز ونجد، فتحالف مع البريطانيين، وهم العدو اللدود للعثمانيين حينذاك، والمعسكر الآخر في الحرب العالمية الأولى، وذلك من أجل نقل الخلافة إلى العرب بدلًا عن الأتراك.

فيعرض الباحث «عماد عبد العزيز» في بحثه مضمون الرسالة التي تلقاها الشريف حسين من اللورد كتشنر البريطاني، والتي أعقبت إعلان الدولة العثمانية لدخولها الحرب العالمية إلى جانب ألمانيا، فيقول: «إن الفرصة سانحة الآن لإعلان الثورة، ونحن نؤيدكم بها على أن تقفوا معنا في الحرب. إن ملك بريطانيا العظمى ينظر بعين العطف في تنصيب خليفة عربي على المسلمين».

(وثائقي الجزيرة عن الشريف حسين ومراسلاته مع بريطانيا)

يبرر الباحث موافقة الشريف حسين على التحالف مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية، بإجبار الولايات التابعة للإمبراطورية العثمانية على «التتريك»، بجعل اللغة التركية هي اللغة الرسمية للبلاد، وأن الاتحاديين – وهم أول حزب سياسي في الدولة العثمانية تحت اسم الاتحاد والترقي لمؤسسة بهاء الدين شاكر – قد سيطروا على مقاليد الأمور في الدولة بشكل ضاعت معه هيبة الصدر الأعظم والسلطان العثماني؛ مما أثقل البلاد بالديون والقروض؛ كما أنهم زجوا بالدولة العثمانية في حروبٍ خاسرة فقدت خلالها أغلب ولاياتها؛ بما ينذر بنهاية الدولة.

أما عن فخر الدين باشا وجريمة «سفر برلك»، فيرويها عزيز ضياء في كتاب السيرة الذاتية «حياتي مع الجوع والحب والحرب»؛ إذ يروي قصة تهجير أسرته من المدينة المنورة في فترة الحصار؛ تلك الأسرة التي فقدت أربعة من أبنائها بفعل الجوع والخوف والبرد؛ من معاناة الرحلة، ولم يبق منها سوى ضياء نفسه إلى جانب والدته، فيقول: «لقد جاع أهل المدينة الذين هجرهم فخري باشا إلى سوريا، جاعوا، بل مات الكثير منهم جوعًا، ولكن قوات فخري باشا نفسها جاعت في النهاية أيضًا، ذلك الجوع الذي جعلهم يأكلون لحوم الخيل والبغال والحمير التي تنفق من الجوع».

يروي عزيز ضياء قصص أنباءٍ ترددت عن جياع أكلوا لحوم أطفالهم، مُنصفًا فخر الدين باشا نفسه، على الرغم من مأساة عائلته من فعل التهجير؛ إذ انقطعت المؤن عن المدينة المنورة بفعل الحصار وتدمير خطوط السكك الحديدية، فكان الجوع ينهش فخر الدين نفسه وكبار قواده، ولكنه على الرغم من ذلك أبى التسليم.

يصف ضياء «فخر الدين باشا» بالهيبة التي جعلت كبار قواده يخشون أن يفاتحوه في أمر التسليم حتى وإن نهشهم الجوع بأنيابه، وعلى الرغم من قيام قوات الشريف حسين بدعوته للاستسلام في مقابل عودته لتركيا هو وجنوده، أو لأي مكان يختارونه، إلا أنه أبى أن يسلم أو يستسلم، لكن على الرغم من ذلك يرى ضياء فخر باشا، وكل ما فعله من الدفاع باستماتة عن المدينة المنورة، ما هو إلا «فرفرة» لخلافة على وشك الانهيار؛ إذ رآه واهمًا يسعى للحفاظ على الخلافة العثمانية حتى آخر نفس، أكثر منه مدافعًا عن مدينة الرسول وقبره، كما وصف هو نفسه.

بعيون أعدائه.. كيف وصفت الوثائق البريطانية «نمر الصحراء»؟

في كتاب «الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية»، المجلد الرابع، والذي يضم مجموعة من الوثائق والمراسلات المتبادلة ما بين بريطانيا العظمى والشريف حسين، وقادة أركان الحجاز، وغيرهم من السياسيين الذين كانت لهم مصالحًا بخصوص منطقة الحجاز في ذلك الوقت، جاء ذكر القائد «فخر الدين باشا»، في تقرير كتبه «اللفتننت كرنل باسيت»، وهو وكيل المعتمد السياسي في جدة، إلى الكرنل «ويلسن» قائد الأركان العامة لحركات الحجاز، يروي له نتائج مقابلة جمعته بفخر الدين، بشأن المفاوضات على الهدنة في 17 يناير (كانون الثاني) عام 1919، مُشيرًا إلى أن توتر فخر باشا كان بشأن إحدى الرسائل التي ورد فيها أن الحاميات التركية يجب أن تستسلم إلى أقرب قائد من الحلفاء.

يقول عن ذلك فخر الدين إنه لم يعِ ما تعنيه الرسالة في البداية، خاصة عبارة «قائد من الحلفاء»؛ إذ لم يكن يعلم بوجود قائد كهذا يستطيع أن يستسلم له، كما عبر عن استيائه ورفضه التام لتسليم المدينة المنورة إلى ضابط بريطاني مهما كانت الظروف؛ مما يوضح أحد أسباب تمسكه بعدم التسليم، بالرغم من توقيع الهدنة من الدولة العثمانية.

يصف باسيت فخر الدين بأنه رجل لم يستسلم لأحد من قادة الحلفاء، ربما لعدم علمه باعتراف كلٍّ من الحكومة البريطانية والحكومة الفرنسية بالعرب كمحاربين حلفاء. فهل أنصفت الوثائق البريطانية، فخر الدين باشا في النهاية على ثورة العرب؟

يشير باسيت أيضًا إلى أن فخر الدين كان وضعه غريبًا، خاصةً فيما يتعلق بالمدينة المنورة، كما أن عبارة قائد من الحلفاء التي وردت في الرسالة أكثر من مرة، جعلته يوقن أن هذا الأمر غير مقبول نهائيًا من الناحية العسكرية، وهو الأمر الذي دفعه إلى إرسال برقيات رمزية للأستانة، يستفسر فيها عن شروط الهدنة، وحقيقة وضعه، وهو الأمر الذي جعل المؤرخين البريطانيين أنفسهم يصنفون فخر الدين بأنه من الأعداء المخلصين.

أما عن آخر أيام فخر الدين في المدينة المنورة فيرويها عزيز ضياء في سيرته الذاتية، واصفًا تهاوي قوات الأمير فخر الدين من الجوع والهزال والمرض، متساقطين على أبواب المدينة، مضيفًا أن قواته الخاصة كانت قد وصلت معنوياتها من شدة المرض إلى استعدادهم للاستسلام للفرق العربية المحاصرة للمدينة، وهو الأمر الذي واجهه فخر الدين بنقل مقر قيادته إلى الحرم الشريف، ومعه كبار قواته وبعض الأسلحة الخفيفة إلى جانب القنابل اليدوية والديناميت، ويقال إنه طوق صدره وخصره بالديناميت، مهددًا إياهم بأنه لن يستسلم أبدًا، وهو الأمر الذي دفع كبار أركان حربه إلى تقييد يديه عند النوم لعدم وصولها للقنابل، وإجباره على الاستسلام.

يشير عزيز ضياء إلى أن بعض الأنباء التي كانت متناقلة حينذاك، كانت تقوم بـ«تخوين العرب الذين قاموا بتوجيه مدافعهم ناحية المسجد النبوي بعد التعاون مع المشركين»، بحسبه، وهو الأمر الذي استُغل من قبل العثمانيين قبيل استسلامهم؛ للظهور في صورة المدافعين عن أقدس الأماكن الإسلامية في مواجهة العرب الذين استعانوا بالغرب على المسلمين.