كثيرًا ما يفجِّر موضوع اللاجئين من ساحات الحروب إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، سجالًا سياسيًّا ساخنًا بين الأحزاب والتيارات المتنافسة، خصوصًا مع اقتراب مواعيد الانتخابات؛ إذ تطالب الأحزاب اليمينية بتشديد القبضة على الهجرة وطالبي اللجوء، وكثيرًا ما تربط هذه التيارات، وبعض وسائل الإعلام كذلك بين المهاجرين وطالبي اللجوء وبين ازدياد نسب الجريمة وتتهمهم بأخذ فرص العمل على حساب المواطنين، والاستفادة من البرامج الاجتماعية التي يموِّلها دافع الضرائب (ابن البلد)، أو حتى تتهمهم أحيانًا بالإرهاب.

على النقيض من ذلك، فإن القارة الأفريقية لها تقاليد طويلة في قبول اللاجئين واستضافتهم على أراضيها، رغم المستوى الاقتصادي المتدنِّي لمعظم دول القارة السمراء، سواءً فيما يخص اللجوء بين البلدان الأفريقية نفسها، مثلما تستضيف تنزانيا لاجئين من بوروندي منذ الحرب الأهلية خلال تسعينيات القرن الماضي، وكما تستضيف كينيا صوماليين يعيشون في مخيَّماتها؛ إذ يوجد نحو ربع لاجئي العالم في دول أفريقيا جنوب الصحراء، أو فيما يتعلق باستضافة المهاجرين من خارج القارة، ومن بينهم اللاجئون السوريون واليمنيون الذين غادروا دولهم بسبب الحرب لتستضيفهم الصومال والسودان.

 لاجئون من جنوب السودان في مخيم لجوء أوغندي

ومؤخرًا أعلنت أوغندا ورواندا والسودان و«صوماليلاند» استعدادها لاستضافة اللاجئين الأفغان بعد سيطرة طالبان على السلطة في أفغانستان، بانتظار إتمام الإجراءات الإدارية والأمنية قبل نقلهم إلى الولايات المتحدة، وهو ما قد يستغرق عدَّة أشهر.

لكن الدوافع الإنسانية التضامنية على أهميَّتها، ليست السبب الوحيد في استقبال هذه البلدان الأفريقية للاجئين الأفغان، إذ إن الحسابات السياسية والإستراتيجية المرتبطة بعلاقة هذه البلدان بالمجتمع الدولي، بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية، حاضرة بقوة في إستراتيجية الدول الأفريقية تجاه ملفِّ اللجوء بشكل عام، وملف اللاجئين الأفغان بشكلٍ خاص.

اللاجئون في أفريقيا.. لماذا يذهب اللاجئون إلى أوغندا؟

تملك أوغندا تاريخًا طويلًا من استضافة اللاجئين حتى من خارج أفريقيا؛ إذ استضافت على أرضها لاجئين بولنديين هربوا من احتلال ألمانيا النازية لبلادهم خلال الحرب العالمية الثانية، كما يوجد بها أقدم مخيَّم لاجئين في القارة، وهو مخيَّم «ناكيفال» الذي يقع في الحدود مع دولة تنزانيا، وذلك منذ سنة 1958، وهو ثامن أكبر مخيَّم لاجئين في العالم.

ويوجد في هذا المخيَّم العديد من الجنسيات الأفريقية التي تشهد بلدانهم نزاعات مسلَّحة، من بينهم لاجئون من الكونغو الديمقراطية، والصومال، وإثيوبيا، وإيريتريا، وبوروندي؛ وكذلك قد شهدت أوغندا منذ منتصف الخمسينيات وصول موجة من النازحين السودانيين البالغ عددهم 80 ألفًا.

 مدرسة للاجئين في مخيم رينو شمال أوغندا

وقد وصلت إلى أوغندا أولى الطائرات التي حملت 51 لاجئًا أفغانيًّا في الخامس والعشرين من أغسطس (آب) الماضي؛ ويتوقَّع أن يصل عدد من تستقبلهم أوغندا إلى ألفين، وعرفت أوغندا انخفاضًا معتبرًا في نسبة الفقر خلال الثلاثين سنة الماضية من 56% في سنة 1993 إلى نحو 21% في 2016؛ لكن الكثير من سكَّانها يبقون معرَّضين للفقر في أي لحظة.

إلا أن هذا لم يمنع أوغندا من أن تكون رائدة في استقبال اللاجئين؛ إذ تصنَّف في المرتبة الثالثة عالميًّا في قائمة أكثر الدول استقبالًا للاجئين بعد كلٍّ من تركيا التي تستضيف نحو 3.5 ملايين لاجئ، وكولومبيا التي تستضيف 1.7 ملايين لاجئ، فتستضيف أوغندا نحو 1.5 ملايين لاجئ، أغلبهم من الدولتين الجارتيْن اللتيْن تشهدان صراعات داخلية مستمرة: جنوب السودان والكونغو الديمقراطية.

وتتبنى أوغندا هذه السياسة مدفوعةً بمشاعر الوحدة والتضامن بين الشعوب الأفريقية التي سادت خلال الخمسينيات مع الحركات التحررية اليسارية وبروز قطب العالم الثالث، بالإضافة إلى ارتباطها بتاريخ البلاد القريب مع الحرب واللجوء؛ إذ شهدت حربًا أهلية خلال الستينيات وحتى الثمانينيات، أدَّت إلى لجوء الآلاف، من بينهم الرئيس الحالي لأوغندا «يوري مسوفني»، الذي اضطر إلى اللجوء خارج أوغندا بسبب نظام «عيدي أمين» الديكتاتوري.

سياسة

منذ 3 سنوات
أزمة «الأونروا».. هل قررت الولايات المتحدة تصفية قضية اللاجئين بعد القدس؟

تمثِّل أوغندا أحد النماذج المنظور إليها بصورة إيجابية بالنسبة للدول المستضيفة للاجئين، إذ لا «تحبس» اللاجئين داخل مخيَّمات، بل إن اللاجئ في أوغندا يملك الحق في الحركة والعمل وحتَّى الحصول على الخدمات الاجتماعية الأساسية، مثل التعليم والعلاج المجاني الذي يحوزه مواطنو أوغندا، وذلك بصفة رسمية وقانونية منذ  2006 على الأقل.

من ناحية أخرى يعاني اللاجئون في أوغندا من نقص تمويل البرامج الإغاثية الموجَّهة إلى اللاجئين بسبب عدم إيفاء المجتمع الدولي بالتزاماته المالية تجاه هذه القضية؛ إذ إن «برنامج الغذاء العالمي» التابع للأمم المتّحدة أعلن في سنة 2020 اضطراره إلى تخفيض حجم الوجبات الغذائية والمساعدات الموجَّهة إلى أكثر من مليون لاجئ في أوغندا؛ وذلك بسبب انخفاض التمويل الذي شهده في هذا العام، إذ لم يتجاوز 22% من الاحتياجات، بسبب جائحة كورونا والحجر الصحي وما رافقه من انكماش في الاقتصاد العالمي، مما أثَّر في البرامج الإغاثية للاجئين، عكس سنة 2019 التي شهدت تمويلًا كاملًا للبرنامج.

بالإضافة إلى أن مواطني الدولة نفسها يعانون من الفقر والبطالة وغيرها من المشكلات التي تؤثر بدورها في الفرص الاقتصادية للاجئين، لكن ترحيبها باللاجئين وإعطاءهم الصفة القانونية والسماح لهم بحرية الحركة والنشاط تبقى محل إعجابٍ على نطاقٍ واسعٍ.

ليست عملًا خيريًّا.. الحسابات السياسية حاضرة في ملف اللاجئين

بعض المراقبين ينظرون إلى سياسة أوغندا المنفتحة على اللاجئين بريبة؛ إذ يعتقدون أن النظام يستغلُّ هذه الورقة من أجل تلميع صورته لدى الرأي العام الدولي، في ظل الاتهامات الموجَّهة ضده بانتهاك حقوق الإنسان، فالانتخابات الرئاسية التي جرت في يناير (كانون الثاني) 2021 عرفت أعمال عنف وقمع تجاه معارضي الرئيس «يوري مسوفني» الموجود في السلطة منذ 35 سنة.

وكذلك عملت الولايات المتحدة على إصدار تضييقات على إجراءات استخراج تأشيرات السفر ضد مسؤولين في أوغندا ردًّا على الانتهاكات الحقوقية، ومقابل هذه الانتقادات الدولية، تستخدم أوغندا ورواندا ملف اللاجئين من أجل التسويق لصورتها وتعزيز دورها في الساحة الدولية بوصفها حلًّا محتملًا لمعضلة اللاجئين التي تعاني منها دول أوروبا.

وتستفيد أوغندا من المعونات المادية التي تحصل عليها بفعل قبول اللاجئين؛ فعلى سبيل المثال، تتكفَّل الولايات المتحدة بمصاريف اللاجئين الأفغان طوال إقامتهم في أوغندا إلى أن يجرى نقلهم إلى الولايات المتحدة بعد الانتهاء من الإجراءات الإدارية.

فمثلما تنطلق سياسة أوغندا في استقبال اللاجئين من الدول المجاورة من دوافع إنسانية لا يمكن إغفالها، فإن الجانب السياسي والاقتصادي لا يغيبان عن حساباتها أيضًا؛ فبينما يستفيد اللاجئون في أوغندا من الاستضافة الآمنة التي توفِّرها لهم، فإن أوغندا طالما استفادت في المقابل من التمويل الدولي الذي توفِّره مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي لدعم جهود استضافة اللاجئين، خصوصًا قبل جائحة كورونا.

وحصلت أوغندا على 33.8 ملايين يورو في سنة 2021 لدعم جهودها في استضافة اللاجئين، فيما حصلت في السنة التي قبلها على مبلغ 24 مليون يورو، وحازت في أربع سنوات مبلغ 200 ألف يورو دعمًا لجهودها في استضافة اللاجئين.

 الرئيس الأوغندي «يوري مسوفني» 

وبسبب هذه السياسة المنفتحة تجاه اللاجئين، أضحت أوغندا، بالإضافة إلى رواندا، الوجهة الرئيسية بالنسبة للدول الغنيَّة الراغبة في التخلُّص من طالبي اللجوء، وبدا هذا جليًّا حسبما نقلته صحيفة «الإكونوميست» عندما رحَّلت إسرائيل الآلاف من طالبي اللجوء السودانيين والإرتريين، الذين لا يملكون أي وثائق، إلى أوغندا ورواندا، وقد رَحَّلت الأمم المتحدة لاجئين أفارقة موجودين في ليبيا إلى كلٍّ من رواندا والنيجر؛ وعندما أقرَّت الدنمارك قانونًا لترحيل المهاجرين إلى وجهة وسيطة قبل معالجة طلباتهم، كانت رواندا إحدى الوجهات المحتملة.

على جانبٍ آخر أعلنت رواندا استعدادها لاستقبال اللاجئين الأفغان، ولعل تاريخها الدمويَّ خلال حرب التطهير العرقي التي جرت في فترة التسعينيات بين الهوتو والتوتسي؛ مما اضطرَّ الكثير من الروانديين إلى مغادرة البلاد، جلعها تحاول محو الانطباعات السيئة عنها، بالإضافة إلى أن طفولة الرئيس «بول كاجامي» – رفقة آلاف الروانديين – في مخيَّمات اللجوء؛ جعلت مسألة الترحيب باللاجئين سياسةً مقبولةً داخليًّا، ليبلغ عدد اللاجئين في هذه الدولة نحو 137 ألف لاجئ، أغلبهم من بوروندي والكونغو الديمقراطية.

من ناحيةٍ أخرى، تعد رواندا أبرز مثال على الاستغلال السياسي لملف اللاجئين، واستعمالها بصفتها ورقة ضغطٍ في وجه المجتمع الدولي، فقد اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية، ومن بعدها بوروندي، رواندا بتجنيد اللاجئين البورونديين على أرضها من أجل قلب نظام الحكم في بلادهم، وهو ما يوضِّح أن لقضية اللاجئين أبعاد أخرى إذ لا تخلو من التوظيف السياسي.

السودان أيضًا كان من ضمن البلاد التي أعلنت قبولها استضافة عددٍ من اللاجئين الأفغان الذين كانوا يعملون مع الحكومة الأفغانية، استجابةً لنداء الأمم المتحدة، ويستضيف السودان على أراضيه نحو 100 ألف لاجئ من بينهم فلسطينيون وإريتريون وأثيوبيون، بالإضافة إلى لاجئين من جنوب السودان، فضلًا عن اللجوء الداخلي بسبب الحرب في دارفور.

ويطمح النظام السوداني من خلال هذه الخطوة إلى إعادة تسويق صورة السودان لدى المجتمع الدولي بعد عقود من العقوبات المسلَّطة عليه من طرف الولايات المتحدة، ووضعه في خانة «الدول الداعمة للإرهاب»، خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير.

«صوماليلاند» أو «أرض الصومال» هي الأخرى لها حساباتها الخاصة في إعلان عزمها استضافة اللاجئين الأفغان، فهذه المنطقة التي تحظى بالحكم الذاتي في منطقة القرن الأفريقي، أعلنت استقلالها من جانب واحد ولم تنل إلى الآن اعترافًا من أيَّة دولة، ومن خلال مساهمته في ملف اللاجئين يسعى هذا الكيان السياسي إلى انتزاع الاعتراف من طرف المجتمع الدولي به، وكان نائب وزير خارجية «صوماليلاند»، «ليبان يوسف عثمان» قد صرَّح بوجود مباحثات مع المسؤولين الأمريكيين من أجل استضافة لاجئين أفغان.

ويأتي الترحيب الأفريقي باستقبال اللاجئين الأفغان على النقيض من الحكومات الأوروبية التي سارعت إلى التحذير من اللاجئين الأفغان بوصفهم مصدرًا محتملًا للمشكلات الأمنية، فعلى الرغم من مشاركة الدول الأوروبية مثل فرنسا وبريطانيا في الحرب على أفغانستان فيما يقرب من عقدين، فإنه سرعان ما تنصَّل سياسيوها من تحمُّل نتائج الحرب على الشعب الأفغاني.

فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صرَّح في سبتمبر (أيلول) 2021 بأن على فرنسا «أن تحمي نفسها من موجة من المهاجرين القادمين من أفغانستان»، وتناغم هذا التصريح مع تصريحات لسياسيين من اليمين المتطرِّف، على غرار «نايجل فاراج» في بريطانيا، ووزير الداخلية الإيطالي السابق «ماثيو سالفيني» واللذان حذَّرا من إغراق أوروبا باللاجئين الأفغان بوصفهم «مصدرًا للشبهة»، واحتمالية اختراقهم من طرف «طالبان».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد